صندوق الحقائق

يعرّف التحرش الجنسي على أنه مبادرات جنسية غير مرحب بها، طلب خدمات جنسية، وغير ذلك من السلوكيات اللفظية أو المادية ذات الطبيعة الجنسية
 
غداة الاحتجاجات والاعتصامات في 2011، بدأت العديد من المنظمات النسائية بكسر التابوهات والتحدث بصراحة عن التحرش الجنسي في الأماكن العامة وفي أماكن العمل. 
 
سُلطت الأضواء في مصر بشكل خاص على التحرش الجنسي، لكن التحرش يحدث في دول كثيرة. وتعمل منظمات عدة مثل "هاراسماب" ، و"شفت تحرش"
(Shoft Ta7arosh)، و"قوة ضد التحرش" (OpAntiSH)، بنشاط لزيادة الوعي بهذه المشكلة سواء على مستوى الشارع وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
 
سنت الحكومة المصرية، في العام 2014، قانونًا يجرم التحرش الجنسي، لكن التشريع تعرض لانتقادات كان من ضمنها فشله في معالجة النطاق الحقيقي للمشكلة - علاوة على أسباب أخرى.
 

في القاهرة، اتسعت المشكلة لدرجة أن المنظمات غير الحكومية المناهضة للتحرش تصنف الوضع على أنه وباء منفلت من التحرش الجنسي. وبلغت القضية مستوى من الخطورة  دعا الحكومة المصرية في يونيو إلى التدخل وسن قانونًا يجرم التحرش الجنسي – وهو قانون بقي محدود التأثير حتى هذا التاريخ. ويدعي الناقدون أن التشريع الجديد ليس أكثر من معالجة لمشكلة اجتماعية – وهي مشكلة من المستبعد أن تحل بواسطة الإدانة أو التجريم وحدهما. 
كتبت ياسمين الرفاعي، من منظمة “قوة ضد التحرش”، على بوابة معهد الشرق الأوسط، “ثمة حاجة ملحة لتدخل الدولة لمواجهة التحديات ومعالجة الأبعاد الثقافية والاجتماعية للقضية. إذا كانت الدولة المصرية جادة في محاربة التحرش، فإن عليها الاعتراف بالحجم الكامل للمشكلة. التشريع بحد ذاته غير كاف.”
 

ظاهرة مدنية

في حين بينت البحوث بأن النساء اللواتي يتعرضن للتحرش يشعرن أنهن أقل أمنًا عند السير وحدهن، ويخترن إلى حد ما تجنب الأماكن العامة، فليس هناك الكثير من الدراسات حول العوامل التي تدفع الرجال للتحرش بالنساء.
تقول مروة شلبي، “نحن لا نعرف الكثير عن مرتكبي التحرش. نحن نعلم أننا لن نجد شخصًا يرفع يديه ويعترف بأنه فعل تلك الأمور، ناهيك عن أن يخبرنا لماذا فعلها.”
وتواصل شرحها قائلة أنه حين يصل الأمر إلى تحديد سبب اقتراف الرجال للتحرش فيبدو أنه لا العمر ولا الدين ولا المهنة عوامل لها علاقة. حيث تبين الأدلة أن التحرش شائع في البلدات والمدن أكثر مما في المناطق الريفية. 
لكن ما الذي يدفع الرجال إلى معاكسة النساء والتحرش بهن؟ إحدى الشخصيات التي حاولت إيجاد جواب لهذا السؤال هي شيرين الفقي، الباحثة ومؤلفة كتاب الجنس والقلعة – رواية واقعية عن الجنس في العالم العربي اليوم.
 

بدلاً من العجز الجنسي

حين وصل ما يدعى بالربيع العربي إلى مصر بداية العام 2011، برزت حقيقة أن النساء والرجال يمكن أن يقفوا جنبًا إلى جنب للتظاهر من أجل الحقوق نفسها كشيء استثنائي. خلال المظاهرات، أصبح العديد من النساء ضحايا لاعتداءات عنيفة؛ لكن في الأيام الأولى من الاحتجاجات، شهدت مصر حالة نادرة وفريدة من خروج النساء والرجال معًا لاحتلال ميدان التحرير. قاتلوا معًا في سبيل الهدف ذاته.تقول شيرين الفقي في كتابها، بأن مشهد القتال من أجل شيء كان يعني بأن الرجال المشاركين في الاحتجاجات يشعرون بأنهم لم يعودوا بحاجة للترفع على النساء. وكتبت بناء على تجربتها الشخصية:
 
