عندما توجه الشعب المغربي إلى صناديق الاقتراع في خريف عام 2011، كان أمامه العديد من المرشحين المتقدمين للمرة الأولى ومن بينهم امرأة لها ارتباط بشبكة المرأة المغربية للإرشاد (Réseau de Femmes pour le Mentoring). 
وبالرغم من عدم انتخابها إلا أنها بادرت بالمحاولة. ووفقاً لإلهام زهيري رئيسة شبكة المرأة المغربية للإرشاد فإن مثل هذا التصميم على المحاولة هو ما يمثل جوهر مفهوم الإرشاد إذ تقول “إن الإرشاد في جوهره يتعلق بالتمكين: أي دعم النساء وتقويتهن في حياتهن وزرع الثقة بنفسهن وترسيخ إيمانهن بأنفسهن. وكذلك إلهامهن ودعمهن لكي يؤمن بأنه يوجد لديهن ما يمكن تقديمه بطبيعة الحال”.
إن إلهام زهيري نفسها هي امرأة مفعمة بالثقة بالنفس، حيث إنها مواطنة في بلد تتفشى فيه نسبة الأمية لدى النساء ويقل فيه عدد النساء المتعلمات الفاعلات في سوق العمل لكنها واحدة من القلة المتعلمة الشابة التي ارتقت إلى قمة عالم الشركات بوصفها مديرة لشركة كبرى في مجال يهيمن عليه الرجال، ألا وهو صناعة الطباعة.
وتعد إلهام زهيري مثالا رائعاً على توجهٍ متنامٍ حيث ابتدأت النساء في كافة أنحاء العالم برؤية أهمية توظيف وقتهن وجهدهن –على نحو طوعي ودون مقابل مادي- بغية مساعدة النساء الأخريات على تحقيق أهدافهن المتمثلة في تثبيت أقدامهن في سوق العمل وتأسيس الأعمال التجارية وإحداث التأثير السياسي والوصول إلى منصب المديرة وغيرها من الأهداف.
وتعد هذه الشبكة المغربية واحدة من ثمار نموذج الإرشاد في الدنمارك والذي أطلقه مركز كفينفو (KVINFO) منذ عقد من الزمن. وقد أطلق هذا المشروع بهدف مساعدة النساء المهاجرات في الدنمارك للولوج إلى سوق العمل والانخراط في المجتمع الدنماركي على وجه العموم. 
ومنذ إطلاق المشروع فقد انتشر إلى خارج حدود الدنمارك حيث كان أحدث مشروع تابع له في الأردن حيث تعمل السياسيات الراسخات كمنتورس للنساء الراغبات في الدخول إلى عالم السياسة. وقالت إليزابيث مولر جنسن الرئيسة التنفيذية لمركز كيفنفو “إنه نجاح باهر دون أي استثناء. ويستطيع الجميع أن يروا أهمية الإرشاد، كما أنه وسيلة غير مكلفة وبسيطة وعالية الفعالية”. 

