“هل تعتقد أن علي الانتقال إلى نوريبرو؟”- كان هذا السؤال تحديدا هو ما طرحته الفنانة المصرية هدى لطفي على العديد من الناس الذين قابلتهم في ضاحية نوريبرو في كوبنهاجن كجزء من معرضها التركيبي باستخدام الفيديو في صيف 2010.
وجهت الدعوة إلى هدى لطفي لزيارة الدنمرك في إطار الاحتفال العالمي “ماي ورلد إيماجز” (الصور من عالمي)، وكان ذلك في نوريبرو (وهي ضاحية معروفة بنسبة عالية في حل مشاكل الدمج ووجود نسبة عالية من المهاجرين فيها) وهي الضاحية التي سكنتها خلال إقامتها التي امتدت لثلاثة أشهر. الإجابات التي تلقتها على أسئلتها كانت متباينة بقدر تباين الناس الذين ردوا عليها- منهم الناشط اليساري، وربة المنزل، وزوجان مسلمان تزوجا حديثا، والمتشرد الذي يبيع مجلات الصدقة لكسب قدر ضئيل من المال، والطالب الشاب… الصورة التي تتبلور عن نوريبرو من خلال الفيديو الخاص بها هي عن ضاحية مفتوحة للجميع فيها الكثير من التسامح ومجال للتباين.
هدى لطفي هي دون شك ما تجيب به على سؤالها:
حيث أجابت الفنانة من القاهرة، “بالتأكيد يتعين علي الانتقال إلى هناك. هناك الكثير من الثقافات المختلفة التي تعيش جنبا إلى جنب، وكان من الممتع رؤية، كيف تكيفت وساهمت في الثقافة الدنمركية. ومع أنني مصرية، لم أشعر قط في أي وقت من الأوقات بأنني غريبة هناك. الدنمركيون الأصليون الذين يعيشون في نوريبرو منفتحون بالقدر نفسه على التباين الثقافي للضاحية.”

توقع واقع مختلف

الانفتاح والتسامح لم يكونا بالضبط ما توقعت أن تجده هدى لطفي في نوريبرو. وكانت قد سمعت قبل الوصول عن الاقتتال بين عصابات نوريبرو المحلية وقصص العنف والتوتر العرقي في المنطقة. لكنها حين تعيد النظر في الأمر، ترى أن تلك الصورة هي ما اختارت وسائل الإعلام أن تصور بها نوريبرو.
وتضيف قائلة، “لم أثق قط في وسائل الإعلام- لأن لديها ميل إلى التهويل والتركيز على المبالغة في الحقيقة. قدر كبير من التغطية الإعلامية التي نراها عن المشاكل الاجتماعية في العالم الغربي ترسم صورة سلبية عن المهاجرين- خاصة من لهم خلفية عربية أو مسلمة. وهي جزء من توجه شامل يبرز خوفا بشكل مرضيا من الإسلام. إلا أنها لا تعكس بالضرورة الواقع، وما أريد تصويره وعرضه بالضبط من خلال الفيديو الخاص بي هو الحقيقة. وفيه، أريد أن أبين كيف يناقض الناس الذين صورتهم الصورة العامة التي تبثها وسائل الإعلام، والتي تتبنى بفعلها هذا موقفا سياسيا. ما يقولونه يكشف تحيز وسائل الإعلام وعدم حيادها”، ولا تتردد هدى لطفي في رسم صورة موازية للمعاملة التي لاقتها الدنمرك في وسائل الإعلام العربية بعد أزمة الرسوم الكاريكاتيرية التي طالت النبي محمد. وتبين قائلة، “أعتقد أنها (وسائل الإعلام العربية) أحدثت ضجة كبيرة من حادث ضئيل للغاية”.

حوار إيجابي من خلال الفن

خلفية هدى لطفي هي في المجال الأكاديمي، وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الثقافة والتاريخ الإسلامي، لكنها انهمكت مؤخرا في الفنون البصرية. وهي تعمل اليوم كواحدة من رواد الفن المعاصر المصريين الذين يتعاملون بالمسائل نفسها التي تشكل أساس بحثها الأكاديمي- مثل النوع الاجتماعي، والثقافة، والهوية. ومن خلال نقدها الثقافي البارع، تستخدم أعمالها لتتسلل عبر شقوق القوالب النمطية الثقافية التي تحيط بنا وتطرح أسئلة تفتح الحوار بين ثقافتين.
وهذا بالضبط ما تفعله في الفيديو الخاص بها. توجه أسئلة بسيطة، تظهر أن المسافة بين أي فردين تكون كبيرة بقدر ما يحددانها هم بأنفسهم.
“الطريقة التي أنظر بها إلى الأشياء هي أن هناك من أوجه التشابه بين الناس أكثر مما هناك من اختلافات. إذا اخترت التركيز على الاختلافات، فلهذا دوافع سياسية. في الأساس، جميع شعوب العالم تحمل الأفكار نفسها وجوانب القلق ذاتها، والاختلافات الثقافية غير ذات صلة. من خلال عملي، أردت أن أؤكد نواحي التشابه بين الناس- وليس الاختلافات.”

