الحقائق

إنّ المذاهب الدينية الشرعية هي: الموارنة، الروم الكاثوليك، الأرمن الكاثوليك، السريان الكاثوليك، اللاتين، الكلدان، الأرثوذكس اليونان، الأرثوذكس الأرمن، السريان الأرثوذكس، النسطوريون، البروتستانت، الأقباط، السنّة، الشيعة، الدروز، العلويون، الإسماعيليون، اليهود.

قانون الأحوال الشخصية المدني الموحّد

لقد كانت هناك محاولات عدّة لتبنّي قانون موحّد للأحوال الشخصية على مرّ السنين. وقد عارضت الدولة اللبنانية كل المحاولات لإقرار قانون اختياري موحّد للأحوال الشخصية. فمنذ عام 1971، كان هنالك سبعة اقتراحات لمشروع قانون اختياري للأحوالالشخصية:
مشاريع القوانين المدنية السبعة، هي:
سنة 1971، قدّم الحزب الديمقراطي المسوّدة الأولى للقانون لكنه تم نبذه بسبب الحرب الأهلية.
سنة 1981، قدّم الحزب العلماني الديمقراطي مشروع قانون اختياري الذي لم يتم مناقشته (سامي الشقيفي كان أول لبناني يقوم بشطب طائفته سنة 1969).
سنة 1997، قدّم الحزب السوري القومي الاجتماعي مشروع قانون الذي لم يتم مناقشته.
سنة 1998، عرض الرئيس الياس الهراوي مشروع قانون اختياري للأحوال الشخصية الذي وافق عليه مجلس الوزراء، إلاّ أن رجال الدين عارضوه بشدّة، فتمّ إلغاؤه من قِبل مجلس النواب.
سنة 1999، قدّم اللقاء الوطني الذي تضمّن  75حزبًا سياسيًّا وبعضًا من مؤسسات وناشطي المجتمع المدني من كل لبنان، مشروع قانون لم يبصر النور.
سنة 2009، د. أوغاريت يونان ود. وليد صليبي قاما بتحضير مشروع قانون للأحوال الشخصية وقدّموه إلى مجلس النواب. تم إدراج المشروع على جدول أعمال اللجان النيابية المشتركة، إلاّ أنه ما زال عالقًا.
سنة 2010، قام المحامي والوزير يوسف تقلا بتحضير مشروع قانون شامل اختياري للزواج المدني، إلاّ أنه لم يبصر النور.

 

