خمس مندوبات من منظمات تشارك مركز كفينفو مشاريعه في الأردن، وتونس، ومصر، زاروا الدنمارك مؤخرا لمتابعة الانتخابات المحلية الجارية في مختلف أنحاء البلاد. وقد حضرن، خلال سير الانتخابات، ورش عمل أعدها المركز الدنماركي للأحزاب والديمقراطية، مكنتهن من تفحص طريقة عمل الديمقراطية الدنماركية والنظام الانتخابي الدنماركي إلى جانب السياسيين الدنماركيين.
إحدى المشاركات كانت هالة سالم، المدير التنفيذي لمركز القدس للدراسات السياسية في العاصمة الأردنية عمان. والتي كانت تتوق بشكل خاص لمعرفة الطريقة التي تتجنب بها الدنمارك تزوير الانتخابات والفساد، واهتمت برؤية التدابير المتبعة في الدنمارك لمواجهة مثل تلك الأمور. 
تقول هالة سالم: “الأشخاص الذين أجابونا قالوا أن الأمر مجرد جزء من الثقافة والنظام- لأن هناك شفافية وإرادة سياسية للحفاظ على مثل تلك الثقافة.” بالنسبة لها، فإن ذلك يسلط الأضواء على أول محاولة أردنية جرت مؤخرًا للقيام بانتخابات نزيهة، وما أحاط بها من تحديات.

تقول هالة سالم: “الثقافة [في الأردن] هي أن يقوم المرشحون بشراء الأصوات لأنفسهم، ويتوقع الناخبون أن في وسعهم بيع أصواتهم. اعتراضي على هذا العمل يكمن في أن هذه الأموال التي يحصل عليها الأفراد مقابل التصويت لمرشح معين سيتم إنفاقها غدًا أو خلال أسبوع، في حين أن منح صوتهم للشخص الذي يؤمنون به سينفعهم، وينفع أولادهم، وأسرتهم طيلة فترة بقاء السياسي في البرلمان.” 

شحنة من الحوافز للتونسيين المندهشين

شارك من الجانب التونسي بسمة سوداني، رئيسة رابطة الناخبات التونسيات. وقد كانت هذه الرابطة شريكًا لمركز كفينفو منذ العام 2012، وقامت- بالتعاون مع كفينفو و”كفيندرأودت” (المجلس النسائي الدنماركي)- بعدد من المشاريع التي ركزت على المشاركة السياسية للمرأة. 
أوضحت بسمة سوداني أن خمسة من السياسيات التونسيات اللواتي أرسلتهن المنظمة إلى الدنمارك في العام 2012 لم يتفاجئن ويندهشن وحسب بل تشجعن إلى حد بعيد. وقد لاحظوا أن السياسيين الدنماركيين لا يرتدون ملابس من صنع كبار مصممي الأزياء، ولا يتجولون في سيارات فارهة؛ بل يستخدمون الدراجات ويرتدون الأحذية الخفيفة والجينز. 
وأضافت بسمة سوداني، “تعارضت تجربتهن بحدة مع الصورة النمطية العربية التي تتلخص في أن الحياة السياسية للأفراد تبدأ بعد تقاعدهم من أعمالهم. في الدنمارك، قابلن سياسيات كنّ مواطنات عاديات ولم تكن أعمارهن 50- 60 سنة ينتمين لأسر غنية وميسورة الحال تدعمهن.” وفي الوقت نفسه، أخبرتنا كيف أن النساء الخمسة اللواتي زرن الدنمارك في العام 2012 اكتسبن فطنة جعلتهن أكبر قدرًا بالنسبة لأحزابهن السياسية وزادت من فرصهن في الترشح للمناصب. 
ومضت بسمة سوداني في حديثها لتخبرنا عمّا تعلمته النساء عن بنية الأحزاب السياسية الدنماركية، وعمليات الضغط والحملات السياسية، والكيفية التي يؤسس بها المندوبون شبكات خارج تونس ترسخ فيهم توجها يقول “نعم نستطيع”. 
كما أخبرتنا بسمة السوداني نفسها كيف شعرت بالدهشة لأجواء الانتخابات في الدنمارك وأجوائها التنافسية واحترام الناس لمنافسيهم. وهي تعتقد بأن هذا شيء يدعم الديمقراطية في نهاية الأمر.

