تصور أنك خرجت في نزهة على الأقدام في المدينة التي تعيش فيها. أثناء تجوالك، تمر بالعديد من الناس في الشارع- بعضهم شباب، وبعضهم مسنون. يذهبون إلى المدرسة، أو لديهم وظائف، متزوجون، أو يعيشون وحدهم، يعيشون في الريف، أو يعيشون في المدينة، أغنياء أو فقراء.
 حين تكون هناك حاجة لمعرفة شيء عن السكان، مثال ذلك عند إعداد تشريع جديد، يمكن للإحصاءات الوطنية عادة أن توفر معلومات مثل تلك المذكورة أعلاه- ولدى معظم الدول معرفة جيدة جدا بديمغرافيتها السكانية، بما في ذلك عدد الرجال والنساء الذين يعيشون في البلد. 
إلا أن معظم الدول تفتقر إلى معرفة المعنى الحقيقي لكون المرء رجلا أو امرأة لأنها لا تستخدم إحصاءات النوع الاجتماعي للحصول على معرفة مفصلة بهاتين المجموعتين السكانيتين.  
ولو قاموا بذلك لتمكنوا من اكتشاف الكثير من الحقائق المهمة والمفاجئة. وتلك هي تجربة مكتب إحصاءات النوع الاجتماعي في وزارة التخطيط الأردنية، التي تقوم منذ ست سنوات بجمع وتحليل الإحصاءات عن الرجال والنساء في الأردن. 
تقول منال سويدان، رئيسة قسم إحصاءات النوع الاجتماعي التابع لدائرة الإحصاءات في وزارة التخطيط، “المساهمة الاقتصادية للمرأة في المجتمع الأردني أمر طال الحديث عنه. حيث يتركز الاهتمام على نسبة النساء في التعليم وفي سوق العمل. لكن حين ننظر إلى الإحصاءات بمزيد من التفصيل، يتضح أننا بحاجة لتحويل تركيزنا إلى مجالات أخرى- وهي تحديداً وصول المرأة إلى المصادر. وقد كانت المعلومات التي أخرجناها إلى الضوء صاعقة.”

ربات الأسر الوحيدات في منطقة الخطر

تأسس قسم إحصاءات النوع الاجتماعي في 2005 وكان نتيجة إدراك الحكومة الأردنية لإستراتيجية المساواة، كما تبين سويدان. وقد كان الأردن البلد الأول في العالم العربي الذي بدأ، بشكل منهجي، في جمع البيانات المتعلقة بعدم المساواة بين الاجناس والمساواة في الحقوق للنساء. 
وأضافت، “كانت المساواة في الحقوق وتمكين المرأة أولويات بالنسبة للحكومة. وكانت الفكرة أن المجتمع يريد الاستفادة من جميع المصادر البشرية التي تحت تصرفها في البلد. ولتتمكن من القيام بذلك، كان لا بد من تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة – وهذا يعني بالطبع تسليط الضوء على عدم المساواة بين الاجناس.”
“ربات الأسر الوحيدات معرضات بشدة للفقر والأوضاع المعيشية السيئة.” 
 ووفقا لذلك، قام القسم بتحليلات إحصائية لتشكيلة واسعة من المواضيع، تراوحت ما بين أنماط زواج النساء والرجال إلى العلاقة ما بين مستوى تعليم المرأة ومساهمتها الفاعلة في سوق العمل.
 بعض الأرقام الناتجة تركت تأثيراً أكثر من الأخرى. وقد ذهلت منال سويدان مؤخراً لما اتضح من أحد التحليلات الإحصائية. فقد رسم ذلك التحليل خريطة العلاقة ما بين مستوى المعيشة الاقتصادي للأسر الأردنية والنوع الاجتماعي للمعيل الرئيسي في الأسرة. حيث بينت الأرقام أن الأسرة الأردنية التي معيلها الرئيسي امرأة تكون أقل ثراءً بكثير، وتبعاً لذلك يكون مستوى معيشتها أدنى من الأسر التي يعيلها رجل. 
حين بدأ المكتب في دراسة مختلف المؤشرات عن كثب، اتضح أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على الإحصاءات. أولاً، المرأة ليست ناشطة في سوق العمل بقدر الرجل- عدد الرجال الذين يتقاضون أجراً ثابتاً أكبر من عدد النساء. أضف إلى ذلك، أن العديد من النساء اللواتي يشكلن المعيل الرئيسي للأسرة هن رب الأسرة الوحيد- الكثيرات منهن أرامل أو مطلقات. أو أنهن وحيدات عملياً نظراً لأن أزواجهن يعملون في الخارج أو هجروهن. علاوة على ذلك، أكثر من نصف هؤلاء النسوة يزيد عمرهن عن 50 سنة. 
إذا أخذنا هذا الأمر بمجمله، فهو يعني أن الأسر التي ترأسها نساء تعتمد بقدر كبير على تحويلات يرسلها آخرون، مثل الأقارب أو الزوج الذي يعيش في الخارج. من جهة أخرى، فإن الأسر التي يرأسها رجل هي، بشكل عام، التي تجني دخلها الخاص.  
وتشير منال سويدان إلى أن “ربات الأسر الوحيدات معرضات بشدة للفقر والأوضاع المعيشية السيئة.” 
 لكن كيف يمكنها هي وزملائها الاستفادة من هذه المعلومات؟ 
تقول سويدان، “الهدف من تلك التحليلات الإحصائية هو إيجاد سياسيين لديهم إحساس أقوى بالنوع الاجتماعي. نحن نرسل معلوماتنا إلى الحكومة، والسياسيين، والوزراء. ويمكنهم استخدام المعلومات كأداة عند الإعداد لتشريعات جديدة. في نهاية الأمر، إذا أردت أن تحقق نتائج أفضل وأن تعزز التنمية في البلد، فإن عليك أولا أن تمتلك حقائق الوضع القائم. عليك أن تنظر إلى الأسباب والمسببات.” 
 

