صندوق الحقائق

اقرأ المزيد عن أعمال مليحة مالك:

اقرأ مقالا عن مليحة مالك والنقاش المتعلق بغطاء الرأس في الغارديان: 

انظر مقال مليحة مالك: نظرية المساواة بين الجنسين وبديلتها "الأخرى": استقلالية المرأة في عصر الاختلاف

كيف ينبغي للحركات الغربية المؤيدة لحقوق المرأة الاتصال بالإسلام؟
كان هذا السؤال المركزي الذي طرحته مليحة مالك في مستهل محاضرتها وعنوانها “الإسلام، والحركة المؤيدة لحقوق المرأة، والمرأة المسلمة” التي ألقيت يوم 23 نوفمبر في كوبنهاجن. وقد كانت مليحة مالك، أستاذة القانون في كينجز كوليدج في لندن والمحامية الممارسة والمتخصصة في قانون التمييز العنصرية، ضيفة على “مركز الفكر الإسلامي الأوروبي” في كوبنهاجن.
السؤال الذي طرحته مليحة مالك سؤال معقد، وقد اعترفت هي نفسها في محاضرتها بأن ليس هناك من جواب سهل عليه، إلا أنها فتحت الباب لحوار معمق حيث أن سؤالها يتناول بشكل أساسي الطريقة التي نتحدث بها عن انفسنا وعمن نصفهم بأنهم “الآخرين”. ما هي المطالب التي نطرحها على ثقافات بعضنا البعض؟ وما هي التوقعات التي نقابل بها بعضنا؟ وكيف نعيد الحوار حول حقوق المرأة، الذي انتهى إلى طريق مسدود، إلى مساره؟ 
القضية الأخيرة ليست  مجرد القضية المركزية الأساسية، حسبما أكدت مليحة مالك في لقاء مع موقع “حوار النساء” جرى بعد محاضرتها، لكنها من وجهة نظرها ملحة للغاية. فنظرة على العالم الغربي اليوم تبين أن المكان الذي ينبغي انه يجري فيه الحوار بين النساء الغربيات والمسلمات قد امتلأ بالخطابات القومية اليمينية. وهذا هو ما تسميه مليحة مالك “الطريق المسدود”- وهو ما أدى إلى توقف الحوار.

هل الخطاب دفاع حقيقي عن قيم الحقوق النسائية؟

تقول مليحة مالك، “ثمة مثال جيد من بلاد الشمال والدنمرك هو وجود مجموعات من الناس في الأوساط القومية اليمينية لم تشغل نفسها في السابق بحقوق المرأة أو تحريرها. فجأة يبرز هؤلاء كمدافعين عن حقوق النساء المهاجرات وحقوق النساء المسلمات. هؤلاء علينا النظر في مقاصدهم وما إذا كان خطابهم هو دفاع حقيقي عن القيم النسائية.”
 “التزامهم لا يقوم على مبادئ المساواة. هم غير مهتمين بقضايا تأييد حقوق المرأة أو المرأة المسلمة تحديدا. إنهم يستخدمون القضية النسوية كأداة- هي بالنسبة لهم عصا ينهالون بها على الأقليات الأقل قوة(…)”
ولا تخفي مليحة مالك حقيقة أنها تجد أن التزام الجناح اليميني القومي الأوروبي المفاجئ هذا بقضايا المرأة أمر يدعو للشك.
وتضيف، “التزامهم لا يقوم على مبادئ المساواة. هم غير مهتمين بقضايا تأييد حقوق المرأة أو المرأة المسلمة تحديدا. إنهم يستخدمون القضية النسوية كأداة- هي بالنسبة لهم عصا ينهالون بها على الأقليات الأقل قوة. وأرى أن هذه ظاهرة منتشرة على نطاق واسع في أوروبا الآن.”