وتستطرد بسمة السوداني قائلة، “العملية كلها قائمة على الثقة، ولا يشك أي شخص في أن هناك من يزور النتائج أو يقذف بالأصوات بعيدًا.” 
ومثل باقي مندوبي الشرق الأوسط، أبدت بسمة السوداني اهتمامًا بالمستوى العالي لانخراط الشبان الدنماركيين في السياسة، الذين يشاركون في السياسة والانتخابات على كافة المستويات. ورأت أن من الصعب عليها تخيل وجود مثل هذا الاهتمام والمشاركة السياسية لدى الشبان في بلدها- أو حتى أن يسمح لهم بالانخراط في هذا الأمر  الآن، بعد أن خبت الاندفاعة التي حركت الثورة. 
وفي تفسير  ما آلت إليه الأمور في تونس قالت بسمة سوداني، “شباب تونس أطلقوا شرارة الثورة، لكنهم لم يصبحوا جزءاً من العملية التي تلتها. أنا أقول عادة أن الديكتاتوريات تعمل على القضاء على أي قيادة سياسية. لكن إذا سألتني ما إذا كنت أعتقد بأن الخطأ في عدم الحصول على قضمة من الكعكة يعود إلى الشباب أم إلى الجيل الأكبر سنًا، فإن جوابي سيكون مختلطًا. من جهة، يمكنك القول بأن الجيل الأكبر سنًا قد اختطف الثورة- لكن من جهة أخرى، كان يتعين على الشباب أن يعملوا معا كي يوصلوا الأمور إلى نهايتها. في الوقت الحاضر، الشبان استسلموا وهم يجلسون ضجرين لمتابعة فيسبوك وتويتر.” 
وأضافت الأردنية هالة سالم أنه على الرغم من أن الحكومة الأردنية قد أطلقت عددًا من المبادرات والخطط الموجهة إلى الشباب كنوع من “الاحتواء الناعم”، فقد قامت بذلك فقط لمنع حدوث المزيد من الاضطرابات. حتى أنها شكلت هيئة استشارية من الشباب، لكن وفقا لهالة، فإن المسألة كلها تفتقر إلى المصداقية. 
تقول هالة سالم: “من الضروري أن يلعب الشباب دورًا ذي مغزى وليس أن يكونوا مجرد زيادة عدد في خلفية الأحداث العامة الكبرى. وكي يتغير ذلك، يجب تحميلهم مسؤوليات. لكن الحديث إلى الشباب بطريقة تنم عن احترام ليس جزءاً من هذه الثقافة- وأقل من ذلك تحميلهم مسؤوليات. في الدنمارك الأسرة كلها تخرج للتصويت، وبهذه الطريقة تترسخ الديمقراطية في أفراد المجتمع بعمر  مبكر. أود أن القي نظرة عن كثب على الطريقة التي تخلقون بها إطار العمل المثالي هذا، من الناحية الهيكلية، بجعل الشباب ينخرطون في العملية.”
 

إعجاب مصري بالاختلاف السلمي والحوار الحر

انصب اهتمام المندوبات المصريات على الطريقة التي يدير بها السياسيون الدنماركيين الحوار، والتفاوض حتى مع إبرام اتفاقات مع شخص لم يكونوا على وفاق معه سابقًا. 
كما تقول شريفة جمال يونس، ممثلة “مؤسسة قضايا المرأة المصرية”، التي تعمل مع ناشطات سياسيات- وناشطات سياسيات محتملات- علاوة على القطاع الأوسع من الناخبين “بالنسبة لي، كان الأمر الأكثر  أهمية هو رؤية جلوس المتنافسين السياسيين على الطاولة نفسها والاتفاق على الأمور. وتشكيلهم تحالفات حزبية والدخول في اتفاقيات سياسية”.