“إنّ العلمانية ليست ضد الدين … لقد اخترنا الزواج المدني لأننا نعتقد أنّ هذا هو أفضل تعبير عن علاقة مبنيّة على الشراكة الحقيقية والمساواة … لقد أردنا بأنفسنا اختيار المبادئ التي تجمعنا. فقد اختار واحدنا الآخر في حرّية كاملة وأرَدنا أن نعيش حياتنا معًا في حرّية كاملة” خلود سكرية.
لقد أصبح الإسمان خلود سكّرية وزوجها نضال درويش الإسمَين الأكثر تداولاً في لبنان. فهما الثنائي اللبناني الأول الذي عقد زواجًا مدنيًّا على الأراضي اللبنانية. عندما قرّرت خلود وهي مسلمة سنّية ونضال وهو مسلم شيعي، أن يعقدا قرانهما مدنيًّا في لبنان كانا يعلمان أنّ الطريق سيكون وعرًا. ومع ذلك عزما على الشروع في رحلة تاريخية استمرّت حوالي سنة وتكلّلت في تحديد أسبقيّة جعلت الزواج المدني منظّمًا وشرعيًّا، كما ومهّدت الطريق أمام العديد من اللبنانيين لعقد زواج مدني على الأراضي اللبنانية.
الرأي العام 
لقد أثار زواج خلود ونضال الكثير من الجدال وانقسم الناس في ردود أفعالهم في وسائل الإعلام. فمنهم مَن أشاد بهذا الإنجاز المهم وحيّاه، في حين أنّ بعضهم أدانه وانتقده حاسبًا إيّاه منتجًا غربيًّا وجرثومة أصابت المجتمع.
من جهته، أكّد سامي، وهو مواطن لبناني، أنّ: “الزواج المدني هو إحدى وسائل تحرير المجتمع اللبناني والدولة من العصبية الطائفية والمذهبية”، وبالنسبة إليه: “طالما يرفض اللبنانيون الزواج المدني، ستبقى شؤون حياتهم بأيدي تجّار الدّين الساعين لتحقيق منافع ومصالح شخصية”.
أمّا جاد، مواطن لبناني آخر، فقد أكّد على أن: “تشريع الزواج المدني هو خطوة إيجابية للبنان في ظل مجتمع طائفي ومتعدّد المذاهب”.
وتعارض ديانا، وهي إعلامية، هــذا الرأي معتبرةً أنّ رجال الدين على حق في رفضهم الــزواج المدني الذي لا يندرج فقط في إطار العلمانية، بل أيضًا في مخطّط يهدف إلى إلغاء الدين. وتوافقها باسكال، مواطنة أخرى، الرأي قائلةً: “الزواج أمر مقدّس ولا أعتقد أنّ عقدًا ورقيًّا قادر على إضفاء القدسية عليه من دون أخذ بركة رجل ديــن رغــم شرعية وقانونية هذا العقد”.
وكـان لأميـن معلـوف، الكاتب والروائي اللبناني، رأي في الزواج المدني: “أنا أحترم مَن يختار أن يتزوّج في إطار ديني كما أحترم مـَـن يختار أن يـتـزوّج في إطار مدني، الشيء الوحيد المرفوض هو حرمان المواطن من حق الاختيار لأنّ حرمانه من حق الاختيار يحرمه مــن حــقــوقـه كـمـواطـن، ويحرمه من حقوقه كإنسان”. 
وبما أنّ لبنان هو دولة متعدّدة الطوائف والمذاهب، فالزواج بين أشخاص من طوائف مختلفة لا بدّ أن يحصل. وليس كل ثنائي أتمّ زواجًا مختلطًا يختار زواجًا دينيًّا. بالإضافة إلى ذلك، ليس كل مَن يتزوّج بغض النظر عن طائفته، يريد أن يحكم زواجه القانون الديني. من هنا، يجب إعطاء الناس الخيار لجهة نوع عقد الزواج الذي يودّون أن يعقدوه. لذا، أصبح بإمكان الثنائي الذي ينتمي إلى طوائف مختلفة والذي يرفض أن يعقد زواجًا دينيًّا أن يعقد زواجًا مدنيًّا في لبنان.
كيف استطاع خلود ونضال أن يقوما بذلك…
يختلف لبنان عن باقي الدول العربية في أنه يتضمّن ثمانية عشر مذهبًا دينيًّا شرعيًّا. 
إنّ قانون الأحوال الشخصية الذي يحكم القضايا المتعلّقة بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال يخضع لأحكام قوانين هذه الثمانية عشر طائفة. ينطبق هذا الأمر على القضايا التي تتعلّق بالإرث، عند الإسلام. فالمسيحيون في لبنان يخضعون لقانون إرث مدني موحّد خاص فيهم. (للمزيد من المعلومات يمكنكم الاطلاع على العناوين الالكترونية التالية: kafa.org  أو .kafa.org)
لذا فإنّ الدّين في لبنان يحكم كل شؤون الزواج وإحلاله. 
إنّ الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926، يضمن حرّية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية. فالمادّة 9 تنص على أنّ “حرّية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرّية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وهي تضمن أيضًا للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية”. (الدستور اللبناني)
بالإضافة إلى الدستور، فإنّ المرسوم الصادر في سنة 1936 من قبل الانتداب الفرنسي، ينص على أنه في لبنان كل طائفة ترعى شؤون الأحوال الشخصية للأشخاص الذين ينتمون إليها (القرار رقم 60 ل.ر.). وهذا المرسوم يشير إلى المادة القانونية التي تلزم الطائفيين بالخضوع لأحكام وشرع طوائفهم وتُخضِع مَن لا طائفة لهم (الذين تعترف وتقر بوجودهم) لـلقانون المدني. كما يحق لأي مواطن لا ينتسب إلى طائفة، أو قام بشطب طائفته الاحتكام إلى قانون مدني للبت في أمور الأحوال الشخصية بناءً على التشريع المدني. 
اعترفت هذه المادّة بالزواج المدني المنعقد خارج لبنان إذا احتفل به وفقًا للأصول المتبعة في البلد الذي يجري فيه العقد. فلبنان يعترف بالزواج المدني المعقود خارج الأراضي اللبنانية منذ عام 1936. تختص المحاكم اللبنانية المدنية بالنظر في المنازعات الناشئة عن عقد الزواج الذي تمّ في بلد أجنبي بالشكل المدني المقرّر في قانون ذلك البلد، بما أنه لا يوجد في لبنان حتى اليوم قانون موحّد للأحوال الشخصية (قبرص هي الخيار الأرخص والأفضل).
 منذ شباط 2009 أصبح بإمكان المواطن اللبناني أن يشطب انتماءه الطائفي عن إخراج القيد، وذلك بفضل جهود مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. هذا وإنّ وزير الداخلية السابق زياد بارود أصدر مذكّرة رسميّة تقضي في السماح بشطب القيد الطائفي عن إخراج القيد. سابقًا، كانت الطائفة تُسجّل فور ولادة الشخص. فهذه المذكّرة منحت الفرصة للثنائيين لعقد مراسيم الزواج المدني على الأراضي اللبنانية.

