تلقت هيفاء المنصور رسائل بريدية تتسم بالكراهية ورسائل نصية عدائية وحتى تهديدات بالقتل. وتم اتهامها بأنها تقوم فقط بصناعة أفلام سينمائية مغرضة وتعمل كسمسار فاحشة للغرب، وكان قد تم شجبها لقيامها بتوجيه الانتقاد إلى الإسلام بحيث تم وصفها بأنها عيب يلطخ المجتمع السعودي. ومع ذلك، لا يوجد من بين ذلك كله ما يمكنه أن يقمع أول مخرجة أفلام سينمائية سعودية. فقد وجدت تلك المخرجة بأنها تمتلك مهنة ذات أهداف، بوصفها مخرجة أفلام سينمائية وأنها تأمل بأن يساهم عملها هذا في إلهام نساء أخريات في المملكة العربية السعودية بحيث يتجرأن على اغتنام فرص ستتاح لهن وأن يتحكمن بحياتهن الخاصة. ومع ذلك، فمن المؤكد أن لا يكون الأمر سهلا لكونها امرأة في المملكة العربية السعودية، وخصوصا إذا كانت تطمح ولديها طموحات نحو التعبير عن نفسها من على شاشة كبيرة.

لا يوجد دور عرض سينمائي

وبالرغم من المعوقات الكثيرة أمام هيفاء المنصور، فقد نجحت هذه المخرجة في إنتاج ثلاثة أفلام سينمائية قصيرة وقامت في العام 2005 بإطلاق فيلمها المسمى “نساء بلا ظلال”. ويقوم هذا الفيلم بتفحص قواعد المجتمع المقيدة وهي التي تتحكم بكيفية ارتداء النساء في المملكة العربية السعودية لملابسهن. وكان قد تم عرض فيلم “نساء بلا ظلال” في العديد من مهرجانات الأفلام السينمائية الدولية كما تم عرضه هنا في دمشق وفاز بالعديد من الجوائز بما في ذلك “الخنجر الذهبي” في مهرجان مسقط للأفلام السينمائية الذي عقد في سلطنة عمان. وقد حقق الفيلم أشياء تتسم بالأهمية كان أقلها أنه خلق نقاشا تم داخل السعودية وخارجها على حد سواء وعمل على وضع المملكة العربية السعودية وبكل ثبات على الخارطة باعتبارها إحدى الدول المنتجة للأفلام السينمائية.
وأما في الوقت الحالي، فتعمل المخرجة هيفاء المنصور على أول فيلم سينمائي طويل جدا لها، وهو فيلم خاص بالأطفال يتم تمويله بشكل جزئي من المملكة العربية السعودية وسيتم عرضه داخلها. والفيلم، كأفلامها الأخرى، سيركز أيضا على الاضطهاد المؤسسي الذي تواجهه النساء داخل موطنها. وفي هذه المرة ستقوم هيفاء المنصور بالتعبير عن نقدها للمجتمع من خلال الأسلوب الروائي للأطفال. وبرغم ذلك، سيتم اعتباره انتقادا من الصعب أن ينتشر على نطاق واسع بين أفراد الشعب السعودي لسبب واحد رئيسي هو عدم وجود سينمات داخل المملكة العربية السعودية.

ثقافة مسببة للفساد

تواجه صناعة الأفلام السينمائية في المملكة العربية السعودية ظروفا في منتهى التقييد، فالسينمات محظورة وإنتاج الأفلام السينمائية فيها يعتبر معدوما تقريبا. وكان أول فيلم عربي سعودي والذي لم يكن قبله أي فيلم على الإطلاق قد رأى النور منذ عهد قريب وهو العام 2006 حيث تم بالفعل ذكر هيفاء المنصور في مفاخر الفيلم باعتبارها “منتج مساعد”. وكان الفيلم، وهو “كيف الحال” (والذي يمكن ترجمته بشكل تقريبي باللغة الإنجليزية إلى How are you?)، قد تم عرضه بالفعل في الإمارات العربية المتحدة ومن تمثيل ممثلين أردنيين في أدوار البطولة. وتشرح هيفاء المنصور موضحة الحظر الذي تم فرضه على الفيلم والمخاوف السعودية تجاه وسيلة الفيلم الإعلامية ، كما يلي:

تقول هيفاء المنصور مبتسمة: “بأن أفراد النخبة الدينية الحاكمة هم على قناعة بان الفيلم عبارة عن وسيلة إعلامية غير أخلاقية وهم على اعتقاد بان الأفلام السينمائية ستعمل على إفساد المجتمع السعودي النقي وغير الملطخ بالعيوب، وهذا طبعا أمر خاطئ تماما. ومن الناحية الفعلية، لا يوجد لدى هؤلاء أية فكرة عما يكون عليه الفيلم وأن فهمهم للفن هو فهم محدود تماما. وهم يعتقدون فعلا بأنهم إذا قاموا برفع الحظر عن الفيلم فسيقوم الجميع عندئذ بمشاهدة لا شيء سوى الفحش!”.