العمل من خلال التواصل الجيد

إن الإرشاد بإيجاز هو عملية يساعد فيها منتور (mentor) منتي (mentee) في تحقيق حلمه/حلمها في الوصول إلى هدف معين من خلال مطابقة الطرفين بعلاقة ثنائية إرشادية (طرف مقابل الآخر) وفقاً لاحتياجات وظروف المنتي. 
ويختلف مساق ومحتوى كل علاقة إرشادية عن الأخرى بدرجات كبيرة، ولكن تجتمع كلها في أنها تتواصل منذ البداية عن طريق منسق يوافق بين المنتور والمنتي من خلال إجراء المقابلات الشخصية.
وفي نفس الوقت، يصبح المنتورس والمنتيس جزءا من شبكة إرشادية أوسع نطاقا تقيم العديد من الأحداث وتنظم الاجتماعات الخاصة بالشبكة. وفي المغرب عقدت الشبكة ورشات عمل حول التنمية الشخصية ومؤتمرات حول انخراط النساء في عالم الأعمال. كما عقدت الشبكة في الدنمارك – لمدة عشر سنين- العديد من الأحداث التي تراوحت بين ورشات عمل الكتابة وحلقات دراسة الادب إلى المؤتمرات المتخصصة بالنساء ذات الأقليات العرقية في السياسة الدنماركية. وبكل بساطة توفر الشبكات الإرشادية لأولئك المشاركين الفرصة بأن يصبحوا أفضل تواصلا وهذا بعينه هو الهدف المرجو من العملية. 
كما قالت إليزابيث مولر جنسن  أيضا “نشأ الإرشاد في بداية الأمر من قطاع الشركات الخاصة حيث عمل كبار المدراء على نقل تجربتهم وإلهامهم إلى الآخرين، كما استخدم الإرشاد هنا على يد من أرادوا أن يتقدموا في مجال عملهم وأرادوا الاستفادة من الشبكات والتواصل الجيد لتسلق السلم الوظيفي في مجال الشركات، وما كان ما فعلناه هنا إلا محاولة منا في تبسيط هذا النموذج”.  
وتتميز نسب النجاح بسبب الإرشاد بارتفاعها حيث أن واحدة من أصل أربع علاقات إرشادية – على مدار التسع سنين الماضية التي تواجدت فيها الشبكات الإرشادية- انتهت بحصول المنتي على عمل. وتأتي أيضاً منافع إضافية لا يمكن حصرها على رأس هذا الإنجاز ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: تعزيز علاقات اجتماعية جديدة ومصالح جديدة وتقديم التشجيع للطالب للمضي قدما في مشوار حياته.

فكرة ألمعية 

برزت فكرة المشروع الإرشادي في عام 2001 عندما كان موضوع دمج اللاجئين والمهاجرين قضية ساخنة في الدنمارك. لماذا كانت القلة من المهاجرين يحصلون على عمل؟ وأين كانت المنظمات النسائية الدنماركية التي كان من المفترض أن تساعد النساء المهاجرات؟
وتوضح لنا إليزابيث مولر جنسن كيف أن مركز كفينفو (KVINFO) (بالرغم من أنه ليس منظمة نسائية إلا أنه اشترك في هذه القضية) قد خرج بفكرة بهذا الخصوص حيث تقول “لقد تحدثنا عن إمكانية استخدام شبكتنا النسائية الكبيرة في المركز للمساعدة في هذا الأمر. لقد كانت الشبكة كبيرة وتراوحت بين المنتيس اللاتي أتين لاستخدام مكتبة المركز
والمختصات في طيف واسع من المجالات. لذا هل كان بإمكاننا أن نطابق بينهن وبين المهاجرات اللاتي واجهن صعوبة في تثبيت أنفسهن في سوق العمل الدنماركي وذلك في علاقات إرشادية ثنائية؟ وهل من الممكن أن ننشئ علاقات إرشادية ثنائية حيث تساعد النساء الدنماركيات بخبراتهن العملية وصلاتهن في سوق العمل النساء المهاجرات في تحقيق أحلامهن؟”
وكانت الاستجابة التي حصل عليها مركز كفينفو (KVINFO) عقب نشر فكرته من خلال شبكته استجابة غامرة؛ حيث أرادت النساء من مختلف المهن في القطاعين الخاص والعام واللاتي تمتعن بثروة في الخلفية المعرفية والمؤهلات أن يصبحن جزءاً من المشروع. وبغية إطلاق هذا المشروع الإرشادي الريادي على أرض الواقع قام المركز بمخاطبة السيد بيرتل هاردر- وزير الإندماج الدنماركي في ذلك الوقت- للحصول على دعمه. ومن ثم قدمت إليزابيث مولر جنسن المشروع إلى الوزير بكلماتها التالية “مثل أغلبية الأفكار الألمعية فإن هذه بسيطة للغاية”، وبهذا استرعت الفكرة انتباه الوزير، حيث قالت أيضا “لقد خبت جذوة العديد من المشاريع الثقيلة والمكلفة حول موضوع الاندماج من قبل. وكان لكل هذه المشاريع تأثير قليل كما تدل عليه الإحصائيات، كما أن معظم مشاريع الاندماج لم تعش طويلاُ بسبب قلة الأشخاص الذين أرادوا المشاركة فيها. لكننا خرجنا بفكرة بسيطة وغير مكلفة وقد استقطبت بالأصل شريحة واسعة من المهتمين”.
ومنذ بداية المشروع في عام 2002، فقد حظي بقبول واسع حيث سجلت فيه حوالي 300 امرأة كمنتورس. وكان هذا العدد أكثر بكثير مما كان لازما، لذلك تركز التحدي في بدايات المشروع على إيجاد عدد كاف من المنتيس ونشر رسالة المشروع لكي تتمكن النساء المهاجرات من الوصول إلى هذا العرض المقدم إليهن. ولكن بعد برهة من الوقت، بدأ المشروع بالازدهار أكثر فأكثر، ففي عام 2004 حازت الشبكة الإرشادية على جائزتين هما: جائزة Alt for Damerne للمرأة (وهي ممنوحة من مجلة نسائية دنماركية معروفة) والجائزة الدنماركية للاندماج. والآن وصلت الرسالة إلى المجتمع حيث انهالت التسجيلات وكذلك من الراغبات في أن يكنّ منتيس، لذا توجب على مركز كفينفو (KVINFO) أن يضع قوائم انتظار لكي يستطيع مواكبة الطلب المتزايد. 