جانب تأييد حقوق المرأة من الطريق المسدود

لم تكن المملكة المتحدة البلد الوحيد الذي واجه به المعلقون والباحثون في قضايا تأييد حقوق المرأة مشاكل في التعامل مع الوضع السياسي الجديد. فقد واجه المدافعون عن حقوق المرأة في دول أوروبية أخرى، من ضمنها الدنمرك، صعوبة في إيجاد موطئ قدم لهم في مجال الحوار حيث لا يمكن تعريف أي انتقاد لأوضاع المرأة المسلمة المعيشية- سواء داخل أو خارج البيت- على أنه أمر يهم الجناح اليميني القومي.   
وتبين مليحة مالك، “هذا هو الجانب الخاص بتأييد حقوق المرأة من الطريق المسدود. المؤيدون لحقوق المرأة بقوا صامتين، لأن المحترمين منهم لا يريدون صب الزيت على نار حوار عنصري يدين الأقليات. وهذا سبب نزيه ومشرف للبقاء صامتين. فنحن لم نتكيف بقدر كاف لنطور لغة نستطيع من خلالها القيام بأمرين في الوقت نفسه: أولا، انتقاد قوميي الجناح اليميني لاستخدامهم المساواة بين الجنسين كعصا لضرب الإسلام والمسلمين؛ وفي الوقت نفسه، الدفاع عن حقوق المرأة كحركة سياسية وفكرية مهمة وصحيحة.”    
“(…)المؤيدون لحقوق المرأة بقوا صامتين، لأن المحترمين منهم لا يريدون صب الزيت على نار حوار عنصري يدين الأقليات. وهذا سبب نزيه ومشرف للبقاء صامتين(…)”

حقوق المرأة المسلمة كأداة في لعبة سياسية أكبر 

منذ اجتياح أفغانستان في العام 2001، جعلت الحرب التي شنها تحالف ناتو الغربي على دولة مسلمة الوضع أكثر تعقيدا. في سياق هذه الحرب أيضا، لعبت صورة المرأة المسلمة المضطهدة دورا رمزيا يضفي عليها الشرعية: يبرر أجندة سياسية محددة لمحاربة واحتلال دولة ذات أغلبية مسلمة. جورج دبليو بوش (الولايات المتحدة) فعل ذلك. توني بلير (بريطانيا) فعل ذلك. أندريس فوج راسموسن (الدنمرك) فعل ذلك. 
حين أراد قادة العالم الغربي تبرير غزوهم لأفغانستان، رفعوا صورة المرأة التي ترتدي البرقع. فالحرب في أفغانستان لم يكن لها علاقة تقريبا، ولا علاقة لها الآن، بحرية المرأة الأفغانية، حسب قول مليحة مالك. لأن الأسباب تعود لمصالح أخرى، ومع ذلك أصبحت المرأة التي ترتدي البرقع رمزا لتبرير العمل الحربي الغربي. 
تقول مليحة مالك، “كان هذا أحد أكثر الأمثلة الحديثة تطرفا على استخدام المساواة وحقوق المرأة كأداة. في الماضي استخدمت مقولة إنقاذ النساء غير الغربيات لتبرير الاستعمار. وقيل يومها أن الثقافات غير الغربية تعامل النساء بطريقة سيئة مقارنة بالثقافات الأوروبية. واستخدمت هذه المقولة رغم حقيقة أنه خلال القرن التاسع عشر، كانت النساء الأوروبيات مضطهدات في بلادهن ومستثنيات من السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية
“حين أراد قادة العالم الغربي تبرير غزوهم لأفغانستان، رفعوا صورة المرأة التي ترتدي البرقع. فالحرب في أفغانستان لم يكن لها علاقة تقريبا، ولا علاقة لها الآن، بحرية المرأة الأفغانية، حسب قول مليحة مالك. لأن الأسباب تعود لمصالح أخرى(…) 
. ونشهد الآن عودة هذا الخطاب في الحوار حول النساء المسلمات. هذه الحجج المتعلقة بالنساء المسلمات تستخدم اليوم كحرب دعائية لتشويه الثقافة الإسلامية وتبرير العنف ضد المسلمين الأبرياء. وثمة أهداف عسكرية إستراتيجية تختفي خلف الحجج التي يطلقها ناتو بأنه هناك [في أفغانستان] للدفاع عن حقوق المرأة المسلمة.   
خلال عملها كمحامية متخصصة في قانون التمييز العنصري، تابعت مليحة كيف أثر بناء صورة معادية للإسلام والثقافة الإسلامية على طريقة تصوير المسلمين البريطانيين في وسائل الإعلام في الداخل والخارج. ودرست تعميم صورة الإسلام والمسلمين بوصفهم العدو. 
وقالت، “لم تدرك جميع وسائل الإعلام كيف أن تغطيتها قد خلقت صورا نمطية لا تخدم إلا كأداة للدعاية في زمن الحرب لتعزيز هذه الصورة عن الإسلام والمسلمين.”
يوم كانت المناقشات حول النقاب البريطانية في أوج حدتها، بينت دراسة مقتضبة عن تغطية هذه القضية في وسائل الإعلام الرئيسية بأن النساء المسلمات اللواتي يرتدين النقاب وتستخدم صورهن لم يكن يشار إليهن بالاسم. ولم يمنحن الفرصة للتقدم والتحدث بأصواتهن كأفراد. بدلا من ذلك، قدمن في وسائل الإعلام الرئيسية كرموز بلا صوت لشيء أجنبي وغير مألوف.
“لم تدرك جميع وسائل الإعلام كيف أن تغطيتها قد خلقت صورا نمطية لا تخدم إلا كأداة للدعاية في زمن الحرب لتعزيز هذه الصورة عن الإسلام والمسلمين.” 
وتبين مليحة مالك، “لقد تم تصويرهن كمخلوقات بكماء بكل ما تعنيه هذه الكلمة، رغم أن الدور الذي يجب أن تضطلع به وسائل الإعلام المسؤولة هو منحهن صوتا لفتح حوار عن سبب اختيارهن ارتداء النقاب.”