تحريض على التغيير من خلال فيلم

توضح هيفاء المنصور ذلك قائلة: “بان الفيلم السينمائي هو أداة من الأدوات التي يجب أن يتم استخدامها في تزويد المجتمع بفرصة أن يعكس نفسه داخل نفسه. والأفلام السينمائية لا يمكن اعتبارها متعة فقط. فهي تقدم لنا حيزا نتمكن من خلاله أن نكون أكثر قبولا وأكثر تسامحا، وهذا هو بالضبط الغاية الأساسية التي استهدف الوصول إليها. وعندما أقوم بصناعة فيلم سينمائي فأنني بذلك أريد من الناس أن يبرزوا الطريقة التي تتم بها الأشياء وليس بأن يقبلوا ببساطة هذا العالم كما هو عليه حاله. والشيء الوحيد الذي سيتم إبرازه هو تلك المعاملة السيئة التي تتلقاها النساء وهو إحدى التقاليد التي امتدت طويلا في هذا الجزء من العالم. ولكوننا قد اعتدنا عليه ولكونه في وضع متواصل بشكل يومي فإننا بذلك قد نسينا بأنه موجود في الجانب الخطأ.”

وتؤكد هيفاء المنصور قائلة: “هناك أناس كثيرون في المملكة العربية السعودية يتمنون من الثقافات الأخرى أن تقبلنا على ما نحن عليه، إلا أن ذلك سيكون من الناحية الفعلية تحديا في منتهى الصعوبة، حتى بالنسبة للكثيرين من السعوديين. وبصراحة، فأنا لا أريد أن أتقبل أي تمييز يتم ضدي وأريد أن تتغير الأشياء وأريد المزيد من الاحترام للنساء في المملكة العربية السعودية والمزيد من حرية التعبير والمزيد من الحنو على رفاق لنا من بني البشر و….. حسنا، حيث باستطاعتي أن أواصل قول المزيد من ذلك.”

متميزة ومحمية

تتمتع هيفاء المنصور بنهج لا يوجد له حصون ذات حواجز عندما تنتقل إلى وصف بلادها ولا تخجل من أن تصف المجتمع السعودي بالمجتمع “المجنون”. وليس من الممكن اعتبار هيفاء امرأة سعودية عادية. فهي تحدث بصراحة وجرأة وتحب المغامرة أكثر من معظم النساء وهذه الصفات يمكن أن تعزى بدرجة كبيرة إلى تنشئتها التي تمتعت بالحماية.
وكانت هيفاء المنصور قد نشأت ضمن عائلة ليبرالية متحررة جدا (بحسب المعايير السعودية) وكان ترتيبها الثامن من بين أفراد عائلتها التي تبلغ في مجموعها اثنا عشر فردا. ووالدها يعمل مستشارا قانونيا كما هو شاعر مشهور أيضا. وبينما كانت هيفاء تكبر في السن كانت تشاهد كيف تتحدى والدتها قواعد المجتمع المكتوبة في الكتب وتلك التي لم تكن مكتوبة، كأن تقوم على سبيل المثال بالخروج من المنزل في بعض الأحيان دون أن ترتدي غطاء الرأس. وكان والدها قد سمح لشقيقتها الكبرى أن تسافر خارج المملكة العربية السعودية بهدف الدراسة، وهو شيء يعتبره المجتمع السعودي أمرا غير مقبول بتاتا.

وتوضح هيفاء المنصور ذلك قائلة: “نحن عائلة متحررة نعيش ضمن مجتمع محافظ جدا. ولم  تكن نشأتي ضمن عائلة ثرية، وبإمكانكم، حسبما اعتقد، أن تدعونا بالطبقة الوسطى-العليا. فوالدي رجل متعلم بشكل جيد وهو رجل تقدمي جدا والذي كان يتمنى أن نكون نحن أطفاله متعلمين أيضا. وكان على الدوام يقدم لنا الدعم ولم اشعر على الإطلاق بأنني مقيدة بسبب كوني فتاة، بالرغم من حقيقة كوني مواطنة في بلد يفرض الكثير جدا من القيود على النساء.