 شبكة للجميع

أسست شبكة الإرشاد – والتي مقرها الرئيسي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن- فروعاً لها في خمس مدن دنماركية أخرى. ويقع أحد هذه الفروع في حي فولسموس في مدينة أودينسي. وقد كانت هذه المنطقة لسنوات عديدة بمثابة أحياء لأقليات (غيتوهات) ومصدر متكرر لعناوين الأخبار السلبية. 
أما اليوم فيوجد هناك 500 عضو من شبكة الإرشاد في حي فولسموس وفيه شبكة فرعية خاصة به من الشابات اليافعات. وهنا تساعد المنتورس الشابات اليافعات من الفئة العمرية 16 إلى 24 سنة بشتى الطرق. وقد كتبت إحدى الشابات في موقع الإرشاد “أريد من يرشدني إلى إيجاد عمل أو فعل أي شيء في وقت فراغي حتى أتمكن من تمضية بعض الوقت بعيداً عن المنزل”.
وتوضح كتابة هذه الشابة السر وراء النجاح الدنماركي. فبالرغم من أن الإرشاد مطبق في عدد لا يحصى من الأماكن في العالم، إلا أنه يُقدًّم لفئة قليلة ذات امتيازات وفقاً لما تبينه إليزابيث مولر جنسن حيث تقول “عادة ما تكون المتطلبات الواجب توفرها في المنتي عالية إلى حد ما. وغالباً ما تكون بخصوص شيء أحرزته المنتي مثل العلامات العالية في الجامعة. كما تطبق المعايير الصارمة أيضا عند اختيار المنتورس”. 
من جهة أخرى، تستطيع أيا كانت في النموذج الدنماركي أن تصبح متدربة مهما كان طموحها، سواء أكانت مصففة شعر أم مديرة بنك، وكذلك يمكن لأي امرأة أن تصبح منتور. وفي الوقت الراهن يبلغ عدد المشتركات في الشبكة 5000، وهن ينحدرن من كافة فئات المجتمع ومجالات الأعمال والخلفيات. ومنذ أن تم إطلاق الشبكة فقد طورها الدنماركيون بحيث أصبح هناك شبكة خاصة بالرجال.  
وتعلق إليزابيث مولر جنسن على هذا الموضوع قائلة “إن معيارنا الوحيد هو أن يملك الفرد الرغبة والدافع للانخراط. الكل مرحب به بصرف النظر عن خلفيته وتعليمه. لذلك بالرغم من أن الإرشاد قد غدا من نصيب الصفوة في مناطق كثيرة من العالم، إلا أننا تمكنا من جعل هذا النموذج أكثر ديمقراطية”.  
ولم يعد هذا النهج الموجه للإرشاد يستقطب الدنماركيين فحسب، بل إنه تعدى حدود الدنمارك إلى العالم بأكمله. 

