صندوق الحقائق

لا زالت الحرب الأهلية في سوريا مستعرة منذ أكثر من عامين؛ وحتى الآن، أودى هذا الصراع الدموي بحياة أكثر من 115.000 شخص. 

من أجل حماية وضمان سلامة النساء الواردة معاناتهن في تقرير شبكة حقوق الإنسان الأوروبية المتوسطية  (EMHRN)، تم تغيير جميع الأسماء. 

يمكن قراءة التقرير بالكامل هنا: العنف ضد المرأة، الجرح الدامي في الصراع السوري

يمكن قراءة المقابلة التي أجريت مع الطبيب البريطاني ديفيد نوت.

“تستخدم النساء في سوريا كسلاح من أسلحة الحرب الدائرة. فعندما يتم الاعتداء على امرأة، لا يقتصر الاعتداء عليها كشخص فحسب، بل يعد بمثابة رسالة موجهة إلى جميع أفراد أسرتها ومجتمعها المحلي.” 
هذه هي كلمات ماثيو روتير، منسق شبكة حقوق الإنسان الأوروبية المتوسطية (إي إم إتش آر إن) في سوريا والمشارك في تأليف تقرير حديث حول العنف ضد المرأة في سوريا بعنوان “العنف ضد المرأة: الجرح الدامي في الصراع السوري”. ويحتوي التقرير على شهادات شخصية من نساء سوريات كنّ على مدى الأشهر الستة الأولى من عام 2013 ضحايا للاعتداءات: احتجاز غير قانوني، أو السجن دون محاكمة، أو العنف الجسدي، أو التهديد والتعذيب، أو – وكما هو الحال في كثير من الأحيان – مزيج من جميع هذه الاعتداءات. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي التقرير على تفاصيل تتعلق بالاعتقال العشوائي لمئات من النساء السوريات واختطافهن واستخدامهن كدروع بشرية من قبل الجنود وكأهداف بشرية من قبل القناصة. كما يكشف التقرير أن نسبة الوفيات الناجمة عن التفجيرات بين المدنيين، بما في ذلك وفيات النساء والأطفال، أعلى بكثير مقارنة بالصراعات المسلحة الأخرى. 
 ويضيف ماثيو قائلاً: “إن هذا نمط مقلق للغاية ويكاد أن يقترب من كونه جريمة ضد الإنسانية،” مشيرًا إلى أن الغالبية العظمى من الاعتداءات الجنسية قد حدثت دون ملاحظتها من قبل السياسيين ووسائل الإعلام الغربية، لأنه لم يتم توثيقها في المقام الأول. 
إن هذا التقرير هو الخطوة الأولى في توثيق مثل هذه الاعتداءات؛ ووفقًا لروتير، فإنه مجرد غيض من فيض. في عام 2013، قدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (إس إن إتش آر) أن حوالي 6000 امرأة قد تعرضن للاغتصاب في سوريا منذ بداية الصراع في عام 2011، مما أدى إلى حدوث العديد من حالات الحمل القسري. ويخشى من أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير من هذا الرقم التقديري. وفقًا لماثيو روتير، فإن الغالبية العظمى من السوريين يعتقدون الآن أن هذه الاعتداءات تقع على نطاق واسع وبشكل ممنهج.