صورة النساء

في آخر عمل لها، تلقي هدى لطفي نظرة ناقدة على صورة المرأة المسلمة في وسائل الإعلام. خلال العامين الماضيين، طافت مختلف أرجاء مسقط رأسها، مدينة القاهرة، حاملة كاميرا تلتقط صورا لنساء منشغلات في شؤون حياتهن اليومية. هنا، نجد أن الصور نفسها هي من يطرح السؤال حول ما نتوقع نحن المشاهدون رؤيته.
لقد تعبت هدى لطفي من كثرة ما اصطدمت بتصورات عن المرأة العربية المسلمة تصورها “مضطهدة” أو “ضحية”- وهي صور تشعر بأن وسائل الإعلام الغربية تسارع إلى تضخيمها. وتقول، “لا أعتقد أن النساء المسلمات يستفدن من التعريف بهن على أنهن ضحايا. بالطبع هناك نساء هن في الواقع ضحايا أوضاع معينة، مثل النساء اللواتي يتعرضن للعنف المنزلي. لكن النساء عرضة للعنف في جميع أنحاء العالم، وهو ليس مشهدا يقتصر تحديدا على العرب والمسلمين، وثقافة الشرق الأوسط. ولا يمكنك أن تقرر إبراز قضية محددة باستخدام مثال واحد عن امرأة معينة وأن تقول هذا هو وضع جميع النساء في الثقافة الإسلامية. هذا مثال عن تغطية إعلامية بالغة السوء وهذا النوع من التغطية المغرضة يمكن استخدامه كسلاح سياسي.”
بدلا من ذلك، اختارت هدى لطفي عرض صور للنساء المسلمات من مثيلاتها- ممن حظين بقدر جيد من التعليم والاستقلال المادي، نساء يلعبن دوراً نشطاً في الحياة اليومية للمجتمع ويقفن في المجتمع على قدم المساواة مع الرجال. وكما تقول عن نفسها، “لم انظر قط إلى حقيقة أن كوني امرأة يشكل عائقا يمنعني من الحصول على مهنة جامعية أو أن أصبح فنانة.”

تخلص النساء من دور الضحية

لا تمتلك جميع النساء المصريات مدخلا على المكانة المتميزة التي تتمتع بها النساء العصريات في المدن، وهو أمر أبدت هدى لطفي اهتماما في إبرازه.
تواجه المرأة المصرية من الطبقة العاملة وفي المناطق الريفية مجموعة مختلفة تماما من التحديات. ومع ذلك، تعتقد هدى لطفي أن من المهم بالنسبة لهؤلاء النسوة ألا يصنفن كضحايا أيضا. وتنظر إليهن على أنهن نساء لديهن قدراً كبيراً من الإمكانيات والقوة الشخصية- نساء قادرات على شق طريقهن الخاصة في التعامل مع الأشياء. وتشعر أن هذا يعطي النساء قدراً كبيراً من السيطرة على حياتهن اليومية.
“في المناطق الريفية، وحدة الأسرة مهمة للغاية وتلعب النساء دوراً عظيماً هنا. فرغم محدودية حرية حركتهن ضمن المجال الاجتماعي، فإن لديهن قدراً كبيراً من السلطة من ناحية إدارة شؤون الأسرة وتمويل العائلة. وهن قادرات على تجاوز الأحاديث عن السلطة الذكورية. وهذه الصورة لهؤلاء النسوة ممتع اكثر بكثير من تصويرهن كضحايا.”
وتضيف، “على أية حال، السلطة الذكورية ليست صفة تقتصر على الإسلام. جميع الأديان فيها سلطة ذكورية- بما في ذلك المسيحية.”

السلطة مقابل السياسة

تتوقع لطفي أن تكون قد استكملت آخر مشروع تصويري لها وأن تتمكن من عرضه في القاهرة في خريف 2011. وتأمل في أن يشكل المعرض وزناً مضاداً مقابل تزايد انتشار الصور السلبية عن الإسلام والثقافة العربية في الغرب.
“الهدف الأهم الآن هو كشف السياسات الكامنة خلف تنامي الخوف المرضي من الإسلام. والسؤال الذي يتعين علينا طرحه: “لماذا يستخدم الإسلام والمسلمين لتشويه صورة ثقافات، وأديان، وشعوب بعينها؟ ومن هو المستفيد من فعل ذلك؟”
لا تشك هدى لطفي لحظة في أن الدافع خلف ذلك هو السلطة أكثر مما هي السياسة. وتقول، “مضى وقت كانت فيه الشيوعية العدو الأكبر؛ الآن العدو هو الإسلام. الأمر كله يتعلق بالخوف، والناس الذين يتولون السلطة يوجهون الناس ويتلاعبون بهم مستخدمين هذا الخوف. لقد خلقوا خوفاً شاملاً تجاه الإسلام لدى جميع فئات المجتمع ثم قالوا بأنهم يستطيعون حماية المجتمع من الإسلام إذا صوت الجميع لهم. سؤال ماذا سيستفيدون من ذلك لم يطرح بالقدر الكافي- ولو طرح، لرأينا أن ما سوف يستفيدونه من ذلك هو السلطة.”
التصوير:تومس بورو