النجاح المغربي 

شارك مركز كفينفو (KVINFO) مع مرور السنوات في ندوات ومؤتمرات لا تحصى حول العالم لنقل التجربة التي اكتسبها من خلال الإرشاد. ومنذ ثلاث سنوات قام المركز نفسه باستضافة مؤتمر إرشادي دولي كبير عمل بدوره على نشر النموذج الإرشادي في العالم. 
ومن بين المشاركين في المؤتمر كانت إلهام زهيري وهي تشغل منصب نائب الرئيس لرابطة المرأة المغربية للريادة (AFEM). وقد تاقت إلهام زهيري لفترة طويلة إلى إحداث فرق في حياة النساء الأخريات وخصوصا في ظل خلفيتها في الإدارة والتطوع في المناطق المحرومة اجتماعيا في المغرب. وهي تقول “لقد ظهر الإرشاد كوسيلة ذات قابليات هائلة”. 
وبعد فترة وجيزة أصبح التعاون بين الدنماركيين والمغربيين فاعلا، حيث تعامل الدنماركيون مع التدريب والدورات الخاصة بالإرشاد، بينما تولت إلهام زهيري مع شبكتها مهمة تعيين المنتورس المحتملات وكذلك المنتيس. ومن ثم جاءت أول علاقة إرشادية لمنتور – متدربة في عام 2010. ومذاك الوقت والأمور في المغرب تقوى وتتعاظم.
وفي غضون سنتين قامت شبكة المرأة المغربية للإرشاد بتأسيس منظمة مسؤولة عن كل شيء من التوظيف إلى التدريب. وحتى يومنا هذا فقد تم تدريب 75 خبيرا مختصا أغلبهم من النساء اللاتي يتبوأن مناصب إدارية عليا على كيفية الإرشاد وقد انخرط حتى يومنا هذا ما يقارب الخمسمائة امرأة في الشبكة. 
كما حظيت هذه الظاهرة النسائية الجديدة بتغطية إعلامية واسعة وغدت الشبكة مطلوبة للغاية من كافة الجهات حيث تقول إلهام زهيري “إن الطلب أكثر بكثير مما كنا نتصور؛ فكلما سمع أشخاص جدد عنها كلما تواصلوا معنا للاشتراك، حتى أن رئيس الجامعات في المغرب قد اتصل بنا مؤخرا لعقد ورشة عمل صيفية للطالبات في فصلهن الدراسي الأخير”.  
وقد أدى هذا النجاح المهيب إلى انه تعقد الشبكة حاليا دورات إرشادية لثلاث مجموعات مستهدفة. أولى هذه المجموعات هي المختصات في عالم الأعمال حيث ينصب التركيز على الإدارة. وثانيها النساء اليافعات الراغبات بالدخول إلى سوق العمل وبحاجة إلى تعلم كل شيء من كتابة السيرة الذاتية إلى كيفية البحث عن عمل مناسب. وثالثها النساء في المناطق الرعوية. 
وتختلف احتياجات هذه المجموعات بشكل كبير، حيث أن النساء اللاتي يتمعن أصلا بعمل قد يحلمن بأن يصبحن مديرات، بينما قد تحتاج النساء في المناطق الرعوية إلى الدعم في مجالات مختلفة تماما.  
وتضيف إلهام زهيري قائلة “يعتمد إيجاد حياة أفضل من الناحية الاجتماعية والمالية على الثقة بالنفس وتطوير الذات. فالبعض يريد أن يتعلم القراءة والكتابة، بينما يريد الآخرون أن يجنوا أموالهم الخاصة بهم. وعندما عقدنا أول منتدى وطني أتتنا نساء من مناطق رعوية تبعد عنا 700 كيلومترا للمشاركة في ورشة عمل صحية تتعلق بقضايا النظافة الصحية للمرأة”. 
وينصب تركيز الشبكة على الوصول إلى الناس، ومن ذلك تنظيم مسيرتين مع رفع اللافتات والشعارات في الشوارع مما استقطب 200 امرأة. وكذلك إطلاق ” قافلة إرشادية” للوصول إلى المناطق الرعوية الأكثر بعدا. 
وقد كبرت دائرة الشبكة في الحجم والجغرافية من مجموعة صغيرة من المتطوعات حول العاصمة الرباط. كما حضر 350 مشترك ومشتركة المنتدى الوطني الأول ومن بينهم مشاركين من 13 منطقة مختلفة بالمغرب وكذلك مشاركين من الدول المجاورة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