لقد تعرفت في البداية خلال زيارتها، مع مندوبات أخريات، على المعنى الحقيقي للحوار المفتوح من دون استثناء. وحين رافق المندوبات متطوعين قاموا بتوزيع مواد سياسية حزبية خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، وقابلوا مجموعة من السلفيين في محطة نوريبرو في كوبنهاجن [وهم مجموعة إسلامية متطرفة ترفض الديمقراطية كوسيلة للحكم]. هنا وقف السلفيون إلى جانب الأحزاب السياسية وقاموا بتوزيع منشوراتهم الخاصة. إلا أن رسالة السلفيين كانت مختلفة تمامًا: ففي حين كان المرشحون يشجعون الناس على التصويت لأحد المرشحين، كانت منشورات السلفيين تدعو الناس لعدم التصويت إطلاقًا. 
تقول شريفة جمال يونس، “في الدنمارك، تدخل في حوار مع الجميع- حتى السلفيين الذين يعارضون الديمقراطية بشكل أساسي. وهذا أمر لا يصدّق. يوم الانتخابات نفسه مناسبة احتفالية للجميع، ومن الطبيعي جدًا أن يقول المرء ‘أنا اليوم مع المعارضة، أما غدًا فسوف أكون الفائز’.
وجهة النظر هذه شاركتها فيها زميلتها المصرية سلمى، مديرة برنامج في المنظمة المصرية المسماة “نظرة للدراسات النسوية”. ولاحظت بشكل خاص كيف أن المرشحين المتنافسين يقفون قريبين من بعضهم ويديرون حملتهم الانتخابية دون أي شيء يوحي بعدم الارتياح. 
وألمحت سلمى النقاش: “وقفنا على بعد خمسة أمتار من الآخرين دون أي تصعيد استفزازي على الإطلاق. قد تبتسم، لكن هذا ما كان ليحدث في البلد الذي جئت منه. هناك الدوائر الانتخابية مقسمة إلى مناطق تديرها مجموعة سياسية معينة؛ وإذا ما قام أحدهم بانتهاك منطقتهم فإنهم يعتبرون الأمر مسألة شخصية وعدوانًا- وهو عكس ما رأيناه تمامًا في الدنمارك. هنا المنافسة تجري بطريقة منظمة.” وهي تعتقد بأن أوضاعا مماثلة لتلك التي في الدنمارك يمكن أن تتطور في مصر، بمرور الوقت. لكن السؤال يبقى- كما هو الحال دائمًا- كيف ومتى؟  

وعلقت قائلة: “بطريقة ما، لقد بدأنا بالفعل. وحقيقة أننا نجرب أن نكون أفضل من الناحية الديمقراطية هو أمر مفيد ومشجع، لقد قمنا بالتصويت كثيرًا مؤخرًا. لكن ترسيخ فكرة أنه لا بأس في المنافسة وأن الاختلاف أمر إيجابي سيحتاج لفترة أطول. وقضية الاختلاف تقلقني بشكل خاص الآن وأنا أرى توجهًا في مصر تنشغل فيه الأحزاب الكبيرة بابتلاع الصغيرة.” 

مساءلة سياسي دنماركي بسبب حسابات فوضوية 

كعلاوة غير متوقعة، شهدت المندوبات القادمات من الشرق الأوسط مثالاً عملياً يدرّس على طريقة عمل الشفافية الديمقراطية في الدنمارك. فقد أجبر وزير التعاون التنموي، كريستيان فريس باخ، على الاستقالة من منصبه الوزاري حين تم اكتشاف أنه قدم معلومات غير صحيحة في قضية مختلف حولها تتعلق بترتيبات سفر مع “معهد النمو الأخضر العالمي” وهو صندوق كوري جنوبي خاص بالمناخ. 
وكانت هذه القضية قد لطخت سمعة رئيس الوزراء الدنماركي السابق ورئيس “معهد النمو الأخضر العالمي”، لارس لوك راسموسن، في الانتخابات المحلية. هنا، ظهر للعلن أنه قد انفق شخصيًا مبلغ مليون كورونا دنماركي [حوالي 135 ألف يورو] من أموال الصندوق على تذاكر سفر وفنادق فاخرة.
جميع المندوبات القادمات من الشرق الأوسط رأين أن من المثير للاهتمام بشكل خاص اعتبار مثل هذه القضية المتعلقة بالإفراط في استخدام أموال الصندوق أمرا مهمًا. ولم تتصور أي واحدة منهن احتمال ظهور مثل هذه القضية في بلدانهن.
 