خطّة خلود ونضال للزواج في قبرص 

لقد خطّط خلود ونضال أن يتزوّجا في قبرص إلاّ أنّ الصدفة جمعتهم بالمحامي طلال الحسيني الذي حقّق حلمهما بالزواج مدنيًّا على الأراضي اللبنانية.
يرأس الباحث القانوني الحسيني المركز المدني للمبادرة الوطنية الذي يُعنى بإنشاء دولة مدنية غير طائفية في لبنان، كما ويقوم بتعزيز دور المجتمع المدني في الحياة السياسة. قام الحسيني بشرح الخطوات التي يجب اتّخاذها لكي يتمكّنا من الزواج مدنيًّا.
استطاع خلود ونضال أن يعقدا زواجًا مدنيًّا على الأراضي اللبنانية في 10 تشرين الثاني 2012 من خلال القيام بالإجراءات التالية:
1.     قاما بشطب انتماءهم الديني من إخراج القيد.
2.     حصلا على وثيقة موقّعة من المختار تؤكّد على أنه لا يوجد أي مانع لعقد الزواج.
3.     صرّحا علنيًّا عن زواجهما من خلال تعليق إعلان على باب والديهما وعلى عتبة منزلهما الزوجي المستقبلي.
4.     قاما بتوقيع عقد زواج شرعي موقّعًا من قِبل كاتب العدل. 
إنّ طلال الحسيني هو المحامي الذي صمّم عقد زواجهما المدني، وهو العقد الأوّل من نوعه في لبنان، وجوزف بشارة هو كاتب العدل الذي وقّع العقد. ويلفت الحسيني إلى أن: “شطب الطائفة لا يمس المسائل الروحية أو الإيمانية، إذ يمكن لإنسان مؤمن أن يشطب طائفته لكي يخضع للمرجع القضائي المدني”. ويضيف أنّ: “شطب الطائفة يعني الامتناع عن التصريح عن الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، وعن الانتساب الإداري أو عدم الانتساب، إلى جماعة دينية”.

