الحقائق

 قامت سعاد سالم السبع بزيارة كوبنهاجن في كانون الثاني/فبراير بموجب برنامج المركز الدنمركي لبحوث المرأة والنوع الاجتماعي (KVINFO) لتطوير وزيادة مهنية المكتبة اليمنية والعاملين فيهابالتعاون مع "مركز دراسات بحوث تطوير النوع الاجتماعي في جامعة صنعاء"- المكتبة ومركز الوثائق الذي تشغل فيه منصب نائب الرئيس. 

اقرأ عمود سعاد سالم السبع عن زيارتها إلى كوبنهاجن

المزيد من المعلومات عن سعاد سالم السبع في الجامعة قم بزيارة موقع: http://www.nabanews.net

 

في قرية صغيرة شرقي اليمن، استعدت فتاة صغيرة لأول يوم لها في المدرسة. صحبها والدها في الطريق إلى المدرسة المحلية. كان يعرف ما ينتظرها. لا أعلام، أو زهور، أو أغانٍ. ولا الصفوف لفتيات صغيرات ينتظرن بتوق شديد دخول الصف مع ابنته. ما ينتظرها كان معارضة ومقاومة. فالفتاة الصغيرة التي تسير إلى جانب والدها هي أول فتاة تذهب إلى مدرسة القرية. لم يكن هناك من يعتقد أن إرسالها إلى هناك فكرة طيبة. لا أحد، فيما عدا والدها. 
عند الوصول إلى المدرسة تعين عليه أن يشق طريقه بجهد إلى الداخل. دفع بنفسه وبالفتاة الصغير إلى داخل غرفة الصف، سحب كرسيا وأجلس ابنته، سعاد، عليه.
“كنت الفتاة الوحيدة وسط كل هؤلاء الأولاد والرجال- وكنت أفضل من معظمهم. وهذا بالطبع أغضبهم لأنه يفترض، وفق الثقافة اليمنية أن تكون المرأة أقل قدراً من الرجل.”
كان يتعين على سعاد تحمّل استبداد ومضايقات الأولاد اليومية. كانوا يضربونها، ويدفعونها، ويصرخون في وجهها- “يجب أن تعود إلى البيت وتبقى فيه!”.
وعندما لم يصبح في مقدور والدها السير معها إلى المدرسة، حملت مسدسا أخفته تحت ثوبها الطويل. وكانت تطلق رصاصة في الهواء عند اقتراب الأولاد كثيرا منها. وكانت تلك الطريقة الوحيدة الفعالة لإبعادهم عنها. 
وعندما أتضح أنها الأفضل في الصف، ازدادت المضايقات وأعمال البلطجة ضدها سوءا. 
“كنت الفتاة الوحيدة وسط كل هؤلاء الأولاد والرجال- وكنت أفضل من معظمهم. وهذا بالطبع أغضبهم لأنه يفترض، وفق الثقافة اليمنية أن تكون المرأة أقل قدراً من الرجل.”

محاضرة وعضو هيئة تحكيم في برنامج مسابقة الشعر النبطي التلفزيوني

تبلغ سعاد سالم السبع اليوم الخمسين من العمر. وهي محاضرة ومعلمة في معهد اللغة العربية علاوة على كونها نائب رئيس مركز دراسات بحوث تطوير النوع الاجتماعي (الجندر) في جامعة صنعاء. وهي كاتبة، ومحاورة، وصاحبة رأي. كما أنها عضو هيئة تحكيم في برنامج المسابقات “شاعر المليون” الذي يذاع أسبوعيا على التلفزيون اليمني. 
ليست مهنة سيئة لامرأة تعيش في بلد ينظر فيه إلى المرأة على أنها تساوي نصف قيمة الرجل. من ناحية القانون مثلا، لا تساوي شهادة المرأة سوى نصف شهادة مواطنها الرجل. أيضا إذا قتلت المرأة، فإن أسرتها لا تتلقى سوى نصف التعويض الذي يدفع عادة إذا كان المقتول رجلا.
المساواة ليست حقاً إنسانياً طبيعياً في بلد يعتبر زواج الأطفال واحداً من أكبر المشاكل الاجتماعية التي يواجهها، حيث يجري تزويج الفتيات الصغيرات وهن في الثامنة أو التاسعة من العمر.

