“في الأدب، يمكننا من خلال الأعمال الروائية، على خلاف الأعمال الغير روائية، الالتقاء “بالشخص الآخر”. وإننا من خلال هذا الإلتقاء يمكننا أن نتعلم أن نفهم بعضنا بعضا”، بهذه الكلمات توضح السيدة جلبي أهمية ترجمة الأعمال الأدبية من الدنماركية إلى العربية والعكس.
ففي عام 2008، نشرت مي جلبي، والتي نشأت منذ الصغر بين ثلاث لغات (الدنماركية والفرنسية والعربية)،  بالتعاون مع الشاعر العراقي المقيم في الدنمارك ،منعم الفقير، ترجمة باللغة العربية لأعمال 25 شاعرا دنماركيا. وهي تؤكد أن ترجمة الأدب هي عنصر هام في بناء الجسور بين الثقافات المختلفة.
وحول تجربتها مع ترجمة كتب الأدب تقول السيدة مي جلبي “إن الرواية والشعر يمكنهما إعطاء صورة عن الثقافة الأخرى ويتعاملان مع العواطف، المشاعر والمحيط العام وطريقة الناس في التفكير. عند قراءتك لكتاب ألف ليلة وليلة، فأنك تشعر بجو الثقافة العربية. ويحدث الشيء ذاته عندما يقرأ القارئ العربي للكاتب هانس كريستيان أندرسن. وخلافا للأعمال الغير روائية، فإن الرواية تبقى خالدة.”
وعلى الرغم من حقيقة أن أزمة الرسوم الكاريكاتوية الأخيرة قد أخرت صدور ترجمتها النثرية في مصر، فإن مي جلبي تشعر بترحيب واهتمام إيجابي بالترجمات العربية لكتب الأدب والثقافة الدنماركية والاسكندينافية  لدى الجمهور العربي.
وتشرح جلبي سبب هذه الإيجابية بالقول ” البلدان الاسكندينافية ترتبط عادة بنواح ايجابية كالديمقراطية حيث أنها لم تكن قط من القوى المستعمرة في العالم العربي”. 

الاختلافات الثقافية لا يمكن ترجمتها

وعلى الرغم من ذلك فإن السيدة جلبي تقر بحقيقة وجود حدود لما يمكن ترجمته. ففي بعض الأحيان تكون الاختلافات الثقافية كبيرة جدا بحيث لا يكون هنالك معنى للترجمة. ولهذا السبب، اعتمدت السيدة جلبي والشاعر منعم الفقير معايير خاصة مدروسة بعناية عند اختيارهم للأشعار الدنماركية التي تم ترجمتها. 
وتوضح جلبي طريقة الاختيار بالقول” لقد تم اختيار الأعمال التي يمكن للقارئ العربي التواصل معها؛ وهذا أدى إلى عدم اختيارالقصائد ذات الطابع المسيحي، والقصائد التي تتطلب معرفة طبيعة الحياة المحلية أو تلك الأشعار أو القصائد التي ترتبط بحقبة معينة. وهنالك بعض الكتابات التي لا يمكن ترجتمها باعتبارها ذات طابع دانماركي بحت، على سبيل المثال كتابات الشاعر الدنماركي  بيني أندرسون التي تتميز بالعديد من المفردات ذات دلالات محلية توجد فقط في المجتمع الدنماركي”. 
 وتضيف جلبي ” الاختلافات الثقافية يمكن أن تكون كبيرة جدا بحيث يصبح من الصعب علينا أن نفهم بعضنا البعض. فقبل بضعة سنوات، شاهدت في مصر، مسرحية دنماركية مترجمة إلى العربية. تدور حبكة المسرحية حول أسرة دنماركية مفككة لا يعرف أفرادها شيئا عن بعضهم البعض. وقد وجد الجمهور المصري الأمر مسل للغاية، فبالنسبة لهم فإن فكرة عدم معرفة أفراد العائلة لبعضهم البعض هو أمر غريب وغير قابل للتصديق.”
ومع ذلك، فإن السيدة جلبي تؤمن بأن التواصل المستمر بين مختلف الثقافات هو الطريق إلى الأمام إذا أردنا أن نفهم بعضنا البعض بشكل أفضل. وتطرح تساؤلا ” إننا نتحدث كثيرا عن التواصل. ولكن إلى أي مدى نحن في الواقع جيدين في التواصل مع بعضنا البعض؟ وما مدى معرفتنا ببعضنا البعض؟”