الغريب

بالنسبة لهيفاء المنصور عندما كانت طفلة، فقد نشأت تنشئة حمائية لم يكن يتم النظر إلى تلك التنشئة دائما بمنظور إيجابي.

فهي تقول: “عندما بدأت تعليمي في المدرسة الثانوية، أصبحت على دراية اكبر من ناحية السعي نحو مصادقة الصديقات. وقد لاحظت بسرعة بان كل صديقاتي في المدرسة لا يرغبن في الحضور إلى منزلي لزيارتي. وكان عذرهن في ذلك هو أنني، طبقا لرأيهن، عبارة عن فتاة علمانية وليبرالية متحررة. وكن قد أبلغنني بأنني ليست بالفتاة التي تصلح لان تكون “صديقة-واقع مادي” مناسب وأوضحن لي بان والديهن قد منعوهن من الحضور لزيارتي في منزلي. وهكذا، فقد كان لدي شعور منذ أن كنت يافعة في سن صغيرة جدا بأنني مختلفة عن بقية الفتيات، وهو شعور جعلني في ذلك الوقت أحس بالغضب، إلا أنني في الوقت الحالي اقدم شكري بالفعل إلى والداي اللذين قدما لي الحماية ضد تلك الثقافة السخيفة، وهي ثقافة أصولية تتصف بالسخافة وثقافة تستند بشكل ثقيل جدا إلى عائلات قبلية ذات علاقة بسلالة حاكمة. وكان ذلك هو أفضل هدية يمكن أن يتم تقديمها من قبل والداي والتي لم يسبق لي أن تلقيت مثلها.     

حرية على دولابين

هناك حادثة من بين الأحداث التي تتذكرها هيفاء المنصور على وجه الخصوص سوف يعطي مثلا على مجرد المقدار الكبير الذي بذلته هي وعائلتها من صمود بالابتعاد عن المجتمع المحيط والذي يعكس رفضهم الانحناء أمام القيم الثقافية لذلك المجتمع.
وتقول: “عندما كنت في سن صغيرة، كان أشقائي راغبين في الحصول على دراجات هوائية حيث قام والدي باصطحابي معهم بما أننا جميعا سنحصل على دراجات لكل منا واحدة. ومن ناحية أخرى، رفض بائع الدراجات أن يبيع واحدة لي. وعندما تم سؤاله عن سبب ذلك أجاب ذلك البائع بنغمة من الإنكار التام قائلا لوالدي: “ولكنها فتاة!” ولحسن الحظ، كان والدي مصمم على معاملتنا بشكل متساوي ولهذا فقد حصلت على دراجتي!”

وبالرغم من ذلك، فان تلك الحرية قد أتت ومعها تقييدات. فلم يكن باستطاعة هيفاء أن تركب دراجتها في الشارع بما أن ذلك يشكل خطرا كبيرا بالنسبة للفتيات. ومع ذلك، فقد ركبت دراجتها داخل منزلها وهذا بحد ذاته يجسد تمرد العائلة ضد التركيبة القمعية للمجتمع في المملكة العربية السعودية.

إلهام من واقعية

كانت تلك التجربة المبكرة للتمرد التي خبرتها هيفاء قد أعطتها إلهاما مباشرا بخصوص أول فيلم سينمائي طويل لها وهو: فيلم أطفال تعمل هيفاء عليه في الوقت الحالي. وتقول: “إنه فيلم جيل قادم يدور حول فتاة في سن العاشرة من العمر في المملكة العربية السعودية تصبح من الناحية العاطفية مولعة بدراجة هوائية صغيرة ذات لون أخضر (وتحديدا هي نفس تلك الدراجة التي كانت لدي!) وكانت تلك الفتاة الصغيرة تشاهد الدراجة كل يوم وهي ذاهبة في طريقها إلى المدرسة، ولكنها إذا ما حاولت هي نفسها بان تحصل على دراجة فإنها بذلك ستتصرف بشكل معاكس لمعايير المجتمع، وهو مجتمع يحظر القيام بالأنشطة خارج المنازل وانتقال النساء.”
وبالنسبة لكيفية تطور أحداث القصة وكيفية انتهاءها فهي التي يجب أن تتم مشاهدتها في الفيلم، إلا أن هناك شيء واحد مهم بالنسبة لهيفاء هو:

“أن من المقرر أن يعمل الفيلم على إنهاض المرأة وعلى إبداء الاحترام تجاه النساء، وأن عليه أن يساعد على تقوية وتمكين المرأة السعودية. وإن من المهم أن يعمل الفيلم على خلق الاحترام تجاه هذه الإنسانة الضعيفة التي تمتلك حلما وتلاحق ذلك الحلم بالرغم من كافة العقبات التي تنتصب في طريقها. فهي التي تدفع الثمن الغالي مقابل اختيارها، ولكن ليس هناك شيء بدون مقابل وأن حريتنا هي الشيء الذي يجب علينا جميعا أن نناضل في سبيله. هذه هي الرسالة التي استهدف الوصول إليها من خلال الفيلم وأنا واثقة بأننا نحن النساء سنفوز في نهاية المطاف بهذا الاحترام وسيقوم الناس بتقدير ما قمنا بإنجازه.”

نقد للمجتمع على مستوى الأطفال

لم يكن مفاجئا أن تذكر هيفاء المنصور أفلاما سينمائية إيرانية باعتبارها إحدى المصادر العظيمة التي منحتها إلهامها. وبالنسبة لمخرجي الأفلام السينمائية كـ”عباس كياروستامي” و”سميرة مخمالبسف” فهما مجرد مخرجين سينمائيين اثنين من بين عدد كبير من المخرجين الإيرانيين الذي استخدموا وسيلة أفلام الأطفال الإعلامية كأساس للرواية الاجتماعية الرمزية.
وتؤكد هيفاء المنصور على ذلك قائلة: “بلا شك أن لدى المملكة العربية السعودية وإيران تاريخان مختلفان، إلا أن مجتمعينا يتقاسمان الكثير من الصفات المشتركة من حيث: أن كلا المجتمعين محافظان بشكل كبير وان الوضع السياسي متماثل في كلا الدولتين أيضا.

ومن ناحية أخرى يتوفر لدى إيران تقاليد طويلة جدا في صناعة الأفلام السينمائية، إلا أن بلدينا في هذا المجال مختلفان بدرجة كبيرة. ولكن، ربما تكون الممارسة الإيرانية باستخدام الأفلام السينمائية الخاصة بالأطفال هي ما ألهمني باعتبارها شكل من الانتقاد اللاشعوري. وأول سبب لذلك هو أنني أحرص جدا على جلب ناحية من نواحي النقد للمجتمع لأدخلها إلى أفلامي السينمائية.”

المرء الذي يختبئ خلف الحجاب

في أول فيلم مبكر جدا لهيفاء المنصور وهو فيلم قصير بعنوان “من هو؟” في العام 2003، تم إقحام متطلبات المجتمع السعودي الخاصة بالنساء بان عليهن ارتداء الملابس التي تقوم بتغطيتهن بشكل كامل لتكون تلك المتطلبات في مركز الاهتمام.
وتقول هيفاء في هذا الصدد: “في ذلك الوقت، كانت هناك شائعات منتشرة في كل مكان بان سفاحا مسلسلا (يقتل الناس على التوالي) كان طليقا دون أن يتم القبض عليه. وتم تبليغ جميع الناس بان يقوموا بإغلاق أبوابهم بما أن من المفترض أن يكون ذلك السفاح رجل يتنقل من باب إلى باب طلبا للاستجداء مع انه من الناحية الفعلية يقوم بقتلهم. وكان من المعتقد بان يكون ذلك السفاح مرتديا لباس امرأة، وانتم على علم تماما كيف ترتدي النساء من الملابس في المملكة العربية السعودية حيث يتم تغطية الجسم بالكامل من أعلى الرأس إلى إصبع القدم.

وبدون شك، لم يكن من بين ذلك كله شي حقيقي بتاتا، إلا أنني لم أتمكن من أن أمنع نفسي عن الذهول والتعجب لو كانت تلك الشائعة حقيقية فعلا، حيث يتوقع الناس من النساء أن يلبسن الملابس المغطية لهن بالكامل لكن تلك التغطية الكاملة نفسها ستكون مصدر خوف بالنسبة للبعض الآخر. وهكذا، قمت بعمل فيلم حول سفاح مسلسل يقتل على التوالي، وهو رجل متنكر بزي امرأة مغطاة بالكامل بملابس سوداء مع قفازات وكامل المجموعة، والذي يتجول في كل مكان ليقتل الناس ولم يجر الكشف عنه ومعرفته بتاتا.”