العنف يجبر النساء على الفرار 

سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حالات اغتصاب في مدن حمص ودمشق وحماة واللاذقية ودرعا وإدلب وطرطوس. ولقد أظهرت التحقيقات أن هناك ثلاثة مواقف يقع فيها الاغتصاب بشكل عام: أثناء الغارات التي تشنها القوات الحكومية، وعند نقاط التفتيش، وعندما تحتجز النساء في السجون أو في مراكز الاحتجاز. ووفقًا لماثيو روتير، تقف القوات الحكومية لبشار الأسد، والمشهورة باستخدام العنف والتعذيب الشديد ضد معارضيها، وراء 90% من هذه الاعتداءات. 
لقد انتشرت شائعات وقصص هذه الاعتداءات في جميع أنحاء سوريا وخلقت جوًا من الإحساس بعدم الأمان بين النساء السوريات. ويقول ماثيو روتير أن الدراسات التي أجريت بين النساء اللاتي فررن من سوريا قد أظهرت أن الخوف من الاعتداء الجنسي والعنف من الأسباب الرئيسية التي تجبر النساء على الفرار. 
توضح خلود، وهي امرأة من حمص تم اختطافها ثم إطلاق سراحها في وقت لاحق، أنه عندما اشتدت هجمات القوات الحكومية في صيف عام 2012، أصيبت النساء في مجتمعها المحلي بالهلع والخوف.
“لقد اعتدنا على ارتداء طبقات متعددة من الملابس خوفًا من التعرض للاغتصاب.” 
شرحت خلود أيضًا وبإسهاب تهديدات العنف الجنسي التي تعرضت لها أثناء اعتقالها ووصفت وصمة العار الاجتماعية التي تطارد النساء بعد إطلاق سراحهن:
“عندما كنت معتقلة، أخبرني أ. م. ، وهو ضابط أمن سياسي، أنه يحتجز 17 امرأة في بيتنا في حي باب الدرب (…) قال إنهن تعرضن للاختطاف أثناء الغارات، وأنه قد أقدم على اغتصاب كل واحدة منهن (…) وعندما سألته عن الذنب الذي ارتكبته هؤلاء الفتيات، قال إنه أراد اغتصابهن وجلب العار على أسرهن. وأضاف أنه سمح لرجاله باغتصاب امرأة بشكل جماعي وتصوير “الحفلة” كما سمّاها، لكي يرسل الفيديو إلى عم المرأة الذي كان رجل دين معروف وعضوًا في المعارضة.”

نساء منبوذات من قبل أسرهن 

كما هو الحال في العديد من البلدان، يعتبر الاغتصاب والاعتداء الجنسي في سوريا وصمة عار اجتماعية. وهذا يعني أنه بمجرد الإفراج عن النساء من قبل خاطفيهم في نهاية المطاف سيصبحن منبوذات من قبل أسرهن والمجتمعات المحلية. وبالتالي، لا يبقى أمام العديد من النساء أي خيار سوى مغادرة البلاد؛ ويوضح ماثيو روتير قائلاً:
“إنه أمر مزعج للغاية. في كثير من الأحيان، لا يوجد مكان يمكن للنساء الذهاب إليه طلبًا للمساعدة وينتهي الأمر بهن في المخيمات؛ هذه المخيمات غير مجهزة بشكل جيد ويوجد نقص في خدمات الرعاية الطبية الملائمة وخدمات تقديم المشورة والنصح لمثل هذه الحالات. وبالتالي، تترك النساء في عزلة وضعف، ليس نتيجة للاعتداءات التي عانين منها فحسب، بل أيضًا لأنهن وحيدات دون شبكة اجتماعية داعمة وبدون عائلاتهن.”
اضطرت خلود إلى الفرار من حمص عقب إطلاق سراحها:
“في دمشق، أعطيتُ خيار كتابة اسمي بقائمة الضحايا المفترض أنهن قد تعرضن للاغتصاب لكي أتمكن من الزواج من أحد الرجال الذين تطوعوا للزواج منّي. لم أستطع تحمل فكرة أن الجميع يعتقد أنني قد اغتصبتُ أثناء احتجازي؛ حتى إنني فكرتُ جديًا بالانتحار.”
ومثل خلود، هناك العديد من النساء اللاتي يضطررن إلى كتابة أسمائهن بهذه القوائم من أجل الهروب من العار المرتبط بالاغتصاب. يكمن السبب في ذلك إلى أنه يُنظر إلى جسد المرأة على أنه أساس لشرفها؛ وبالتالي، وحيث إنه من المتوقع أن تحمي العائلة هذا الشرف، فإن أي اعتداء جسدي غالبًا ما يؤدي إلى أعمال ثأر انتقامية، وخاصة بين الأسر المحافظة؛ ويوضح ماثيو روتير:
“يعمل هذا على تأجيج الصراع حيث ينتهي الأمر أيضًا بالنزاع الداخلي بين الفصائل المسلحة المختلفة. فعندما يتم اختطاف امرأة يتبعه الانتقام دائمًا، الأمر الذي يزيد من تأجيج الصراع.”
ووفقًا للتقارير، فإنه ليس من غير المألوف لرجل ما أن يطلق زوجته في اللحظة التي يسمع فيها عن اختطافها حتى يتجنب أي عار قد يلحق به جراء الاعتداء الجنسي على امرأته.  