ترجمة القرآن إلى اللغة الدنماركية

وبدورها تشاطر المترجمة الدنماركية الين ولف السيدة جلبي الرأي في أهمية التواصل بين الثقافات، فقد نشرت في عام 2006 ترجمة للقران الكريم من اللغة العربية الفصحى إلى اللغة الدانماركية العامية الصحيحة، وقد جاء ذلك نتاج عمل مكثف استمر ثلاث سنوات. 
 وعن هذه التجربة تقول ولف “من وجهة النظر المهنية، كانت ترجمة القرآن الكريم لا بد منها. فالترجمة السابقة للقرآن الكريم كانت طائفية ومربكة، لذلك فقد شعرت بالمسؤولية تجاه مهنة الترجمة ولدوافع اسمى. لقد جرى في كثير من الأحيان تحريف القرآن الكريم في تصريحات الصحف من جانب كل من الدنماركيين والمسلمين. لقد استخدم القرآن و أسيئ استخدامه باستمرار وهذا كان دافعا قويا للترجمة.”
إيلين وولف التي لديها خبرة 30 عاما في دراسات النصوص العربية الفصحى وحاصلة على شهادة الماجستير في فقه اللغة السامية ودرجة الدكتوراه في اللغة العربية من معهد كارستن نيبور في جامعة كوبنهاغن، ترى أنه ليس هناك من شك في أن الترجمة الجديدة للقرآن الكريم من شأنها أن تقوي أطر التفاهم في الدنمارك.
وتضيف قائلة ” بوجود الترجمة الدنماركية المعاصرة للقرآن الكريم في متناول اليد، يمكننا أن نبدأ الإستفسار على وجه الدقة من أين تأتي الاقتباسات القرآنية التي كثيرا ما تستخدم في النقاش العام، ووضع الأمور في نصابها الصحيح. ربما يكون هناك الكثير من الناس الذين لن يقرؤا القرآن من الغلاف إلى الغلاف، ولكن الكثير من الناس سوف يستخدمونه كمصدر مرجعي وهو أمر مناسب جدا”.
وتشير ولف إلى أن الاهتمام بالترجمة الجديدة لم يرتقي لحجم التوقعات من قبل المسلمين الذين يقطنون في الدنمارك ولا يتكلمون اللغة العربية. غالبية هؤلاء المسلمين لا يزالون يفضلون الترجمة الإنكليزية التي تأثرت بتقاليد الثقافة الإسلامية، على عكس الترجمة اللغوية لإيلين وولف. ومع ذلك، ترى إيلين وولف مزايا عديدة من ترجمتها للقرآن بالرغم من أنها غيرة مسلمة، لأن ذلك يحافظ على اللغة كمحور رئيسي للترجمة، حسب تعبيرها. 
وتشرح ذلك قائلة “تركز ترجمتي على الصياغة وليس على الثقافة الإسلامية، وقد حاولت تجنب التفسير، و حاولت بقدر الإمكان، عندما كان لدي أي شك، الترجمة بدقة أدبية. إن اللغة العربية في القرآن الكريم هي قبل كل شيء لغة جميلة وشاعرية بشكل استثنائي.” 
وتجدر الإشارة إلى أن ردة الفعل العربية على ترجمة إيلين ولف للقرآن إيجابية لحد كبير. وعن ذلك تقول السيدة ولف “لم تشكل حقيقة أنني امرأة وغير مسلمة، قامت بترجمة القرآن أية مشكلة على الإطلاق. ومع أن البعض قد ارتأوا استحالة ترجمة كلام الله، فقد قوبلت شخصيا بالوفاء والامتنان والعطف وهذا ما اهتم به. هؤلاء الناس يرون أن ما قمت به هو جزء هام من بناء جسور التفاهم، خاصة في أعقاب أزمة الرسوم الكاريكاتورية، وهم جميعا متفقون على أهمية تفادي جميع أسباب سوء الفهم.
وتتحدث السيدة إيلين وولف عن عزمها على مواصلة عملها في الترجمة في المستقبل وتقول”لا زال هناك الكثير لترجمته مما يجعلني أشعر بالصداع. أود حقا تقديم ترجمة جديدة لكتاب ألف ليلة وليلة. والمشكلة في الواقع هي أنه ليس هناك الكثير من الناس القادرين على الترجمة — وإذا ضيعنا هذه الترجمات، فسوف نفقد المنافذ المؤدية إلى الثقافات الأخرى.”