السياسة للمبتدئين 

لقد تمكن التعاون الدنماركي- المغربي من الانطلاق بفضل التمويل الذي حصل عليه من قبل برنامج الشراكة الدنماركي العربي. ومنذ بضع شهور مضت انضم الأردن إلى قافلة الإرشاد حيث أوجدت شراكة جديدة بين مركز كفينفو وبين اتحاد المرأة الأردنية تهدف إلى إعطاء الفرصة للمزيد من النساء الأردنيات بالدخول إلى عالم السياسة من خلال الاستعانة بالسياسيات الأردنيات كمنتورس. 
وتقول سوسن إسحق من اتحاد المرأة الأردنية ” لقد أصبحنا مهتمين بالإرشاد لأننا نعمل على وجه الخصوص مع الشابات ومفهوم القيادة. كما أننا نريد إعداد جيل جديد من النساء ليصبحن قائدات المستقبل من كافة شرائح المجتمع. ولذلك رأينا الإمكانية قابلة للتحقيق عندما سمعنا عن الإرشاد”. 
وقد عمل الاتحاد على مدار ثلاث سنوات على تثقيف النساء الشابات في كافة المجالات من الديمقراطية والحركة النسوية إلى العلمانية. وبما أن العديدات في الاتحاد يتمتعن بالأصل بتجربة سياسية (إحداهن على سبيل المثال رئيسة حزب وعضوة في البرلمان الأردني) كان من السهل بمكان التفكير بالإرشاد والسياسة. 
وفي هذا الشأن تعلق سوسن إسحق قائلة ” أين تبدأ إذا أردت الدخول إلى معترك الحياة السياسية؟ كيف تتوجه إلى الانتخابات؟ يعرف القليل من الناس الحياة السياسية من الداخل بينما يمكن تعلم الكثير من تجارب الآخرين حتى أولئك الذين ليسوا جيدين للغاية في هذا المضمار”. 
ويستطيع اتحاد المرأة الأردنية أن يستفيد من هذه التجربة من الدنمارك. فقد عمل مركز كفينفو وبلدية كوبنهاغن معا على تأسيس مشروع الإرشاد الهادف إلى إشراك المزيد من النساء من الأقليات العرقية في مجال السياسة، وبشكل إجمالي فقد تم جمع 15 منتي مع قيادات نسوية سياسية في خضم الفترة التحضيرية للانتخابات المحلية . 
وقد تمكنت النساء اللاتي كن راغبات بالدخول إلى معترك الحياة السياسية من الاستفادة من تجربة السياسيات المتجذرة في مجالات تتراوح بين كيفية عمل الحزب السياسي وبين كيفية التعامل مع أسئلة الصحافة المتطفلة في حال تقدمت النساء كسياسيات. وكنتيجة مباشرة لهذه الثنائيات الإرشادية فقد تمكنت خمس منتيس من الوقوف في الانتخابات المحلية، بل وأكثر من ذلك فقد كن مصممات على الدخول إلى معترك السياسة ستقبلا. 
أما في الأردن فقد تم جمع 10 منتورس مع 25 منتي في المشروع الذي يختلف قليلا عن المشروع الدنماركي؛ فبدلا من اللقاء في ثنائيات فإن المنتورس و المنتيس سيبدأن باللقاء في مجموعات . وتقول سوسن إسحق ” هنالك الكثير ليتعلمه الجميع، مثلا كيفية العمل كمنتور وليس كمدرسة أو محاضرة. ولهذا السبب لا نطلق على السياسية اسم منتور بل مُسهـّلة، وذلك لأنها تسهل النقاش المشترك مع نساء مناظرات لها”.
ومع مرور الوقت ومع المزيد من الجلسات ستتمكن المنتي من اختيار منتور (مُسهّلة)، وعندها فقط يمكن أن تولد علاقة شراكة بين المنتور – والمنتي. وتعلق سوسن إسحق على هذا قائلة ” هناك العديد من الأسباب التي دفعتنا إلى القيام بالأمر بهذه الطريقة، وأحدها أن السياسة موضوع حساس في الأردن وهي موضوع لا تقف فيه وتتحدث عنه بكل بساطة، وهناك سبب آخر وهو مقدار الوقت الذي يتوفر لدى المنتور “.

