التاريخ 8 مارس – إنه يوم المرأة العالمي- وهناك حفل في مكتبة الماسة السوداء الملكية (رويال بلاك دايموند) في كوبنهاجن. ويعتلي المسرح ثنائي الراب المغربي العربي سلطانة وأنس بسبوسي المعروفان باسم I.N.S وكلاهما يرتدي الجينز والحذاء الرياضي الأسود، وقميص فضفاض ومن فوقه جاكيت أزرق. إنهما رجل وامرأة، مختلفان لكنهما من معدن واحد. 
إنهما ثنائي الهيب هوب المغربي الجديد بالرغم من أنهما من أنواع الموسيقيين الذين لن تجدهما على الأرجح على شاشة التلفاز المغربي، فإلى جانب كونهما فنانين فهما يمثلان ثورة في الموسيقى السلمية المدفونة بشخصيهما. وهنا يقول لنا أنس بسبوسي عندما زار هو وسلطانة مركز كفينفو قبل يوم من أدائهما المسرحي في الماسة السوداء: 
“إنها أول سابقة في تاريخ الهيب هوب المغربي أن يعمل رجل وامرأة معًا، إنها طريقتنا في أن نري العالم أننا متساويان وأن الرجال والنساء ذوو قيمة متشابهة. وعندما نكون على المسرح فإننا نتساوى في الوضع كمؤديين ولا يعلو أحدنا على الآخر”. 

الأنثى الوحيدة التي تؤدي الراب

قد يكون من الإنصاف أن نقول أن مشهد الهيب هوب – حتى في الدنمارك- لا يعج كثيرًابالمؤديات الإناث، وفي المغرب هناك واحدة فقط تتربع على عرشه – إنها سلطانة. ولكي تحقق ما وصلت إليه اليوم، لم تضطر إلى النجاح في اقتحام بيئة الهيب هوب التي يهيمن عليها الرجال فحسب، بل أنها اضطرت إلى الخروج من الدور التقليدي للمرأة في المجتمع المغربي المسلم المحافظ، حيث يتوقع من المرأة وخاصة المرأة الشابة أن تتسلّم دورها المنوط في إدارة المنزل.
وتقول سلطانة: “من بين الأشياء التي أريد إيصالها من خلال موسيقاي أن أخبر النساء أنهن يتمتعن بالحرية وأنهن يستطعن القيام بما يردن فعله في حياتهن، وأنه لا أحد يملك الحق في إملاء ما يجب عليهن فعله أو ارتداؤه”. 
ويعتبر التعاون الذي نشأ ما بين سلطانة البالغة من العمر 29 عامًا(واسمها الحقيقي يسرى عوكاف) وبين أنس بسبوسي تعاونًا جديدًا من نوعه. وقد جاءت أولى النجاحات الكبيرة لسلطانة في عام 2005 عندما كانت عضوة في فرقة الراب النسائية الأولى – والوحيدة إلى هذا التاريخ – والتي يطلق عليها تيجريس فلو. وبالرغم من أن هذه المجموعة المكونة من خمس فتيات قد حصدت نجاحها مباشرة إلا أن العديد من الناس عارضوها. 
وقد حازت فرقة تيجريس فلو أولى جوائزها في عام 2008 عندما حصدت جائزة “موازين” – المهرجان الموسيقي الدولي المقام في الرباط بالمغرب. وعادةً ما يقدم مثل هذا المهرجان الدعم الإنتاجي للفرق المشاركة لإصدار أول ألبوم لهم وعمل فيديو موسيقي ترويجي، ولكن لم يتوافر هذا الدعم لفرقة تيجريس فلو بالرغم من فوزهن بالجائزة الأولى، فوفقًالما قاله منظم المهرجان: “لم يكن هناك سوى بعض الفتيات واللواتي سينسين على الأرجح الموسيقى بعد فترة وجيزة”.
وفي نهاية المطاف أدت المعارضة والعدائية المتواصلة تجاه فرقة تيجريس فلو إلى انفصال المجموعة، حيث قررت الفتيات الأربعة الأخريات أنه من الصعب بمكان مواصلة ما بدأن به إلا أن سلطانة قد عقدت العزم على مواصلة فنها فانتهجت الأداء المنفرد. 