ردود فعل مختلفة من قِبل المسؤولين ورجال الدين

كما ذكرنا سابقًا، أثار موضوع زواج خلود ونضال المدني موجةً من ردود الأفعال، فانقسمت الآراء حوله بين موالين ومعارضين من المواطنين والمسؤولين على حد سواء. 
فرئيس الجمهورية اللبناني العماد ميشال سليمان بارك هذا الحدث وعبّر عن تأييده له مؤكّدًا على أهمّية إعطاء كل مواطن لبناني الحق في الزواج المدني الاختياري، قائلاً: “يجب أن نعمل على تقنين عقد الزواج المدني. فهي خطوة من خطوات إلغاء الطائفية وتعزيز العيش المشترك”. 
أمّا مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني أصدر فتوى بـ “أن كل مَن يوافق من المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية على تشريع وتقنين الزواج المدني ولو اختياريًّا هو مرتد وخارج عن دين الاسلام. لقد شبّه عقد الزواج المدني بجرثومة: “بمحاولة زرع جرثومة الزواج المدني والمتربصين بمؤسساتنا الدينية بالتعديلات التي يراد طرحها بالمجلس الشرعي، ليكونوا على يقين أنّ العلماء لن يتوانوا أبدًا عن القيام بواجبهم وسيهزمون كل محاولة من ذلك”. كما أنه حذّر المسلم: “ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين”. أثارت الفتوى غضب الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي الذين ندّدوا بها.
رئيس وزراء لبنان السابق في لبنان سعد الحريري انتقد المفتي قباني قائلاً: “كان لمفتي الجمهورية موقف أن أي أحد يتكلم على هذا الموضوع هو مرتد، تكفير الناس ممنوع، هذا الأسلوب وهذه الطريقة بالكلام على الزواج المدني غير مقبولة… وأنا شخصيًّا أتمنى أن يكون هناك زواجًا مدنيًّا في لبنان، ولكن يجب أن يكون هناك حوار حقيقي بين اللبنانيين… بالنسبة لي لن أقبل بأن يتزوج أولادي زواجًا مدنيًّا…”.
وقد أعرب المجلس الشيعي الأعلى عن رفضه للزواج المدني داعيًا إلى حوار بين الأديان حول هذه المسألة. 
اعتبر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي أن الجدال حول هذه المسألة هو دون جدوى ومضيعة للوقت في ظل الأوضاع الراهنة في لبنان. 
ولفت مجلس المطارنة إلى “أن الزواج مؤسسة إلهية، معتبرًا أنه لا يجوز أن يحل الزواج المدني محل هذا السر. ودعا المجلس المؤمنين المرتبطين مدنيًّا أن يصحّحوا وضعهم ويعقدوا زواجًا كنسيًّا كي يتمكّنوا من المشاركة في أسرار الكنيسة الأخرى”.
وأخيرًا حصل الارتباط
 رغم كل العوائق التي واجهها الثنائي ورغم كل الجدال الذي أثاره هذا الزواج المدني، ففي 11 شباط، 2013، أكّدت الهيئة العليا للاستشارات في وزارة العدل على أنه لا مانع قانوني لتسجيل عقد زواج خلود ونضال، وقرّرت ما يلي:
1.     كل مواطن لبناني قد شطب الإشارة التي تحدّد طائفته عن إخراج القيد يمكنه أن يعقد زواجًا مدنيًّا في لبنان.
2.     إنّ كاتب العدل هو السلطة المخوّلة لعقد القران والموافقة عليه.
3.     إنّ الثنائي له الحرّية في أن يختار القانون المدني الذي يريده لتنظيم مفاعيل زواجه. 
إنّ طلب تسجيل عقد زواج خلود ونضال تمّت إحالته إلى اللجنة الاستشارية في وزارة الداخلية، ولم يجد وزير الداخلية العماد مروان شربل أي مانع لتسجيل هذا الزواج. وقد استغرق تسجيل الزواج خمسة أشهر (25 نيسان، 2013). وأخيرًا وقّع وزير الداخلية مروان شربل على تسجيل عقد الزواج في سجلات المديرية العامة للأحوال الشخصية مشترطًا عدم تغيير نضال وخلود طائفتيهما، للتخفيف من حدّة ردّة فعل المعارضين للزواج المدني في لبنان.
لقد نجح ثنائي، وفي سابقة لم يشهدها لبنان، في عقد زواج مدني في لبنان. ولم يقتصر الموضوع على ذلك، فقد أثمر هذا الارتباط أول طفل مدني مولود في لبنان. ففي 30 أيلول، 2013 أنجبت خلود ولدًا وسمّته غدي. وغدي لا يشكّل الغد المشرق لوالديه فقط بل لجميعنا إذ هو يمثل الأمل للأجيال القادمة.