مجال للتغيير

وفقا لميا روزينورن التي تعمل مع نشاطات مركز كفينفو الإرشادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فهي تقول بأن الطريقة الأردنية في الإرشاد هي مثال جيد على مرونة النموذج الإرشادي. وقد تتبعت النموذجين المطبقين في المغرب والأردن منذ بدايتيهما. وقد حاز النموذج المغربي على وجه الخصوص على اهتمام بالغ منها لأنه يمثل المرة الأولى التي يجري فيها تطبيق النموذج الدنماركي في بيئة ثقافية ووطنية مختلفة للغاية. وهي تعلق على هذا الموضوع في قولها ” لقد كنا متحمسين للغاية لرؤية مدى قدرتهم على تطبيق أو عدم تطبيق المفهوم وفهم جوهره واعتماده وفقا لمتطلباتهم؛ وذلك لأنه لم يكن بمقدورنا أن نسلٍّم بأنه طالما نجح النموذج في الدنمارك فإنه سينجح في بلد آخر أيضا”.
وقد تمثلت إحدى التحديات في الخروج عن التفكير الاصطلاحي في الاطار الثقافي الدنماركي، لأنه يوجد هناك تمييز طبقي أكثر في المجتمع المغربي بالمقارنة مع المجتمع الدنماركي وهو أمر تم أخذه بعين الاعتبار من قبل شبكة الإرشاد المغربي. حيث تقول ميا روزينورن “يتمثل المفهوم في أن تضع المنتي أجندة اللقاء وقد يشكل هذا تحديا للمنتورس. ففي أكثر الأحيان تكون المنتورس معتادات على التميز بالمركز الاجتماعي الأعلى، ويتمثل التحدي لهن كمنتورس – بخاصة عندما يكون الطرفان متساويان- في أن لا يسيطرن بأفكارهن الخاصة على احتياجات المنتي “.
ومع استمرار العمل لمدة سنتين فقد أثبتت التجربة نجاح النموذج بالرغم من التحديات. وتقول ميا روزينورن “إن التجربة في كل من المغرب والدنمارك متشابهتان من حيث توفر البيئة الآمنة والسرية للقاء النساء، ويمثل لقاؤهن النجاح الحقيقي، إذ تتلقى المنتيس الدعم لملاحقة أحلامهن وتوسعة آفاقهن، وذلك لأنهن قد يشعرن بأن عليهن ملاحقة الطريق الذي رسمه لهن آباؤهن وهذا ما يجب أن تعمل عليه المنتور “.
أما بالنسبة للتجربة الأولى للنموذج في الأردن فقد تم تكييف الطريقة لمواءمة الظروف المحلية، إذ توضح ميا روزينورن بأن ” اللقاء وجها لوجه ضمن علاقة سرية لم تكن قط مشكلة في الدنمارك، لكن في الأردن تلعب الناحية الثقافية دورا في اللقاء: ماذا سيظن الناس بسياسية ذات مستوى عال تلتقي مع امرأة غريبة؟ هل سيفكر الناس بطريقة خاطئة؟ هل سيظنون بأنها تحاول الحصول على شيء ما لحزبها؟ لذلك عمل الأردنيون على إيجاد توازن مقبول من خلال تغيير شكل الإرشاد، إذ لا يتوجب أن يتم اللقاء في مكان خاص، بل يمكن أن يتخذ شكل لقاء في مجموعات في مكان أكثر حيادية. كما يمكن التواصل بين المنتور و المنتي من خلال طرق الإرشاد الإلكترونية أو الإيميلات أو من خلال موقع لينكد إن”. 
لكن يبرز التساؤل التالي: هل من الممكن أن تكون مشاريع الإرشاد قصص نجاح محضة وخصوصا في دول يسود فيها الرأي التقليدي المحافظ القائل بأن دور المرأة ليس في سوق العمل وإنما في البيت مع العائلة؟ 
وردا على هذا التساؤل تقول ميا روزينورن ” قد يبدو الأمر غريبا، لكن الجواب هو نعم، فحتى الآن كانت كلها قصص نجاح، وقد حضرتُ مؤتمرا في الشبكة المغربية حيث صدرت الأخبار عن الشبكة ونتائجها، حتى أن العديد من الرجال قد حضروا وهم من قنوات التلفاز الإخبارية والمكاتب السياسية والبلدية، وكلهم قدموا دعمهم الكامل لهذه المبادرة”. 
وأضافت “لكن بدء أي شيء يكون صعبا، لذلك فإننا مستعدون أيضا لتقبل حقيقة أن المواقف قد تتصاعد في حال لم يتم الترحيب بالنموذج بحماسة، إلا أننا سنعمل على رأب هذا الصدع عندما نصل إليه”.