البرقع والحجاب كقضايا ساخنة

أحد أهم عناصر الحوار كانت في الواقع ارتداء البرقع، والنقاب وغطاء الرأس الإسلامي. وينطبق الأمر ذاته على الدنمارك ، حيث أنه في العام 2009 اقترح حزب الشعب المحافظ منعا شاملا للبرقع، لكن الاقتراح رفض. ومع ذلك، في العام 2008 تم تقرير قانونا يمنع ارتداء الرموز الدينية (بما في ذلك غطاء الرأس) من قبل قضاة في المحاكم الدنماركية. ورغم أن المنع يشمل جميع أنواع الرموز الدينية، فقد نظر إلى القانون على أنه “منع لغطاء الرأس”. 
وقد كان لمنع غطاء الرأس في الدنمرك سابقة في فرنسا، التي منعت في العام 2004 وسط أجواء من المناقشات الحامية الرموز الدينية، أي منع غطاء الرأس للفتيات المسلمات في المدارس الفرنسية.
“المساواة بين الجنسين هي من القيم بالغة الأهمية للكثيرين خاصة في شمال أوروبا. ومن الصعب أيضا على المسلمين الدخول في حوار يسمح بتعريض قيمهم وممارساتهم للنقاش والانتقاد.” 
وفق مليحة مالك، فإن تلك المناقشات الساخنة حول الملابس الدينية تعكس غياب أي حوار جدي بين الثقافات. فقد كان هناك افتقار لاتخاذ قرارات صريحة مؤيدة لحقوق المرأة وافتقار لفهم وجهات نظر النساء المسلمات في النقاش.
لكن كيف يمكن لهذا الحوار اكتساب زخم وأن يصبح صيغة لحوار ذي مغزى؟ 
وفق مليحة مالك، هذا ممكن إذا كان كلا الفريقين مستعدا لتحمل بعض المخاطر.
“من الصعب أن تخوض غمار هذا النقاش لأن كلا الجانبين يضعان أعمق مصادر هويتهم فيه. المساواة بين الجنسين هي من القيم بالغة الأهمية للكثيرين خاصة في شمال أوروبا. ومن الصعب أيضا على المسلمين الدخول في حوار يسمح بتعريض قيمهم وممارساتهم للنقاش والانتقاد.” 

الحركات الغربية المؤيدة لحقوق المرأة يمكن أن تبقى منتقدة لوضع المرأة المسلمة في الإسلام

