صندوق الحقائق

سارة الناصر

وُلدت في الأردن في العام 1992. لها ثلاثة أشقاء أصغر منها سنًا. تعيش في الدنمارك منذ العام 2000 مع أسرتها. تدرس الاتصالات التجارية الدولية في جامعة جنوب الدنمارك. تمثل شخصية «لطيفة» في البرنامج الفكاهي (Det Slører Stadig) على محطة DR2 التليفزيونية منذ العام 2012، الذي يتحدث عن التحيز والدمج.
 

إيلي جوكر

 
وُلدت في العام 1980 وانتقلت مع أسرتها من إيران إلى الدنمارك في 1984. لديها شقيق واحد أكبر منها. تدير شركة تسجيل وإنتاج وتعمل كمطورة ومخططة برامج. وتعمل أيضًا مع الفتيان المستضعفين والمهمشين في نوربرو. حصلت على البكالوريوس في التغذية من Suhrs Seminarium  وبدأت مؤخرًا تدريبًا لتصبح معلمة مدرسة ابتدائية. 
 

«يا إلهي، أنا متوترة للغاية – ينتابني دائمًا هذا الشعور قبل الصعود إلى خشبة المسرح.»
تجلس سارة الناصر في غرفة خلفية في قاعة الحفلات الموسيقية التابعة لمتحف كوبنهاجن الوطني في انتظار الصعود إلى خشبة المسرح، مرتدية ملابس تشبه شخصية «لطيفة» في العرض الساخر الذي يبثه التليفزيون الدنماركي تحت عنوان Det Slører Stadig  (وهي عبارة تتلاعب بالكلمات وقد تعني «إنها لا تزال محجبة» وقد تعني أيضًا «إنها لا تزال ضبابية»). يتكون زيها البسيط من سترة مميزة بقلنسوة، وقد ربطت شعرها بسرعة إلى الخلف على شكل ذيل حصان، مع حلقين ضخمين يحاولان الظهور عبثًا على أنهما مصنوعان من معدن ثمين. المهم في هذا الزي هو حقيقة أنه لا يُعتبر غريبًا عن المكان إذا مر أحد بشخص يرتديه في الشارع. ففي الدنمارك يرتدي العديد من الشابات ملابس على هذه الهيئة.
الأفراد المشاهدون في القاعة هم من المشاركين والضيوف في مؤتمر بعنوان «عالق بين قانون الأسرة – وقانون النوع الاجتماعي والدين، تجارب من الدنمارك والمغرب». وقد نظم هذا المؤتمر جامعة كوبنهاجن، و «تحالف تعزيز حكم القانون والحلول البديلة للنزاعات» (ARPA)، ومركز كفينفو. وقد تم حجز سارة الناصر ومعها إيلي جوكر (وهي عضو آخر من أربعة أشخاص يشاركون في مسرحية Det Slører Stadig تدخل الآن القاعة متنكرة في زي مراسلة دبي زارا الشيخ) لتقديم عروض ترفيهية خلال المؤتمر. وبفضل أكثر من 15 حلقة من مسلسلهم التليفزيوني، مُنحت الممثلتان الساخرتان رخصة إبداعية لتقديم تمثيليات فكاهية تدور حول موضوع أدوار النوع الاجتماعي والمساواة في الدنمارك والمغرب، أو في الثقافة العربية بشكل عام.  
أكد تعالي الضحكات خلال أداء الفتاتين أن المشاهدين من عرب ودنماركيين على حد سواء قد استمتعوا بالعرض. بعد ذلك، انسحبنا إلى غرفة الاجتماعات خلف المسرح. على الرغم من ازدحام جدول مواعيد الفتاتان، فقد كانتا حريصتين على التحدث مع مركز كفينفو عن أدوار النوع الاجتماعي، وتلاقي الثقافات، وكيف يمكن استخدام النكات للقضاء على الصور النمطية.
تتفق الممثلتان الفكاهيتان على أن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن التندر بها، فليس هناك أي موضوع لا يمكن تناوله بالمزاح. حتى بالنسبة لموضوع غير مشوق مثل «قانون الأسرة».
تقول سارة الناصر، «المسألة هي القيام بذلك بحب وفكاهة تقلل من قيمة الذات. وإذا قمت بها على هذا النحو، يمكن للفكاهة أن توصل الرسائل بشكل فعال للغاية؛ المواضيع الجادة تصبح أكثر وضوحًا إذا صيغت على شكل مشهد مسرحي أو تقليد ساخر».
تهز إيلي جوكر رأسها موافقة، مشيرة إلى أن الفكاهة – وبطريقة غير مباشرة أو لا واعية – قادرة على تغيير تفكير الناس وتغير طريقة تصرفهم في نهاية الأمر. عن طريق الفكاهة، يتفاجأ الناس حين يجدوا أنفسهم وجهًا لوجه مع الشيء المناقض لتحيزهم. 
 وتضيف، «إنها لسوء الحظ القضية التي يربط فيها الناس وبشكل أوتوماتيكي بين الفتيات المهاجرات والإكراه على الزواج والقتل بدعوى الشرف. لكن حين ينظر الناس إلى النساء من خلفيات مهاجرة – مثلنا – فإننا نقف ونسخر من التحامل والصور النمطية المحيطة بالمهاجرين، فيحصلون على صورة مختلفة ليس عما نستطيع فعله وحسب بل ما نجرؤ على فعله أيضًا».