الأرقام بحد ذاتها لا تقول شيئا

لدى الدنمرك تقليد طويل من جمع إحصاءات النوع الاجتماعي. وقد أدمجت قضية النوع الاجتماعي في جمع الإحصاءات الوطنية طيلة سنوات عدة، وينص قانون المساواة الدنمركي على أنه يتعين على جميع السلطات العامة أن تدمج المساواة بين الجنسين في تخطيطها وإداراتها. 
إحصاءات النوع الاجتماعي هي أيضاً عنصرٌ ثابتٌ ضمن الاستراتيجية الدنمركية للمساواة بين الاجناس، والمعروفة أيضاً باسم تعميم النوع الاجتماعي، والتي تعني تقييم جميع التشريعات المقترحة ومشاريع القوانين بما يتماشى مع المساواة. بكلمة أخرى، يجب أن تصاغ التحليلات والتقييمات بحيث تحدد كيف يؤثر الاقتراح على النساء والرجال في المجتمع الدنمركي. 
لكن تلك الخطوط الإرشادية لا تتبع دائما. حيث أن نصف الوزراء الدنمركيين (مجموعهم 22 وزيراً) الذين شغلوا المنصب على مدى الثماني سنوات الأخيرة لم يقيّموا قط أي مشروع قانون مع مراعاة النوع الاجتماعي.
 وقد تبين ذلك من إجابات الوزراء أنفسهم لدى سؤالهم عن الموضوع من قبل السياسية الدنمركية يوهانا شميت- نيلسون. 
وبينت الإجابات أيضا أن الوزراء الذين قيّموا مشاريع القوانين مع مراعاة النوع الاجتماعي كانوا قلة في جميع الأوقات. أربعة وزراء فقط- خلال فترة امتدت لثماني سنوات- قيموا أكثر من خمسة مشاريع قوانين مع مراعاة النوع الاجتماعي.
ووفق إنجه هننجسن،  وهي باحثة أولى في جامعة آرهوس والخبيرة في الإحصاءات وبحوث النوع الاجتماعي، فإن الأرقام تبين أن الدنمرك ما زالت تواجه تحديات في هذا المجال. 

نصف الوزراء الدنمركيين (مجموعهم 22 وزيراً) الذين شغلوا المنصب على مدى الثماني سنوات الأخيرة لم يقيّموا قط أي مشروع قانون مع مراعاة النوع الاجتماعي.
تقول إنجه هننجسن، “لا تصنف جميع الإحصاءات الرسمية في الدنمرك حسب النوع الاجتماعي. لكن من العبث ألا نستخدم تلك الأرقام في مجال ما. الإحصاءات بحد ذاتها لا تقول شيئا. فهي لا تخبرنا شيئا عن سعادة عيش النساء والرجال. كما أنها لا تعلمنا كيف يكون للتشريعات والمبادرات المختلفة عواقب مختلفة لشرائح مختلفة من المجتمع، ولا تطلعنا على الفوارق الموجودة في المجتمع. والمعلومة الأخيرة بالذات هي ما نحتاجها – فهي مهمة للغاية للمناقشات الكبرى الدائرة في المجتمع، مثال ذلك التساوي في الأجر أو مستوى المعيشة.”