وجود غير مرئي

“عندما انتهى الفيلم لم اكن بالفعل على دراية ماذا سأفعل به. ولكن بعد ذلك تم اختياره ليكون مشمولا ضمن مسابقة جرت في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة. وفجأة، تم نشر فيلمي على الإنترنت وتمت مشاهدته من قبل جميع السعوديين، فقاموا كلهم بإبداء كرههم نحوي بسبب قيامي بعمل هذا الفيلم. وقالوا بأنني كنت في الفيلم “معادية للإسلام” لأنني قمت بنقد الطريقة التي بموجبها يجب على النساء تغطية أنفسهن. وأما بالنسبة لي، فقد كانت حقيقة قيام المرأة بالتغطية الكاملة عبارة عن مسألة لها علاقة بالأمن فعلا. وبالنسبة للمشكلة التي ستنجم عن ذلك فهي تكمن في امتلاء المجتمع السعودي بأعداد كبيرة من الأفراد الذين سوف يكونوا  بلا هوية (وغير معروفين).”

أما في فيلمها الأخير، وهو الفيلم الوثائقي المسمى “نساء بلا ظلال” في العام 2005، والذي لا يزال يتم عرضه في مهرجانات أفلام سينمائية في جميع أنحاء العالم، قامت هيفاء المنصور بعقد لقاء مع النساء اللواتي كن إما منزعجات أو كان من الصعب جدا عليهن التعبير عن أنفسهن بوجود كاميرات التصوير. ومع أن معظمهن قد اقتنعن في نهاية الأمر بان يتحدثن عن ذلك إلا أنهن قد بقين متغطيات بالكامل. فهؤلاء النسوة هن اللواتي بلا وجوه وهن النساء اللواتي لا يستطعن استحداث اتصال مباشر عن طريق العين. وبالنسبة لهيفاء المنصور، فسيكون ذلك شيء بغيض تمقته بشدة، وترثي لهذا الحال قائلة بان:

“وجهك هو هويتك، إلا أن تلك النسوة اللواتي قمن بتغطية أنفسهن بالكامل سوف لن تكون لهن هوية. وتبعا لذلك، سيتم تآكلهن وصولا إلى وجودهن الخاص بهن، وهو الذي سيؤدي إلى خلق مشاكل اجتماعية. ولان الناس لا يعرفون عن هوية أولئك النساء فسوف يتم إبقائهن في عزلة عن الآخرين داخل المجتمع، وسوف لن بمقدور أي فرد أن يتصل بهن وستكون نتيجة ذلك أن يصبحن مجرد أشياء غير محسوسة تجوب الطبيعة. فهن لسن كيانات، وهن أنفسهن سوف لن يعرفن حتى من هن”،

مواطنات من الدرجة الثانية

“بالنسبة للظروف الخاصة بالنساء في المملكة العربية السعودية فهي ظروف صعبة، حيث لا يسمح لنا نحن السيدات بقيادة السيارات وحيث لا نستطيع السفر إلى خارج البلاد إلا بإذن من ما يسمى بـ”الوصي المحرم”. ومن الممكن أن يكون أولئك الأوصياء أب أو أخ أو حتى في بعض الأحيان أبن. وسيكون على “الوصي” إما أن يرافق السيدة كحافظ لها أو أن يعطيها إذن خطي.”

“ولا يحق للنساء السعوديات أن يصوتن في الانتخابات مع أن الانتخابات الوحيدة التي يتم إجراءها هي انتخابات محلية، حيث لا توجد ديمقراطية في المملكة العربية السعودية. وليس باستطاعة النساء السعوديات أن يتزوجن من غير السعوديين دون أن يحصلن على تفويض من وزارة الداخلية السعودية بهذا الخصوص والذي قد يستغرق الحصول عليه مدة سنتين. ولا يسمح للنساء السعوديات بان يتحكمن بحياتهن الخاصة بهن، وهذا هو الذي يشكل المشكلة.” حسب قول هيفاء المنصور والتي تواصل قولها بما يلي:

“يفرض علينا أن نعمل في أماكن عمل منفصلة الجنس (أي تنفصل بها النساء عن الرجال)، ولا يسمح للنساء بالعمل مع الرجال، وهو الذي سيعمل على الحد من وجود فرص عمل خاصة بالنساء بدرجة كبيرة. وقد اعتدت أنا نفسي أن اعمل لدى شركة نفطية. وفي تلك الشركة لم يكن فقط يتوجب علي أن أقوم بالتوقيع على عقد العمل الخاص بي بل أيضا أن يقوم والدي بذلك (بالتوقيع معي). فكان عليه أن يوقع على كونه لا يمانع في أن أعمل لدى تلك الشركة. وفي ذلك الوقت، كنت قد أكملت تعليمي الجامعي وكبرت وأصبحت قادرة على أن اتخذ قراراتي الخاصة بي بنفسي. وبالرغم من كل ذلك، فان والدي ما زال يتطلب منه أن يوقع على تلك القصاصة من الورق لتتاح لي فرصة العمل. إنه لأمر سخيف!”