النضال من أجل حرية الاختيار

قدمت إيلي جوكر في عرض هذا اليوم شخصية زارا الشيخ وتعاملت مع تشكيلة واسعة من القضايا، ليس أقلها مقارنة أوضاع المرأة الدنماركية بالمرأة المغربية في مجال الحصول على وظيفة مقابل إعالتها من قبل رجل. وهي ليست متأكدة ما إذا كان دفع المزيد من النساء في الشرق الأوسط أو إيران (بلدها الأصل) إلى سوق العمل أمر جيد أم لا. وحين تقول سارة الناصر (وهي من أصول أردنية) بعد وهلة من التفكير في موضوع المساواة والحقوق المتساوية، أنها تشعر بأنها ملزمة بالكفاح من أجل حقوق الآخرين (أي النساء) لأنها لم تصل إلى ما وصلت إليه اليوم إلا بفضل كفاح الآخرين، تقاطعها إيلي جوكر معترضة.
«لكن ما أدراك أن هؤلاء النساء يرغبن فيما تكافحين من أجله؟ أعتقد أن هناك من لا يردنه. العديد من النساء الإيرانيات متعلمات وفي وسعهن الحصول على وظيفة بسهولة إن أردن، لكنهن اخترن العيش كربات منازل لأن هذا هو ما يردنه حقًا. صحيح أنهن قد يرتدين الحجاب؛ لكن من جهة أخرى، هن يعشن حياة مريحة للغاية ولديهن وقت للذهاب إلى مصفف الشعر وتشذيب وطلاء أظافرهن خمس مرات في الأسبوع – ولا يتوقع أحد منهن أن يساهمن براتب شهري. هذا هو الحال بالنسبة للكثيرات من عماتي وخالاتي وقريباتي في إيران. فهل هؤلاء هن من نشعر بالشفقة عليهن؟! كلا، أنا من يجب أن تشعري بالشفقة علي لأنني ملزمة بالخروج إلى العمل، «قالت مبتسمة، وفي صوتها نبرة تكشف أنها رغم ذلك قد لا ترضى باستبدال مكانها بمكانهن. 
ثم أضافت، «لكن إذا كان هذا ما يردنه فالأمر عائد إليهن.»
هنا تلتقي الاثنتان في نوع من الاتفاق حيث توافق سارة على أنه ليس من حق أحد – سواء الحركات النسائية المتطرفة أو المتدينين المتعصبين – أن يفرض على النساء ما يتعين عليهن فعله أو الامتناع عن فعله. وتبعًا لذلك، فإن الشيء الذي تكافح هي نفسها من أجله بسيط – وصعب في الوقت نفسه – ولا يزيد عن الحرية غير المحدودة في أن يختار المرء لنفسه.   
 تقول سارة الناصر، «بعض الناس يكافحون من خلال موسيقاهم، وآخرون من خلال المشاهد المسرحية والكوميدية، ويقوم آخرون بذلك بالكتابة بأقلامهم. قد أقول أنني أقوم بذلك من خلال باقة واسعة من وسائل الإعلام مستخدمة تشكيلة من المنصات المختلفة لنشر رسالتي.» 