“صوت النسا” المغربيات

كان آخر أداء قدمه الثنائي سلطانة وأنيس على مسرح الماسة السوداء بتاريخ 8 مارس وكان بعنوان “صوت النسا” وهي الأغنية التي عززت من تفرد سلطانة في الأداء، وقد تناولت أغنيتها النساء في الشارع والفتيات اللائي لا يملكن أي بديل آخر بحيث يجبرن على ممارسة الدعارة ليبقين على قيد الحياة. كما تتناول الأغنية المعايير المزدوجة التي تشعر سلطانة بأنها تتخلخل في بنية المجتمع المغربي بأسره: فمن جهة الرجال هم الزبائن الذين يدفعون لأولئك الفتيات للحصول على الجنس ومن جهة أخرى الرجال نفسهم هم من يدينون تلك الفتيات ويصعبون عليهن الحصول على أي خيار آخر.  
وحتى إذا لم يتمكن المرء من فهم العربية إلا أنه لن يصعب عليه سماع الغضب والسخط في صوت سلطانة، إذ تقول هنا: 
“الهيب هوب هو صوت الشعب، فموسيقانا ليست عن الحب أو الخيانة… بل إن ما نتكلم عنه هو حياتنا التي نعيشها – حياتك وحياتي وحياة غيرنا من الناس؛ فكلنا نعيش في ظل الظروف السيئة نفسها والفقر متفشٍ في كل مكان. ونريد بحق من خلال أغنياتنا أن نغير طريقة تفكير الناس لأنه من خلال تغيير مواقفهم الفكرية يمكننا تغيير المجتمع”. 
ويضيف أنس بسبوسي إلى كلام سلطانة قائلاً: “يمكنك قول الكثير من خلال الهيب هوب. وقد تستمر الأغنية لثلاثة دقائق أو نحوها ولكنها تستطيع أن توصل رسالة قوية. وهذا سبب آخر لحاجتنا للمزيد من النساء اللواتي يؤدين هذا النوع من الغناء. وتستمتع النساء الأخريات عندما يرين امرأة على المسرح ويستوعبن الرسالة، ومن المرجح أنهن لم يستمعن لامرأة تغني عن قضاياهن في السابق، الأمر الذي يشجعهن على الوثوق بأنفسهن والإيمان بحقوقهن. والنساء في المغرب يتمتعن بالحق في الخروج في مظاهرات للحصول على حقوق أفضل، ومع هذا فإنهن لا يخرجن، كما أن لهن الحق بالمطالبة بحقوقهن ولكنهن لا يقمن بهذا أيضًا. ولكن لم لا؟ لأنه لا يوجد هناك من يخبرهن أنهن يستطعن القيام بهذه الأمور فعليًا”. 
 

افتقار الهيب هوب إلى اعتراف الدولة

لا تعترف المغرب بفن الهيب هوب على أنه نوع موسيقي، بل أن وزارة الثقافة قد قررت تصنيفه كنوع من أنواع الرياضة. وهذا التعريف أزعج كلا من سلطانة وأنس بسبوسي اللذين يوقنان بأن السبب الخفي وراء مثل هذا التصنيف هو قدرة الهيب هوب على توصيل رسالة سياسية قوية ولما له من شعبية متجذرة في المجتمع. كما أن الهيب هوب هو لغة الشارع وهي الموسيقى التي يستمع إليها الناس في أحياء الأقليات، في حين تتناول الموسيقى الشعبية العربية التقليدية وموسيقى البوب مثل الراي والشعبي مواضيع الحب وهي تفتقر إلى أي مظهر من مظاهر الرسائل السياسية، بينما ترتبط الكثير من نواحي بيئة الهيب هوب بالمجموعات المهمشة في المجتمع والتي تعتريها مشاعر عدم الرضا وكثرة النقد الاجتماعي. 
وتعقب سلطانة: “قبل فترة طويلة من إضرام ذلك الرجل التونسي النار في نفسه [محمد بوعزيزي في عام 2011] انتشرت مشاعر عدم الرضا وكثرة النقد في الأوساط المتدنية من المجتمع، فتناول كافة الفنانين الذين انحدروا من هذه الأوساط المشاكل التي نعيشها اليوم مثل: عدم المساواة الاجتماعية، وانعدام حرية التعبير، والبطالة، والفقر، والتشرد، الأمر الذي ترتب عليه خروج حركة ناشطة أصلاً على أرض الواقع، ثم حدث الربيع العربي، ومن هنا كان من بين هؤلاء الفنانين من نزلوا إلى ميدان التحرير في القاهرة وغنوا جنبًاإلى جنب مع الشعب. هذه هي قوة الهيب هوب؛ إذ يمكن أن يترجم الهيب هوب/الراب صوت الشعب إلى كلمات وألحان”. 