دفع ثمن باهظ في سبيل العمل

كان مكان عمل هيفاء المنصور في شركة مملوكة لأمريكيين وهو بالتالي ما سيجعلها أكثر ليبرالية وتحررا من معظم النساء. ففي داخل هذه الشركة لم يكن يتطلب الأمر أن تقوم بتغطية نفسها بالكامل وكان عمل الرجال والنساء يتم جنبا إلى جنب. ولكن أماكن العمل التي يمكن للرجال والنساء من العمل معا هي أماكن قليلة تماما، وهو الذي بدوره يؤدي إلى مشاكل اجتماعية، حسب رأي هيفاء المنصور حيث تقول:

“إن التعليم الأكثر انتشارا والسائد بين النساء السعوديات هو ذلك التعليم الخاص بمعلمات المدارس. ويمكن اعتبار هذا التعليم على انه المهنة الوحيدة التي يمكن للمرأة أن تعمل بمفردها مع نساء أخريات (أي المدرسات)، ومع ذلك فان مستوى البطالة بين معلمات المدارس يعتبر مرتفع جدا. فالمدارس الواقعة في المناطق الحضرية لا يوجد بها شواغر، وعليه، سيكون على النساء أن يعملن في مناطق نائية من البلاد. وبما أن قيادة السيارات محظورة على النساء السعوديات وأن النقل العام غير متوفر فسوف تضطر الكثيرات من النساء العاملات إلى السير مشيا على الأقدام إلى ومن أماكن العمل. وقد ينتهي الأمر بالبعض منهن إلى دفع ثمن باهظ، والذي يعني حرفيا أن يسقطن صرعى على قارعة الطريق. إنها لدورة قاسية وشديدة وإنه لثمن باهظ تدفعه النساء.”

تلقين أفكار

ومن ناحية أخرى، ليست النساء السعوديات كلهن يتفقن مع ما تقوله هيفاء المنصور عن أن النساء في المملكة العربية السعودية مضطهدات. فقد تصيبني الدهشة إن أرى أو، لأكون أكثر دقة، إن أسمع بان امرأتين محجبتين بالكامل في فيلم “نساء بلا ظلال” صفقتا استحسانا للآراء السائدة بان “على النساء التمتع بالحرية فقط داخل منازلهن”. فهل جرى لجيل الشابات الأصغر سنا غسيل للدماغ من قبل حكام البلاد الدينيين؟

“في واقع الأمر، تعتبر النساء الأكبر سنا أكثر حداثة وعصرية من جيل النساء الأصغر سنا. واعتقد أن الجيل الأصغر سنا قام قرأ، والى حد كبير، تلك المعتقدات الدينية القديمة نظرا لأننا كنا خلال أعوام الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي تحت حكم نظام مذهب أصولي جدا مع تواجد تفسير صارم للإسلام هو: “أن على النساء البقاء في المنازل، و أن على النساء تغطية وجوههن، وأن على النساء، في واقع الأمر، تغطية كل شيء لدرجة أن يقمن بارتداء القفازات والجوارب السوداء بحث لا تتم مشاهدة أي شي لديهن.” وبحسب ظني فقد كانت تلك الفترة هي الفترة المسئولة عن اعتقاد الجيل الأصغر سنا بالفعل بان النساء لسن مؤهلات للحصول على أية حقوق؟”

التغير الذي طرأ بسبب الحادي عشر من أيلول

“كان هناك بعض الأمل في أن يتحقق تقدم. وبالرغم من كون ذلك أمرا صعبا، فقد واجهت المملكة العربية السعودية ضغوطا متزايدة من قبل العالم الخارجي منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وقد ساعدت تلك الضغوط على حلول ذلك التغيير. وهكذا، فقد كان هناك شيء واحد ايجابي على الأقل ناجم عن ذلك اليوم من أيام شهر أيلول (سبتمبر) عام 2001، حتى أن المذاهب الإسلامية الأصولية قد بدأت بإعادة فحص المؤلفات التي تقوم باستخدامها. ونحن هنا لا نتحدث عن تغيرات جوهرية لكنها كانت تغيرات بالرغم من كل شيء ذلك.”