الأب بوصفه الدور الإيجابي النموذجي

في مجلسها في كوبنهاجن، تبدو سعاد سالم السبع امرأة عصرية ترتدي معطفا طويلاً أرجواني اللون وشالاً مطرزاً جميلاً على الرأس (الغالبية العظمى من النساء في اليمن ما زلن يرتدين العباءة السوداء أو النقاب، والذي يغطيهن بقدر أكبر بكثير).
لقد قطعت شوطاً طويلاً من كونها البنت الصغيرة التي كان عليها شق طريقها بالقوة في المدرسة، ومع ذلك فإنها لم تنس ماضيها.
“بداية، اعتقدت النساء الأخريات في بلدتي أن ذهابي إلى المدرسة كان شيئاً غريباً. إلا أنهن حين شاهدن أن في وسعي القيام بذلك، وأنني نجحت في الواقع في دراستي هناك، بدأن هن أيضا في إرسال بناتهن إلى المدرسة.”
يبدو التأثير على سعاد واضحا حين تتحدث عن والدها ودوره المهم في جعلها ما هي عليه اليوم. تجربتها السابقة لا تزال كامنة تحت السطح.
“كان والدي سبب كل شيء. كان شخصاً منفتحاً للغاية. يعاملنا جميعا صبيانا وبناتا بالطريقة نفسها. كان محترماً في مجتمعنا المحلي. كما كان شخصا متديناً واسع الاطلاع وثورياً.  وكان هناك الكثيرون ممن يثقون به في ذلك الحين”.
وكان لحقيقة كون والدها ضريراً دور أيضا. فقد تعين على سعاد أن تتعلم القراءة والكتابة كي تقرأ له من كتب مكتبة الأسرة الكبيرة. وكانت في بعض المناسبات تكتب له.
اليوم يتظاهر اليمنيون في الشوارع ضد الرئيس علي عبدالله صالح، وهم يرددون أغاني والد سعاد سالم السبع الثورية  التي تتغنى بالوطن، وتتحدث عن الظلم وحق الشعب.
ليس ثمة شك في أن سعاد قد ورثت تصميم والدها وشجاعته، علاوة على حبه للغة العربية. كما ورثت عنه فضوله وحبه للاستطلاع.
في بداية المقابلة، كانت سعاد سالم السبع هي من طرح معظم الأسئلة.

مهدت الطريق أمام فتيات أخريات للذهاب إلى مدرستها

كانت الشجاعة شيئاً تحتاجه سعاد سالم السبع على الدوام. فقد حطمت الكثير من الحواجز على مدى حياتها كلها وتعين عليها أن تلعب دوراً حاسماً بالنسبة للنساء اليمنيات الأخريات بأن تمثل دوراً نموذجياً إيجابياً.
 “الكثيرات يأتين إليّ ببناتهن راجين أن أدرسهن. وهنّ يثقن بي لأنهن يرين أنني نجحت، ويردن لبناتهن أن يكنّ مثلي. حتى الرجال الذين كانوا في البداية ضد تعليمي يأتون إليّ ببناتهن”.
“بداية، اعتقدت النساء الأخريات في بلدتي أن ذهابي إلى المدرسة كان شيئاً غريباً. إلا أنهن حين شاهدن أن في وسعي القيام بذلك، وأنني نجحت في الواقع في دراستي هناك، بدأن هن أيضا في إرسال بناتهن إلى المدرسة. الكثيرات يأتين إليّ ببناتهن راجين أن أدرسهن. وهنّ يثقن بي لأنهن يرين أنني نجحت، ويردن لبناتهن أن يكنّ مثلي. حتى الرجال الذين كانوا في البداية ضد تعليمي يأتون إليّ ببناتهن”.
وعند سؤالها من أين واتتها القوة على معارضة قناعات المجتمع المرة تلو الأخرى والتمسك بقناعاتها الخاصة، لم تكن سعاد سالم السبع تتردد لوهلة واحدة في القول:
“وجدت هذه القوة في نفسي. واقتربت من الناس بالحب والحوار بدلا من المواجهة”.