ما مدى تحررك؟

بالنسبة لسارة الناصر، هناك سؤال لم تستطع قط التخلص منه – سواء في الأردن أو في الدنمارك. وهو سؤال تجد صعوبة بالغة في الإجابة عليه، كما أنه السؤال الأعمق أثرًا حين يصل الأمر إلى الاختلافات الجوهرية في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الفتيان المهاجرين والفتيات المهاجرات.
السؤال هو «ما مدى تحررك؟» هذا السؤال الذي يبدو مباشرًا، هو بطرق عدة، ذريعة لمجموعة كبيرة من الأسئلة الفرعية مثل «هل يُسمح لك بشرب الكحوليات؟»، «ما مدى الإثارة في الملابس التي ترتدينها؟»، «هل يُسمح لك باتخاذ صديقة أو صديق حميم؟»، و «هل تأكل لحم الخنزير؟».
تقول سارة الناصر وهي فتاة أردنية في الثانية والعشرين من العمر تعيش في الدنمارك منذ العام 2000، «بالنسبة لي، الإجابة على هذا السؤال تتغير من يوم لآخر. وهذا ما يجعله سؤالاً من الصعب للغاية الإجابة عليه. أستطيع أن أقول أنني لم أشعر قط بأنني دنماركية أكثر مما أنا عربية. وأعني بذلك أنني مسلمة بشكل أساسي – لا أكل لحم الخنزير، ولا أشرب الكحوليات، وفي اليوم الذي سأتزوج فيه أريد أن يكون الحفل إسلاميًا. لكن من جهة أخرى، لدي بعض الصفات الدنماركية – مثال ذلك، لدي توجه نقدي وأتخذ موقفًا إيجابيًا تجاه الأمور، وأشعر أيضًا بحاجة عظيمة للمشاركة والمساهمة في المجتمع الدنماركي الذي أنا جزء منه. حين أكون في الأردن يتوقع الناس مني أن أكون متحررة «ومتغربة» للغاية، وحين أكون في الدنمارك يتوقع الناس مني عكس ذلك ويفترضون أن هناك جبالاً من الأشياء التي لا أستطيع أن أفعلها ويمكن ألا أفعلها.»

إلى أي مدى أنت «بيركر»؟

كل من سارة الناصر وإيلي جوكر أشارتا إلى أنه يتوقع من الفتيان والرجال من ذوي الخلفيات المهاجرة الإجابة على سؤال «ما مدى تحررك؟» بقدر يقل كثيرًا عن الفتيات. حيث يعتبر أن من المسلم به أنهم يتمتعون بحريات وحقوق أكبر من شقيقاتهم، وتبعًا لذلك لا يُوجه إليهم هذا السؤال إلا نادرًا.
«الواقع أن السؤال الذي يُوجه لهم هو، «إلى أي مدى أنت «بيركر» (perker) [ وهو نعت تحقيري دنماركي يطلق على المهاجر]؟» – والتفسير المفهوم له هو كم عدد الفتيات اللواتي مارست الجنس معهن.»
تقول إيلي جوكر، التي تعمل أيضًا مع الفتيان المهمشين والضعفاء في منطقة نوبيرو كوبنهاجن، «هذا أيضًا يحد من الحرية للغاية، ويولد لدى الكثير من الفتية ذوي الأصول المهاجرة شعورًا بأنهم مستبعدين ومهملين. ويصبحوا مشوشين على مستويات عدة بشأن هويتهم، ومن هنا تنشأ المشكلة.».  
إلا أنها بعد قول ذلك، أشارت إلى حدوث بعض التطورات حيث أصبح لكلمة «بيركر» معنى يشير إلى الحداثة والعصرية – حتى بين الدنماركيين الأصليين.
وتضيف شارحة الأمر، «في حين كانت كلمة «بيركر» تستعمل كنعت تحقيري، أصبحت الآن وصفًا لثقافة فرعية ذات طابع، ولغة، وذوق محدد في الموسيقى والهوية بحيث أن الفتيان من أصول مهاجرة والدنماركيين الأصليين باتوا يشعرون أنها موجهه إليهم.»