“بينت الأحداث بوضوح أنه حين يكون لدى الرجال حافزًا وهدفًا فإنهم يغيرون طريقة تصرفهم تجاه المرأة.”
دعمت سميرة أغاسي، الباحثة في المساواة في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، حجة شيرين الفقي. أحد مجالات دراستها كانت الذكورية، واحتجت بأن المجتمع الأبوي السائد في العديد من مناطق المنطقة يعمل على قمع الرجل أيضًا – وهذا القمع ينعكس على سلوك الرجل تجاه المرأة.
تقول سميرة أغاسي، “شعر العديد من الرجال بأنهم عاجزون جنسيًا، مهمشين وغير قادرين على عمل أي شيء إيجابي أو المساهمة في إعادة بناء بلدهم أو الطريقة التي يدار بها. أصابهم ذلك بالإحباط الشديد، وكانوا غالبًا ما يسقطون إحباطهم على النساء.” 

 

النظام الذكوري، والأداء، والسلطة

تناولت إحدى الدراسات الرئيسية التي قامت بها سميرة أغاسي في هذا المجال الطريقة التي صور بها الأدب العربي الرجل منذ العام 1967. حيث بينت هنا، بأن من الواضح أن الذكورة والرجولة قد ارتبطت بامتلاك السلطة. ونظرًا لأن عددًا قليلاً من الرجال العرب قد تولوا بالفعل السلطة خلال العقود الماضية، صار الرجال أيضًا ضحايا للمجتمع الذكوري. فالرجال مضطهدون بالطريقة نفسها مثل النساء، لكن صراعهم مختلف لأنهم تربوا على أن يكونوا هم المسيطرون. شعروا بأنهم خصيان قاصرين لأنهم غير قادرين على القيام بما يتوقع من الرجال القيام به.
وتضيف سميرة أغاسي، “يعود الأمر كله إلى الطريقة التي تربينا عليها. تلك هي الطريقة التي تدور بها علاقات القوة عبر أجزاء واسعة من المنطقة. الرجال تربوا على تولي السلطة، لذلك إن لم يتولوا أي سلطة، ولم يكسبوا ما يكفي، وشعروا بأن ليس لديهم ما يقولونه، عندها يلجئون إلى إظهار سلطتهم بطريقة أخرى.”
بعبارة أخرى، هناك تعارض بين ما هو متوقع من الرجل وما يمكنه تحقيقه. وحسب قول الصحفي والمدون المصري خالد دياب، فإن مشكلة التحرش الجنسي ترتبط أيضًا بالاستقطاب الذي ساد في العديد من المجتمعات العربية خلال السنوات الماضية – خاصة في مصر:
يقول خالد دياب، “كان معنى الثورة المصرية بأن عملية الاستقطاب الكامنة بين التقدميين والمحافظين قد تحولت من الحرب الباردة إلى نزاع فعلي. إضافة إلى ذلك، لعبت الفوارق الضخمة في الدخل، والثروة، والتعليم دورًا. حين يبدأ الغضب والاستياء في التنامي داخل المجتمع، فغالبًا ما تكون الفئات الأضعف هي التي تدفع الثمن – سواء كانت تلك الفئات نساء، أو أطفالاً، أو أقليات.”

 

التمزق بين التقاليد والحداثة

حين تعرضت طالبة كلية الحقوق في جامعة القاهرة للتحرش الجنسي من قبل مجموعة من الرجال في مارس، قال عميد الجامعة فيما بعد بأنها هي المخطئة لأنها كانت ترتدي ملابس ‘غير عادية’: جينز ضيق و”هودي” وردي اللون. كان رد فعل خالد دياب أن نشر صورة على تويتر تعود لخمسينات أو ستينات القرن العشرين التقطت في جامعة الأزهر. ظهر في الصورة مجموعة من الفتيات يتلقين درسًا من أستاذ إسلامي ولا يضعن غطاء على الرأس. كتب خالد دياب على تويتر، “تعودت النساء على الدراسة في الأزهر من دون تغطية رؤوسهن، والآن تلقي جامعة القاهرة باللوم على ملابس هذه الفتاة لتعرضها للهجوم.” 
وأوضح خالد دياب، “منذ نهاية السبعينيات، والقوى المحافظة تكسب أرضًا باضطراد. لكن خلال العام الماضي، بدأ النساء والرجال التقدميين في رفض التعرض للترهيب، وأصبحوا أكثر وعيًا وأكثر تطرفًا. وأثار ذلك ردة فعل عنيفة من عناصر منزعجة ومستاءة في المعسكر المحافظ.”
وأضاف، “في الوقت الحالي، تجد مصر نفسها في حالة ضياع، ممزقة ما بين التقليد والحداثة. وهذا يعني بأن النساء قد فقدن حماية أجسادهن التي يوفرها نظام الشرف الذكوري، لكنهن لم يكسبن بعد الحماية التي يوفرها نظام المساواة العصري.”
بالنسبة لمته توفت نيلسون، الحاصلة على الماجستير في الثقافة، والاتصالات، والعولمة، فإن السبب في تصرف الرجال على هذا النحو هو سؤال بمليون دولار. ولإنجاز مشروع بحثي لحساب جامعة آلبورج، الدنمركية، فسوف تقيم لمدة عامين في القاهرة لدراسة أوضاع النساء في مصر. وكجزء من دراستها، يتعين عليها أيضًا البحث في قضية التحرش الجنسي.
تقول مته توفت نيلسون، ” لقد توصلت إلى نتيجة بأن تقديم جواب واضح على أسباب التحرش الجنسي هو ببساطة أمر بالغ الصعوبة. هناك ألوف الفرضيات والافتراضات المتداولة، لكن من الصعب جدًا إثباتها أو دحضها.”
 