 “في الوقت الراهن، تقف العديد من الحركات الغربية المؤيدة لحقوق المرأة صامتة حيال قيم جوهرية تعتنقها لأنهم يخشون من تعارضها مع الممارسات الإسلامية. بالنسبة للبرقع، يتعين على الحركات المؤيدة لحقوق المرأة القيام “بحركة مزدوجة” ضمن هذا الحوار.
“ويمكن للحركات النسائية أن تتحدث وتقول بأن النساء المسلمات يقترفن خطأ عند تبنيهن البرقع. في الوقت نفسه، من المهم أن تستمع الحركات النسائية إلى ما تقوله النساء المسلمات كرد على فهمهن لخياراتهن. ولا يمكن القيام بذلك إلا في جو من الثقة والإقناع. هذا النوع من الحوار لا يمكن إجراءه إذا تبنى أحد الطرفين جوا من التعالي الثقافي والغطرسة. كما لا يمكن فرض حل عادل وثابت طويل الأمد من خلال استخدام القانون والإكراه.”  
أول وأهم هذه الحركات الدفاع عن جميع المسلمين ضد الهجمات العشوائية التي يشنها الجناح اليميني القومي، والعنصريون، والكارهون للأجانب الذين يحاولون بطرق غير سوية إظهار أنفسهم على أنهم حركات حسنة النية تدافع عن حقوق المرأة. ثانيا، بعد القيام بذلك، وتمييز أنفسهم عن الفئة التي تريد استخدام المساواة بين الجنسين لمهاجمة الأقليات، يمكن للحركات المؤيدة لحقوق المرأة البدء في فتح حوار مع المسلمين والنساء المسلمات حول ممارسات مثل البرقع. ويمكنهم مثلا، سؤال المسلمات ما إذا كن قد فكرن في الثمن الباهظ الذي سيدفعنه إذا جعلن للبرقع كل هذه الأهمية الرمزية في معتقدهم الديني. ويمكنهم أن يسألوا أيضا ما إذا كانت هناك أشكال من القمع أو النظام الأبوي في المجتمع الإسلامي يمكن الاعتراض عليها عن طريق التحالف بين النساء المسلمات والحركات المؤيدة لحقوق المرأة.”  
“(…)ويمكن للحركات النسائية أن تتحدث وتقول بأن النساء المسلمات يقترفن خطأ عند تبنيهن البرقع(…)”
وتشدد مليحة مالك على ضرورة أن يبقى الحوار مرنا ومنفتحا لتجنب تحوله إلى خطاب استعماري أو قومي يميني 
“أولا، يتعين البدء بقبول حقيقة أن المرأة المسلمة قد اختارت بشكل شخصي ارتداء البرقع. في الوقت نفسه، أحد أعظم مساهمات الحركات الغربية المؤيدة لحقوق المرأة هي أنها نبهتنا إلى حقيقة أن النساء غالبا ما يكون لديهن مجال أوسع بكثير من الخيارات مما يدركن في البداية. في بعض الأحيان قد يكون من الضروري جعل النساء يتنبهن إلى أن الخيارات التي اتبعوها يمكن إعادة التفكير فيها، أو مراجعتها فقد لا تكون في مصلحتهن.وهذا جزء مهم من الحوار. ويمكن للحركات النسائية أن تتحدث وتقول بأن النساء المسلمات يقترفن خطأ عند تبنيهن البرقع. في الوقت نفسه، من المهم أن تستمع الحركات النسائية إلى ما تقوله النساء المسلمات كرد على فهمهن لخياراتهن. ولا يمكن القيام بذلك إلا في جو من الثقة والإقناع. هذا النوع من الحوار لا يمكن إجراءه إذا تبنى أحد الطرفين جوا من التعالي الثقافي والغطرسة. كما لا يمكن فرض حل عادل وثابت طويل الأمد من خلال استخدام القانون والإكراه.”   
“فلا بد أن يرتكب كل طرف بعض الأخطاء. وهذا يعني أنه يتعين على كل جانب التحلي بالصبر والتسامح(…)”
هنا تعود مليحة مالك إلى المسألة التي بدأت منها محاضرتها.
وتختتم مليحة مالك حديثها بالقول، “نحن نتحمل مسؤولية رفع مستوى هذا الحوار من أجل الجيل المقبل من الشباب الأوروبي(المسلم وغير المسلم) الذين سيعيشون معا في مجتمع واحد كمواطنين. نحن بحاجة إلى حوار صريح ومحترم حول القضايا الحساسة التي تهمنا مثل مكان الجاليات المسلمة في أوروبا. القيام بذلك يتطلب منا، نحن الطرفين، التجرؤ على القيام ببعض المخاطر الثقافية. فلا بد أن يرتكب كل طرف بعض الأخطاء. وهذا يعني أنه يتعين على كل جانب التحلي بالصبر والتسامح. التوصل إلى معرفة أعمق لثقافة “الآخر” تتطلب في بعض الأحيان خوض المجازفات الثقافية التي تتعلق فيما نحن مستعدون لقوله عن “الآخر” وما نحن مستعدون لسماعه عن “أنفسنا”. وهذا هو التحدي الذي نواجهه إذا أردنا معرفة الطرف الآخر جيدا.”ومع إدراكها أن ليس هناك من حلول سهلة تنهي حديثها بالقول:
“عليك خوض الحوار بحس من التواضع بالنسبة لثقافتك علاوة على الاستعداد للتعلم والتحول من خلال المواجهة مع “الآخر”. وقد لا تستطيع السيطرة على الوجهة التي سينتهي إليها الحوار أبدا، لكنك تكون قد وضعت الحدود الصحيحة للحوار المتبادل.”