ثمة ثورة صامتة تدور

حين وصل الأمر إلى الحديث عن الزواج المختلط، تعتقد إيلي جوكر أنه يمكن ملاحظة تزايد عدد الزيجات بين الرجال من الأصول الدنماركية والنساء من أصول مهاجرة.
وبينت قائلة، «نعم، أنا أرى المزيد من أمثلة عائشة وراسموس يسيران في الشارع معًا. ورغم أن الكثيرين قد يعتقدون بأن هذا يعني أن هؤلاء النسوة قد ناضلن فعلاً من أجل حقوقهن بحيث يتمكن من الزواج من رجل دنماركي، إلا أنني اعتقد شخصيًا بأنها علامة على أن الثقافتين تنصهران بهدوء معًا. فربما كانت «عائشة» في روضة الأطفال مع راسموس ونشأت معه، وبطريقة ما تبلورت ثقافة مشتركة بينهما. يمكنك أن ترى مثالاً آخر إذا خرجت من المنزل في نهاية الأسبوع – حين انتقلت إلى الدنمارك في بداية ثمانينيات القرن الماضي كنا لا نكاد نرى فتاة مهاجرة في ملهى رقص، أما اليوم فنرى فتيات مهاجرات هناك. أعتقد بأن نوعًا من الثورة قد حدث – ثورة صامتة. ليست ثورة في الشوارع مصحوبة باعتراضات ضخمة ومظاهرات ومعارك مفتوحة.»  
لا شك أن إيلي جوكر وسارة الناصر تفضلان التحرر من كل تلك التوقعات الراسخة – التعرض لإطلاق الأحكام والاضطرار المتواصل لتفسير الموقف فيما يتعلق بقواعد السلوك والصور النمطية هو أمر مرهق للغاية بالنسبة لأي شخص. بالنسبة للمرأتين، الطريق الذي اختطتاه لنفسيهما كي تكونا قادرتين على القيام بما يحلو لهما كان مختلفًا قليلاً، رغم أن العملية بالنسبة لهما كانت واضحة إلى حد ما.
تجيب سارة ناصر، التي تدرس الاتصالات التجارية الدولية في جامعة جنوب الدنمارك إلى جانب عملها في قطاع الترفيه «أنت الآن تسألين سؤالاً آخر صعبًا: «كيف تمت تنشئتك؟» هذا السؤال يفتح الباب على مجموعة كاملة من القضايا، وكلما فكرت به أكثر زادت ضخامته وصعوبة الإجابة عليه. هل تسأليني هل أتناول طعامي مستخدمة الشوكة والسكين، أم ماذا؟ على أية حال، لوالدي ووالدتي توجهًا ليبراليًا إلى حد ما تجاه أدوار النوع الاجتماعي. والدتي حصلت على تعليم واستخدمته، لكن ذلك لم يكن من دون كفاح من أجل الحصول عليه. لذلك كان من الطبيعي أن تعتقد بأنه يجب السماح لي أن أفعل ما أريد، لكن من دون أن أضطر للنضال بقوة من أجله. من جهة أخرى، تصر هي ووالدي بأنه يجب علي أن أكافح لتحقيق ما أريد وأن أحصل على تعليم مناسب.» 

ثقب اللسان للعارضات الإباحيات فقط

نشأت إيلي جوكر مع والدتها المتحررة جدًا التي جاءت إلى الدنمارك وهي في الخامسة والعشرين من العمر واندمجت بسرعة في سوق العمل الدنماركي. وهي تعتقد أن المعارك التي خاضتها للقتال باسم التحرر لم يكن لها علاقة كبيرة بنوعها الاجتماعي، بل له علاقة بشخصها هي.
تحدثنا قائلة، «كان الأمر أكثر من السماح لي بعمل ثقب أو وشم – كانت والدتي تناهض بشدة ثقب اللسان، وتعتبره شيئاً لا تفعله إلا العارضات الإباحيات. ليس هناك أي شك حيال حقيقة أنني فتاة. وليس معنى هذا أنه كان يُسمح لأخي القيام بأشياء لا يُسمح لي بها. فقد حصلت على أول وشم لي في عمر 18 سنة – وحصل عليه أخي في الرابعة والثلاثين.» 
في منتصف المقابلة، قاطعنا عمر، الذي فوجئ بأداء الفتاتين – الذي فاق توقعاته – الذي حضره وسط المشاهدين في وقت سابق من ذلك اليوم. كان يريد تبادل تفاصيل اتصال مع الاثنتين وشكرهن على العرض. وقد قُوبل هو وطلبه بكل ود.
 اندفعت المرأتان المشغولتان مسرعتين إلى موعدهما التالي. وقد تم حجزهما بالفعل للظهور في مناسبة Folkemødet 2016 – وهو حدث سياسي شعبي يُقام سنويًا في جزيرة بورنهولم – وقد تمكن مشاهدو التليفزيون الدنماركي من متابعة ظهور الفتاتين في عدد من المقاطع المسجلة الجديدة التي تُذاع قبل إعادة برنامج دمى عيد الميلاد الساخر للعام 2007 بعنوان Yallahrup Færgeby. هنا تناقش الفتاتان قضايا معاصرة يغطيها المسلسل. وهو عمل جدي، إلا أنه غير ممل. فكاهي، لكنهن لا يحولن أنفسهن فيه إلى أضحوكتين. كما هن في واقع الحياة حين يتصرفن على طبيعتهن – هادئات ومن دون قناع.