علاوة من شريك دنماركي 

تمثل الأنشطة والمقابلات مع سياسيين دنماركيين عاملاً أساسيًا في الرحلة الدراسية. وعلاوة على أمور أخرى، قضت المندوبات يوما كاملا مع يلدز أكدوجان، عضو الحزب الديمقراطي- الاجتماعي  في مجلس بلدية كوبنهاجن. حيث تمكنوا من متابعة أنشطة حملتها الانتخابية، ومباحثات الهيئة، ومناقشاتها مع الناخبين.  

تقول يلدز أكدوجان، “أول ما خرجت به من الاجتماع مع هذه المجموعة هو القصص التي ما كنت لأقرأها في أي صحيفة. وفكرة القيام بتبادل أراء ذات مغزى تعزز إيماني بأهمية الحوار عبر الحدود- سواء منها الديني أو الأيديولوجي. في الوقت نفسه، هذا يؤكد اعتقادي بأهمية مساعدة الآخرين وفق شروطهم الخاصة.” 
وتضيف: “بتحديد أكبر، هذا يزودني بحجج جديدة يمكنني استخدامها في المستقبل عند مناقشة حزمة كبيرة من القضايا. مثال ذلك، ربما في مجال سياسات التنمية والإغاثة، حيث أمتلك حججًا جديدة حول سبب دعم عمل مثل الذي يقوم به مركز كفينفو بموجب “المبادرة العربية” بالغة الأهمية- وهو عمل قيّم للغاية حقًا. أو قد يكون في مجال السياسة المحلية المتعلقة بالدمج ومدى حيوية إشراك المرأة في المعركة ضد قوى التطرف في الدنمارك- والمجادلة في أن الإسلام ليس نقيض الديمقراطية.”

إلهام يتجاوز الانتخابات بكثير 
وافقت جميع المندوبات الزائرات على أن هناك عناصر مثيرة للاهتمام سواء في النظام الانتخابي الدنماركي أو النموذج الدنماركي في لامركزية الإدارة العامة والحكم حيث تمارس البلديات والمناطق قدرًا كبيرًا من السلطة. 
وقد عبرت مندوبات مصر والأردن بشكل خاص، عن رأيهن في أنه سيكون من المفيد جدًا لو أن الكثير من القرارات الرئيسية تتخذ على مستوى محلي، مثل المناطق أو المحافظات. ليس لأن السياسيين المحليين يعرفون المنطقة بشكل أفضل وحسب، بل أيضًا لأن التجربة قد بينت بأن مستوى انهماك الوزراء في شؤون المناطق أبعد من أن يكون مناسبًا.

حلول محلية- تدريب إقليمي

حيث أن مركز كفينفو يعمل بنشاط مع شركاء في العديد من الدول عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن الخبرة المكتسبة من إحدى البلدان يمكن أن تفيد شركاء في دول أخرى. بالنظر إلى هذه الحقيقة، فإن عددًا من الأنشطة في المشروع تركز على إقامة شبكة عابرة للحدود لتبادل الاقتراحات والمبادرات هدفها معالجة القضايا المشتركة، كما تقول كاترينا بلومكفيست رئيسة أنشطة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز كفينفو.

في الوقت نفسه، قد يستفيد المشاركون أيضا بطرق لم تكن في الحسبان أصلا. أحد الأمثلة على ذلك أبرزته كاترينا بلومكفيست من حقيقة أن المندوبات الشرق أوسطيات، اللواتي قمن بزيارتهن خلال الانتخابات المحلية الدنماركية، قد قابلن أيضا سلفيين دنماركيين معارضين للديمقراطية. وهذا يبين للزائرات الشرق أوسطيات بأن الدنمارك ليست صورة وردية كبيرة للديمقراطية. 
وتختتم كاترينا بلومكفيست حديثها قائلة، “تساعد هذه الصورة الممزقة على إبراز رسالة بأن الديمقراطية ليست نهاية الخط أو شيئاً جامدًا. في الدنمارك أيضًا، هناك قوى مناهضة للديمقراطية تحاول تقويض الأسس الديمقراطية في المجتمع. وهناك أيضًا حواجز أمام المشاركة السياسية هنا ما زالت تعترض مجموعات عديدة، كالنساء مثلا، أو المهاجرين، أو الأفراد المهمشين- والتي يتعين علينا تحطيمها. الديمقراطية ليست شيئا كاملا أبدًا؛ حيث يمكن بل يجب تجديدها وتحسينها على الدوام.”