استقطاب المزيد من الفتيات إلى فن الهيب هوب

يأمل كلاً من سلطانة وأنس بسبوسي أن يتغير المجتمع المغربي ومع هذا فقد توقفا عن التأمل أن يأتي مثل هذا التغيير عقب قيام ثورة، فاستنادًالرؤيتهما يتحقق التغيير من خلال التوجه السلمي حيث يقدم فيه الشعب مطالبه إلى حكومته وعلى هذه الحكومة أن تضطلع بمسؤولياتها بكل جدية. ومع هذا لم تنتقد سلطانة أو حتى أنس بسبوسي الملك – حتى أن موسيقى الهيب هوب المدفونة لا تستطيع أن تعلي صوتها بانتقاد العاهل المغربي. 
ويعمل كلاً من الفنانين – إلى جانب مشوارهما الموسيقي- في مشاريعهما الخاصة بهما والهادفة إلى إحداث تغيير إيجابي في كل من المجتمع وفن الهيب هوب. 
وهما في طور تشكيل مؤسسة تعمل على إيجاد إطار عمل مهني متمكن لوسط الهيب هوب. وهما يهدفان من عملهما هذا إلى النهوض ببناء استديوهات تسجيل أفضل، وتطوير قنوات التوزيع الموسيقي، وتأسيس مركز شبابي يستطيع الناس التوجه إليه بعد المدرسة للعمل على موسيقاهم في إطار مهني وجاد. 
ولا ينحصر الهدف الرئيسي في مجرد تحقيق الاعتراف والتقدير لفن الهيب هوب باعتباره نوعًا من الموسيقى؛ بل أيضًافي إيجاد المزيد من الفرص التي تستقطب المزيد من الفتيات إلى هذا الوسط الفني حيث يوضح أنس بسبوسي قائلاً: “من بين الأسباب الكامنة وراء قلة الفتيات اللواتي يؤدين الراب في المغرب هو عدم قبول العمل الفني أو الموسيقي كمهنة محترمة لهن. وتقف العائلات والمجتمع ككل في وجه مثل هذه الخيارات؛ إذ يتوقع من الفتيات أن يكبرن ويتزوجن وينجبن ويعتنين بعائلاتهن. ولهذا السبب بالذات تحتاج النساء إلى الدعم، لأن الشباب غالبًاما يعتنون بأنفسهم- ولا يحظر عليهم اختيار مهنة ضمن الوسط الفني، وشأنهم هنا شأن كل الدول العربية حيث تتاح المزيد من الفرص أمام الرجال أكثر من تلك المتاحة أمام النساء، ولكنني لا أوافق على مواصلة حدوث الأمور بهذه الطريقة”. 
وأردف أنس قائلاً: “ومن الأسباب الأخرى أيضًاوجود كم كبير من المشاكل ذات الصلة بالناحية الإنتاجية من الصناعة الموسيقية. فإن أردت إبداع وإنتاج موسيقى هيب هوب فلا يوجد أمامك شبكة مؤهلة أو إطار عمل مهني للعمل معها. وما أن نوجد مثل هذا الإطار حتى تصبح المهمة أكثر سهولة أمام الفتيات في أن يعبرن عن أنفسهن من خلال الموسيقىحيث لن يتوجب عليهن بعد الآن أن يقفن في الشوارع ليؤدين الراب”. 
وهنا تومئ سلطانة برأسها موافقة على ما قيل، فحتى هي اضطرت إلى أن تتحمل الكثير من التعليقات السلبية في خوضها لرحلة إنجاح نفسها كموسيقية لتصل إلى ما هي عليه اليوم إذ تختتم حديثها معنا قائلة: “لقد كافحت من أجل تحقيق مكان لي كمغنية راب في المغرب – لكي أتمكن من الوقوف والقول: نعم، أنا مغنية راب، أنا موجودة، أنا فنانة! وحينما يأتي اليوم الذي أتوقف فيه عن الغناء أتمنى أن أكون قد فتحت الباب للمزيد من الفتيات اللواتي يتمتعن بامتلاك الشجاعة للحديث عن الأشياء نفسها التي أتناولها، أريد أن أوفر لهن الحق باختيار هذا المشوار الفني والمضي فيه قدمًا”.