 الاغتصاب هو سلاح الحرب المطلق 

عاشت جيسيكا إل. رادين، وهي طالبة دكتوراة في قسم دراسة الأديان في جامعة تورونتو، في سوريا خلال الفترة 2006- 2008. تشير جيسيكا إلى أنه لا ينبغي اعتبار العنف الجنسي ضد المرأة على أنه، وببساطة، مجرد سلاح من أسلحة الحرب العديدة؛ ولكن يجب أن ينظر إليه على أنه السلاح المطلق للحرب لا سيما في بلد محافظ فيما يتعلق بالأمور الجنسية مثل سوريا. كتبت قائلة:
“قد لا يقتل العنف الجنسي (…) ضحاياه، ولكنه يتركهم مدمرين مع صدمة مدوية تحطم التركيبة الأسرية وتتلف عقول الناجين.”
وتنوه رادين إلى أن الأمم المتحدة قد عرّفت الاغتصاب كجريمة ضد الإنسانية لأول مرة في عام 1993 عندما ظهرت تقارير معسكرات الاغتصاب والموت للبوسنيين. ولم تعترف مجموعة الثمانية (وهي الدول الثمانية الأكثر نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا في العالم) بالاغتصاب كجريمة حرب إلا في عام 2013.
وتختم رادين قائلة: “من خلال انتهاك جسد المرأة – حضن الأمة – فإنك تدمر الأمة المرتقبة التي ترمز لها،” وتصف مخيمات الاغتصاب البوسنية نقلاً عن أستاذة القانون في جامعة ميشيغان كاثرين ماك كينون:
“إنه الاغتصاب كأداة للنفي القسري، ولإجبارك على مغادرة بيتك وعدم العودة إليه على الإطلاق. إنه الاغتصاب الذي سيُسمع ويُشاهد وتروى قصصه من قبل الآخرين: الاغتصاب كمشهد استعراضي. إنه الاغتصاب الذي يهدف إلى بث الفرقة داخل الجماعة وتمزيق المجتمع وتدمير الشعوب.” 
عند استعراض تقرير شبكة حقوق الإنسان الأوروبية المتوسطية  (EMHRN)، تظهر أوجه الشبه بين الوضع في سوريا والفظائع التي ارتكبت في النزاع البوسني خلال الفترة 1992- 1995 بشكل واضح ولافت للنظر.
 