أدوار النوع الاجتماعي المحافظة

وفقا لمته توفت نيلسون، يتعين علينا ألا ننظر إلى التحرش الجنسي على أنه تعبير عن الطريقة التي ينظر بها الرجل إلى المرأة: وتبين قائلة، “هذا مهم لأن تلك هي الطريقة التي ننظر بها إلى الأمر – بأن الرجال ينظرون إلى النساء بطريقة شنيعة. وأن الرجال خنازير كارهين للنساء، وأن النساء يعشن أيامًا صعبة. لكنني شخصيًا لا أعتقد أن هذا ما يجري فعليًا.”
تواصل الشرح لتبين أنه في حين أن النساء هن من يعانين أكثر من هيمنة الرجل، فإن المسؤولية عن تغير الوضع لا تقع بالضرورة على عاتق الرجال وحدهم. ووفقا لها، فإن المواقف تجاه المرأة تنبع من حقيقة أن الرجل هو نتاج ثقافة محكومة بتوقعات قوية حول دور النوع الاجتماعي. ثمة تقاليد وتوقعات – والمرأة مذنبة أيضًا لأنها تتمسك بها. 
تقول مته توفت نيلسون، “في الغرب، لدينا عادة نهج الفاعل/ والمفعول به في النظر إلى الأشياء: الفاعل هو الشخص الذي يتصرف ويقوم بالعمل – وهو الرجل؛ والمفعول به- هو الشخص الذي يتأثر بذلك العمل والذي نراه- وهو المرأة. حسب طريقة التفكير هذه، يمكن النظر إلى الرجل على أنه الشخص الذي يستطيع تغيير الوضع الذي يجد نفسه فيه. وهو أمر لا أتفق معه بقوة. أعتقد أن هناك الكثيرين من الرجال في مصر يريدون فعلاً تغيير تلك الأمور.”
ثمة تفسير شائع للتحرش الجنسي هو أن عمليات معاكسة النساء ومطاردتهن ناتجة عن إحباط الرجل جنسيًا بسبب العيش في ثقافة لا يسمح فيها بالجنس إلا ضمن إطار الزواج، وهو أمر لا يستطيع الكثيرون من الشباب تحقيقه. لكن مته توفت نيلسون غير مقتنعة بهذا التفسير.
وتبرر عدم اقتناعها قائلة، “قبل كل شيء، العديد من الرجال في القاهرة الذين يقومون بالتحرش بالنساء غير محرومين من الجنس. ثانياً، أنا لست مقتنعة على الإطلاق بأن للتحرش الجنسي أي علاقة بالجنس في المقام الأول.”
وتضيف، “أرى أن التحرش هو أولاً وقبل كل شيء قضية سلطة. ليس سلطة بمعنى سيطرة – بل القدرة على الاحتفاظ بشيء كان قائماً ذات يوم.”وتشير إلى أن رأيها هذا قائم على خبرتها وملاحظاتها وليس شيئًا يعتمد على حقائق علمية مثبتة.
“ربما يفسر هذا سبب انتشار التحرش الجنسي بدرجة أعلى بكثير في البلدات والمدن أكثر من المناطق الريفية. في المناطق المدنية يشهد الناس تغيرات – خاصة تغيرات اقتصادية. يرى الرجال العديد من النساء يدخلون سوق العمل، ويشغلون وظائف ذات رواتب جيدة ويحققون إنجازات مهنية. العديد من طلاب الجامعات نساء، ومن منظور مهني يشكلون تهديدًا حقيقيًا للرجال. لذلك أتصور أن المسألة هي تغيير مواقع وتغير لعلاقات القوة. في نهاية الأمر إذا خسر الرجل دوره في رعاية المرأة فما الذي يتبقى له ليفعله؟”