تغيير تفكير الرجال

تغيرت أشياء كثيرة للأفضل بالنسبة للنساء في اليمن خلال فترة حياة سعاد سالم السبع وعملها. لكن ما زال هناك الكثير من الأمور التي ما زال من الصعب تغييرها. وهو أمر لا تتوقف عن ترديده وتكراره تعيده وتكرره المرة تلو الأخرى- التفكير. العقلية الثقافية.
“في اليمن، جميع المناطق تتطور. لكن المأزق هو أنه على الرغم من وجود تشريعات مناسبة تتعلق، مثلا، بحق النساء في السفر بحرية والمشاركة في العملية البرلمانية- وحتى خوض الانتخابات، إذا أرادت- فإن الحاجز الأكبر الذي لا يزال قائماً هو الثقافة. هذا هو التحدي الأكبر. أنها قضية تفكير.”
أن نغير التشريعات وإطار العمل القضائي؛ هو أمر مختلف تماماً عن تغيير الثقافة والتقاليد- الطريقة التي فكر فيها الناس وعملوا على الدوام.
 ” المأزق هو أنه على الرغم من وجود تشريعات مناسبة تتعلق، مثلا، بحق النساء في السفر بحرية والمشاركة في العملية البرلمانية- وحتى خوض الانتخابات، إذا أرادت- فإن الحاجز الأكبر الذي لا يزال قائماً هو الثقافة. هذا هو التحدي الأكبر. أنها قضية تفكير.”
عندما تتحدث سعاد عن طريقة التفكر، فإنها تتحدث عن مجموعة متجذرة وراسخة من الآراء. طريقة تفكير لا تتزحزح ولا تفسح مجالا للطرق الجديدة في التعريف عن الهوية.
وتبعا لذلك، فإن حجر الزاوية في التدريس الذي تقدمه سعاد سالم السبع في مركز دراسات بحوث تطوير النوع الاجتماعي يهدف إلى تزويد الطلاب بالأدوات الضرورية ليس لتغيير المجتمع سطحياً، بل إلى التفكير في النوع الاجتماعي (الجندر) أيضا بحيث يمكنهم الوصول إلى التكوين الأساسية للمجتمع.
“أحاول أن أوفر لطلابي وطالباتي الأدوات التي تمكنهم من التعامل مع النوع الاجتماعي (الجندر) بحيث يستطيعون قراءة، وكتابة، ومناقشة جميع تلك القضايا. نحن بحاجة إلى دمج النوع الاجتماعي إلى جميع زوايا المجتمع- الصحة، والاقتصاد، والثقافة. يجب أن يعي الناس بأن هناك شيء أسمه النوع الاجتماعي”.
“هدفي أن أغير عقلية الرجال”
الأفكار نفسها نجدها في عمود سعاد سالم السبع الأسبوعي في صحيفة الجمهورية. هنا نجدها تكتب عن كل موضوع قد يخطر في البال ويتعلق بالمجتمع: التنمية، النوع الاجتماعي (الجندر)، الصحة، التعليم، وانعدام العدالة السياسية.
وهي تكتب عن كل ما يحدث ويشغلها في ذلك الحين. على أية حال، هناك على الدوام قاسم مشترك هو: “هدفي أن أغير عقلية الرجال!”
هذه الملاحظة تُلقى بعفوية وبشيء من السخرية، لكن خلف هذه السخرية الظاهرة، فإنها تعنيها بكل ما في الكلمة من معنى.