القناصة يستهدفون أجنة النساء الحوامل 

يوضح ماثيو روتير أنه على الرغم من أن العمل لا يزال جاريًا حتى الآن لإثبات أن عمليات الاغتصاب ممنهجة وحدثت بأمر ممن هم في السلطة، فليس هناك أدنى شك في أن هذه هي النية عندما يتم استهداف النساء والأطفال. وبطريقة مشابهة، تمثل المستشفيات والمدارس أيضًا أهدافًا استراتيجية لقوات الأمن التابعة للرئيس بشار الأسد.
تحدث مؤخرًا الطبيب البريطاني ديفيد نوت، الذي يعمل كمتطوع في العديد من المستشفيات السورية، لممثلي وسائل الإعلام الدولية عن حالات النساء الحوامل العديدة التي أحضرت إلى المستشفى بعد أن أصيبت بطلق ناري في بطنها. لقد تم إطلاق النار على واحدة من النساء بدقة شديدة بحيث اخترقت الرصاصة رأس جنينها. أكدت له هذه الأمثلة على أن القناصة يستهدفون النساء السوريات الحوامل عمدًا:
“في أحد الأيام، تم إدخال 16 امرأة أصيبت بأعيرة نارية في الجانب الأيمن من منطقة أصل الفخذ. في اليوم التالي، كانت جميع الضحايا اللاتي تم إدخالهن مصابين بأعيرة نارية في الجانب الأيسر من منطقة أصل الفخذ. ويدل هذا على أن ثمة لعبة كانت تمارس بين القناصة.”
وقال ديفيد نوت للسي إن إن. (CNN)، “تراوحت أعمار الأجنة التي تم إزالتها في معظم الحالات بين سبعة وثمانية وتسعة أشهر؛ مما يعني أنه كان واضحًا تمامًا للعيان أن هؤلاء النساء حوامل.”
يقول ماثيو روتير أنه في حين أن العديد من حالات الاحتجاز والقتل تحدث بشكل عشوائي وأنه من الواضح أنها جزء من لعبة مريضة يلعبها القناصة، إلا أن النساء، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين يقدمون الإغاثة الإنسانية، قد تم استهدافهن في الهجمات:
“في بداية الصراع، أعلنت القوات السورية أنها لن تستهدف عمال الإغاثة؛ ومع ذلك، وفي نفس الوقت، أنشأت محكمة لمكافحة الإرهاب من شأنها أن تستخدم لرفع دعاوى ضد نشطاء السلام وعمال الإغاثة الإنسانية وملاحقتهم.”
“أضف إلى ذلك أنهم قد قاموا، وعلى وجه التحديد، باستهداف النساء اللاتي ينتمين إلى جماعات عرقية معينة أو الآتين من منطقة معينة يعتبر سكانها من المناهضين للحكومة.”
وفي حين يمكن أن يعزى 90% من الهجمات إلى القوات الحكومية، فإنه من الصعب القول من هو المسؤول عن نسبة الـ 10% المتبقية من الجرائم، والتي يمكن أن تكون على نحو مماثل نتيجة للفوضى التي تعصف بالبلاد. ويوضح ماثيو روتير:
“هناك مجموعات مسلحة معروفة مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، وهناك عدة جماعات مسلحة أخرى. ولا نعرف ما إذا كانت هذه الجماعات تُحرك بواسطة الرشاوى، أو من خلال النهب، أو إذا كانوا مجرد لصوص، أو إذا كان لديهم أية انتماءات سياسية.”

هناك حاجة ماسة إلى المزيد من الدراسات 

يؤكد ماثيو روتير على أن هناك حاجة ملحة للتحقيق المستمر حول هذه الهجمات من أجل معرفة ما إذا كان هناك نمط معين في الجرائم التي ترتكبها القوات الحكومية، وإذا كان الأمر كذلك، الكشف عن مصدر هذه الأوامر في التسلسل الهرمي في الحكومة.
“لقد أصبح الاغتصاب ممارسة روتينية. وعندما يجرى التخطيط للقتل والاغتصاب على نطاق واسع وتنظيمه وتنفيذه بشكل ممنهج، يمكن عندئذ تعريف هذه الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية. هناك حاجة ملحة لدراسة هذا الموضوع بشكل مستفيض. تشير روايات الشهود إلى أن هذه الاعتداءات هي ممارسات روتينية، على الأقل على المستوى المحلي. وتتمثل الخطوة التالية في معرفة الكيفية التي يتم بها اتخاذ مثل هذه القرارات على المستوى الأعلى.”
ووفقًا لماثيو روتير، لقد تأخر تحرك المجتمع الدولي كثيرًا:
“يتحتم على المجتمع الدولي أن يرسل رسالة قوية إلى جميع المعنيين بأنه سوف يتم معاقبة جرائم الحرب وأن مثل هذه الحالات ستعرض أمام محكمة جنائية دولية؛ على أمل أن يؤدي هذا إلى خفض عدد الاعتداءات وتخفيف معاناة الشعب السوري.”
وفيما يتعلق بالآفاق المستقبلية للحرب الأهلية والاعتداءات العديدة على المدنيين، فإن روتير غير متفائل:
“الصراع يتدهور يومًا بعد يوم، وسيستمر في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها: يبقى الوضع في سوريا متقلبًا؛ حدثت هجمات جديدة بالقنابل في تركيا والعراق؛ وفي الأردن – والتي بخلاف ذلك، تعتبر أحد أكثر الدول استقرارًا في المنطقة – فإن الوضع خطير ومهدد بسبب التدفق الهائل للاجئين.”
ويختتم روتير:
“هذه كارثة خطيرة تقاعسنا وتباطأنا بالفعل في التعامل معها. يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك الآن!”