“والناس بشكل عام لا يحبذون التغيير، وهم بحاجة إلى من يجبرهم على ذلك. ولكني اعتقد بان النساء في المملكة العربية السعودية يواجهن معاناة وأنهن في أمس الحاجة إلى أن يحصلن على التحكم بحياتهن الخاصة بهن وبالحاجة إلى من يلهمهن ولديه أنموذج دور يتم الاقتداء به.”

رائدة بين نساء

ليس لدى هيفاء المنصور أي نفور تجاه وضعها كأنموذج دور والتي يمكن أن يعمل عملها على إلهام نساء أخريات ليقمن بتغيير سلوكهن. ومع ذلك، فهي أيضا على دراية بأنها وفق المعايير السعودية لا تعتبر امرأة عادية.

وتوضح هيفاء المنصور ذلك بقولها: “أنا امرأة مميزة، ولا أعاني من القيود العديدة التي تعاني منها الكثيرات من النساء السعوديات. وأنا أحب أن أرى النساء الأخريات بان يشبهنني، كأول امرأة مخرجة لأفلام سينمائية آو كأول امرأة طيارة (تقود طائرة) أو ما شابه ذلك، وأحب فقط أن أرى النساء يعملن العمل المتقن. ونحن بحاجة للبدء في أن نرى نساء الطبقة الوسطى الاعتيادية وهن يمسكن بالفرص. ولكي يتم الوصول إلى استنتاج جماعي بالنسبة لنا كلنا بان النساء بحاجة إلى تغيير سوف يستغرق ذلك وقتا. وهو ما يحدث الآن في المملكة العربية السعودية، وباستطاعتي أن أراه يحدث، إلا أن حدوثه يتم بشكل بطيء جدا جدا.”

تبادل ثقافي

يجري الخوف من التغيير مجرى عميقا داخل القوى الدينية والمحافظة في المملكة العربية السعودية. وستكون نتيجة ذلك الخوف المباشرة أن تكون صناعة الأفلام السينمائية في منتهى الصعوبة في هذه الدولة، وليس القيام بعرضها بتاتا. وبالرغم من ذلك، قامت هيفاء المنصور بعرض فيلمها “نساء بلا ظلال” في القنصلية الفرنسية في المملكة العربية السعودية، والذي تلقى، من ناحية أخرى، “استقبالا انتقاديا” على أبعد تقدير، بحسب هيفاء.

“أصبح بعض الناس في حالة انزعاج وغضب حيث قاموا باتهامي بعمل أفلام سينمائية تعمل كسمسار فاحشة للغرب. لكنني لا أقوم بعمل أفلام خاصة بالغرب. ومع ذلك، فأنا أود فعلا أن اعمل أفلاما يمكن أن تعرض في مهرجانات أفلام سينمائية عالمية لان ذلك سوف يجعلنا جزء من العالم. وليس بمقدور الأصوات الغاضبة والمنزعجة أن تقهم وتستوعب بأننا بحاجة إلى الانخراط والمشاركة مع العالم الخارجي كي يقوم العالم بفهمنا واستيعابنا. وبنفس الطريقة التي نجمع نحن بها فهمنا عن الثقافات الأمريكية أو الفرنسية أو المصرية من خلال مشاهدة الأفلام السينمائية الأمريكية أو الفرنسية أو المصرية فان الشعوب بحاجة إلى السماع عن المجتمع السعودي.”

ردود فعل متأججة

وتضيف هيفاء المنصور، مكشرة غضبا وألما، قائلة: “لقد عمل عرض فيلم “نساء بلا ظلال” الذي قمت به في المملكة العربية السعودية على إثارة جدل كبير جدا وكانت الروايات التي تدور حول عرض الفيلم تملأ الأخبار. وأحد العناصر التي كانت على وجه الخصوص مثيرة للجدل كان يتمثل في حقيقة قيام أحد الشيوخ في الفيلم بقوله بان “النساء لسن بحاجة أن يقمن بتغطية وجوههن”. وكان لذلك الشيخ انطباعا بأن الجهة المقصودة من الفيلم ستكون جمهور المتفرجين في الغرب فقط وليس الجمهور السعودي. وعقب الانتهاء من عرض ذلك الفيلم، استقبل ذلك الشيخ موفدا دينيا قام بزيارته ليطلب منه سحب تعليقاته والتي كان قد ذكرها من قبل وهو ما قام الشيخ بفعله.
أما في عالم الواقع، فقد كان ذلك الجدل الذي تمت إثارته هو أفضل شيء يمكن أن يحدث في ذلك الواقع. وبالنسبة للأسبوعين اللاحقين لعرض الفيلم، فقد حللت ضيفة ثابتة العزم على تلفزيون يبث في الساعات الأولى من النهار في برنامج “عرض هذا اليوم Today Show” الذي يبث على قناة الجزيرة الفضائية، والذي جعلني منتجة أفلام سينمائية مشهورة في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. ولا أظن بان هذه الأشياء التي حدثت لي كانت ضمن تفكير السعوديين المحافظين فهي التي ساعدتني على أن أصبح شخصية شعبية.”      