فرص جديدة

عندما تم إطلاق شبكة الإرشاد التابعة لمركز كفينفو في عام 2003 تساءل الكثيرون عن سبب حماس النساء الدنماركيات في تخصيص وقتهن لمساعدة النساء المهاجرات. وكان الجواب الذي قدمته العديد من المنتورس هو رغبتهن في إحداث فرق في حياة إحداهن وأن تكون لقاءاتهن حيث تبرز فيها الاختلاف الثقافية مثمرة. 
وفي الأردن تعتقد سوسن إسحق أن المنتورس يتعلمن من هذه العملية بقدر ما تتعلمه المنتيس. وهي تقول بهذا الخصوص “هناك فجوة في الأجيال في السياسة الأردنية، والأحزاب ضعيفة، ومن الصعب بالنسبة لهم استقطاب الأجيال اليانعة كما هو صعب عليهم فهم إمكانية إحداث التغيير السياسي من خارج الأحزاب كما نشهده الآن في كل من مصر وتونس. لذلك تستطيع المنتورس أن يتعلمن شيئا عن طريقة تفكير الشابات اليوم”.  
أما في المغرب، فإن من المبادئ الأساسية هو أن يكون العمل في الإرشاد أمرا ممتعا، وكنتيجة لذلك فإن الشبكة تركز كثيرا على أحداث المجموعات الثقافية والتعليمية، وتقول إلهام زهيري “من المهم أن يكون الأمر ممتعا، وإلا لم يريد المرء قضاء وقته الحر فيه؟” 
ويعمل مركز كفينفو حاليا على التحقق من إمكانية نشر هذا النجاح في كافة أرجاء العالم. وقد أبدت عدة دول مثل النرويج وفنلندا وأيسلندا وألمانيا وإسبانيا وقطر اهتمامها وقدمت أنفسها كشركاء جدد محتملين. كما أن رومانيا قد بدأت بالتطلع إلى الدنماركيين وبرنامجهم الإرشادي بشكل مبدئي. لذا هل من الممكن استخدام الإرشاد لتحسين وضع مرأة الغجر  مثلا؟ 
إن مستوى الاهتمام كبير والاحتمالات كثيرة، وكما ترى إليزابيث مولر جنسن الأمر فإن مشروع الإرشاد الذي بدأ كتجربة صغيرة باثني عشر علاقة إرشادية ثنائية في الدنمارك قد أثبت نفسه في كونه أكثر من مجرد مشروع اندماج ناجح. وتعلق إليزابيث مولر جنس  على هذا ” إن الأمر أكبر بكثير من ذلك، فقد أثبت الإرشاد نفسه كمثال ساطع على إمكانية تعبئة المجتمع المدني، كما أثبت أيضا أن هذا المجتمع لديه الرغبة في هذه التعبئة. إن الرغبة والإرادة في التعبئة في المجتمع موجودة، ويبدو الأمر وكأنه لا يمكن إيقافه”.