إحصاءات للجميع

تعتقد إنجه هننجسن بأن من المهم استخدام إحصاءات النوع الاجتماعي عندما يبدأ السياسيون، مثلاً، في التضييق على الإنفاق الاجتماعي. أحد الأمثلة من الدنمرك هو اقتراح إلغاء نظام التقاعد المبكر المعروف باسم “إفترلون”. ويسمح هذا النظام للدنمركيين بالتقاعد من سوق العمل عند بلوغهم سن الستين (بدل الانتظار حتى بلوغ سن التقاعد الرسمي وهو 65 و67 سنة) إذا أرهقوا بسبب الخدمة لسنوات طويلة في أعمال ذات متطلبات بدنية وعقلية كبيرة. عند النظر إلى الاقتراح من منظور إحصائي يأخذ النوع الاجتماعي بعين الاعتبار، نجد مؤشراً واضحاً على أنه سيضر بالنساء كمجموعة في المجتمع أكثر من الرجال نظراً لأن الغالبية العظمى من مستخدمي نظام التقاعد المبكر هم من النساء. 
في الأردن، تعي منال سويدان ومكتب إحصاءات النوع الاجتماعي الاختلاف بين “مجرد” جمع الإحصاءات واستخدامها فعلياً لشيء محدد. لذلك فإن إحدى مهمات المكتب هو وضع كمية كبيرة من البيانات في سياقها الصحيح، والقيام بتحليلات، وتقديم صورة عما يكمن خلف الأرقام. 
توضح منال سويدان قائلة، “إذا نظرنا إلى العلاقة ما بين تعليم المرأة وحجم نشاطهن في سوق العمل، فإن من المذهل رؤية أنه على الرغم من أن 90% من النساء الأردنيات قد التحقن بالمدارس وحصلن على قدر من التعليم، فإن مساهمتهن في سوق العمل متدنية للغاية. فما سبب ذلك؟ هل ثمة أسباب ثقافية؟ هل أن نوع التعليم الذي يتلقينه لا يناسب احتياجات سوق العمل؟ أم أن أرباب العمل يفضلون استخدام الموظفين الذكور؟ أم أنه يتعين على المرأة القيام بوظيفتين، حيث يتعين عليهن إدارة شؤون المنزل إلى جانب عملهن؟ هذا هو نوع الأشياء التي نحاول تبينها.”

لاعبون من خارج الحلبة السياسية

كما يستخدم المكتب الإحصاءات لتزويد آخرين من خارج الحلبة السياسية بمعلومات حول النوع الاجتماعي. 
وتشرح قائلة، “نحن مكتب الإحصاءات الوحيد الذي يمتلك الحق في جمع البيانات التي نجمعها. ويعني هذا الامتياز أن بياناتنا، وتحليلاتنا ومؤشراتنا متاحة للاعبين آخرين يسعون لتحسين عملهم في مجال المساواة.”
 ويمكن للمنظمات غير الحكومية التي تسعى للحصول على تمويل لقضايا المساواة أو المشاريع الموجهة للنوع الاجتماعي استخدام المواد التي يجمعها المكتب. وينطبق الأمر على الشركات الخاصة، والمؤسسات التعليمية، والسلطات العامة التي لديها اهتمام بمعرفة المزيد عن النوع الاجتماعي. الكثير من مؤشرات المكتب، والأرقام والتحليلات الرئيسية متوفرة على الإنترنت، موقع وزارة التخطيط. 
 “نحن نستخدم أياماً معينة من السنة لتسويق قصصنا لوسائل الإعلام. مثال ذلك عيد الأم، أو يوم المرأة العالمي من المناسبات الجيدة لوسائل الإعلام لطباعة قصص حول إحصاءات النوع الاجتماعي.”
علاوة على ذلك، ينشر المكتب ملفاً عن إحصاءات النوع الاجتماعي مرة كل عام يوزع على كافة الأطراف ذات العلاقة. وعند ظهور تحليل جديد يحاول المكتب “تسويق” المعلومة الجديدة عبر وسائل الإعلام.
 وبينت سويدان، “نحن نستخدم أياماً معينة من السنة لتسويق قصصنا لوسائل الإعلام. مثال ذلك عيد الأم، أو يوم المرأة العالمي من المناسبات الجيدة لوسائل الإعلام لطباعة قصص حول إحصاءات النوع الاجتماعي.”
 غم أن المكتب موجود منذ ست سنوات، مازال هناك الكثير من التحليلات يتعين القيام بها وإحصاءات يجب جمعها. المواضيع التالية التي تتطلع منال سويدان إلى معالجتها هي قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي والمقاولات.