يجب أن تبدو الأشياء معقولة

لا يمكن اعتبار هيفاء المنصور بأنها ليست سوى شخصية قامت بالتحريض على الكره والاشمئزاز في المملكة العربية السعودية من خلال تفسيرها لسلوك الأفراد، فهي التي نجحت في إحداث شرارة لنقاشات عديدة جرت داخل بلادها وهي التي بغيرها لم يكن ليكتب لتلك المناقشات أن تنال موطئ قدم في تلك الدولة.

وتقول هيفاء في هذا الصدد: “اعتقد بأني كسبت احتراما بعمل الفيلم. فأنا لم أقم بتوجيه أي تحقير للإسلام أو لأشخاص متدينين إلا إنني لم أتقبل تلك الأشياء التي لا تبدو لي معقولة. وكنت على الدوام أتساءل فيما إذا كان البحث في تلك الأمور سوف لن يكون فكرة جيدة. فالسعوديين جميعا يقفون موقفا باعتبارهم أشقاء، وبناء عليه، دعونا نخوض حرب نفس المعارك. وبالرغم من ذلك كله، فنحن نتحدث داخل العائلة الواحدة مع بعضنا البعض كي يفهم كل منا الآخر. ونحن بحاجة إلى أن نفتح قلوبنا تجاه بعضنا البعض. واعتقد أننا كسبنا الاحترام مسبقا بوجود هذه الأمور في تفكيرنا حتى من أولئك الذين لا يشاركوننا آرائنا.

هامش حرية

إن عودة هيفاء المنصور إلى المملكة العربية السعودية من استراليا حيث تعيش هناك في الوقت الحالي مع زوجها الدبلوماسي الأمريكي لا تعتبر مشكلة في الوقت الراهن. وكانت هيفاء قد تلقت بالفعل حتى دعما ماليا من الأمير السعودي “الوليد” والذي هو ابن شقيق الملك السعودي عبد الله.

“إن ما نسبته ستون بالمائة من الموازنة الخاصة بفيلمي القادم سوف تأتي من المملكة العربية السعودية. والأمير الوليد هو أحد رواد الأعمال التجارية اللذين يقومون باستثمار مقادير هائلة من الأموال في أفلام سينمائية. واعتقد أن لدى الأمير ثقة بالنساء وأن لديه اعتقاد بان تمكين النساء هو أمر معقول. وبناء عليه، هناك في الوقت الحالي فرصة ذهبية بالنسبة للنساء اللواتي يردن أن يحققن شيئا في المملكة العربية السعودية. وهناك في الوقت الراهن الآن هامش من الحرية مفتوح أمام النساء المنتجات للأفلام السينمائية والكاتبات والفنانات الأخريات يجب علينا أن نغتنمها للمساعدة على تحسين الوضع هناك.”

البسالة في الاستفزاز

تأمل هيفاء المنصور بان يتم عرض فيلمها الجديد، وهو أول فيلم كامل طويل لها في المملكة العربية السعودية، لأسباب اقلها تلك المقادير الكبير من الأموال السعودية التي تم استثمارها في الفيلم. ومع ذلك، وحتى وإن لم يتم عرضه في المملكة العربية السعودية، فان هيفاء تدرك بان الناس في السعودية سيرغبون بالسفر إلى الدول المجاورة للمملكة العربية السعودية كي يذهبوا إلى السينما. 
وتبتسم هيفاء المنصور بهدوء قائلة: “بنهاية كل أسبوع يسافر الناس خارج المملكة العربية السعودية متجهين، على سبيل المثال، إلى دولة البحرين لمجرد الذهاب إلى السينما هناك. وإنني متأكدة بان هناك عدد كبير من بينهم سيقومون بمثل تلك الرحلة لمشاهدة الفيلم. ومع ذلك، سوف لن يتمكنوا من انتقادي ما لم يكونوا قد شاهدوا عملي السينمائي”، ثم تنهي هيفاء المنصور حديثها بابتسامة ساخرة، قائلة:
و”سأكون قد قدمت لهم شيئا يستحق التحدث عنه!”

* لقد تم نشر هذه المقابلة في مجلة المنتدى التي تصدر عن مركز كفينفو في حزيران 2009