الاستقلال وإعالة الذات- هما أعظم أمنياتها للنساء اليمنيات

“ليس ثمة شيء أتمناه للرجل اليمني من أن ينظر إلى امرأته كمساوٍ له، بدلاً من النظر إليها كخادم مطيع توافقه على كل كلمة يقولها. الثقافة في اليمن هي العائق الأكبر أمام نهوض المرأة في المجتمع”.
“لكثيرات من النساء يسمحن لأنفسهن بأن يكنّ عرضة للترهيب والتخويف، أمنيتي موجهة لهؤلاء النساء تحديدا”.
لقد شعرت سعاد بهذا الوضع بنفسها. ولا تزال تعيشه يومياً، رغم أنها تشعر بأنها حرة وتعامل على قدم المساواة مع الرجل سواءً في عملها أو في حياتها العائلية- حياة أسريّة تضم زوجاُ وأربعة أبناء؛ ولدان وابنتان، حصلوا جميعا على تعليم لم يتأثر بجنسهم ويسيرون قدماُ نحو عيش حياة طيبة.
“أمل بأن تصبح النساء اليمنيات مستقلات وقادرات على إعالة أنفسهن وأن يكون ذلك محور تفكير العديد من النساء. الكثيرات من النساء يسمحن لأنفسهن بأن يكنّ عرضة للترهيب والتخويف، أمنيتي موجهة لهؤلاء النساء تحديدا”.
تتوقف سعاد متفكرة لوهلة ثم تضيف مؤكدة، “هناك بالطبع العديد من الأشخاص الطيبين بين الرجال. فليسوا جميعاً على هذا الشكل”.
تعود سعاد سالم السبع إلى التفكير بوالدها مجدداً، الذي ضمن لها أن تحصل على تعليم مساو للصبيان، وجعلها تتقدم حتى على العديدين منهم في المجتمع. 

الهوية من خلال اللغة

أصبحت اللغة العربية محور حياة سعاد السبع وعملها من اليوم الأول الذي جلست فيه في مكتبة الأسرة لتستمع إلى أشعار والدها. العديد من المفكرين ترددوا على بيتها خلال سنوات طفولتها، وكانت قادرة منذ نعومة أظفارها على استلهام الكثير منهم.
اليوم، تملأ اللغة العربية حياتها العملية كلها، وحين تعود إلى البيت، تكتب الشعر. تلك الأشعار ليست مخصصة للنشر، بل لصياغة أفكارها الشخصية عن الحياة، والحب، والموت، في كلمات.
“اللغة طريقة تفكير. هي التي تجعلك ما أنت عليه. إذا كنت دنمركيا وتفكر دنمركيا وتتحدث اللغة الدنمركية، فهذا ما يجعلك دنمركيا. هذه هي هويتك”.
وبالمثل، فإن اللغة العربية، مع كل ما فيها من غموض وفوارق دقيقة في المعاني، فإنها من صميم هوية سعاد كامرأة في اليمن. لكن اللغة العربية أكبر من ذلك بكثير، فهي اللغة التي تحمل في طياتها إمكانية إحداث تغيير.
“سلاحي هو اللغة العربية. ولغتي هي حياتي كلها”.
في اليمن، حيث تزيد نسبة الأمية عن 60 بالمئة، لكن الشعر ليس شيئاً مخصصاً للنخبة فقط. التقاليد الشعبية في تداول الشعر شفهياً ما زالت مؤسسة قوية.
“اللغة طريقة تفكير. هي التي تجعلك ما أنت عليه. إذا كنت دنمركيا وتفكر دنمركيا وتتحدث اللغة الدنمركية، فهذا ما يجعلك دنمركيا. هذه هي هويتك”.
الشعر، بالنسبة لسعاد سالم السبع، هو النتيجة الطبيعية لمرونة اللغة العربية وقدرتها على التكيّف. الناس يتقابلون ويبدأون بشكل طوعي في نظم الشعر، والمناظرات الشعرية تدور حول كل شيء من القضايا الاجتماعية المعاصرة إلى مشاكل الحب والزواج.
لهذا السبب فإن “شاعر المليون” (البرنامج الشعري الأسبوعي الذي يعرضه التلفزيون اليمني وتشارك فيه سعاد السبع كواحدة من الحكّام) برنامج يحظى بشعبية كبيرة. وهو أشبه ببرنامج “اكس فاكتور” لاكتشاف المواهب  يتم طرح مواضيع  غير مطروقة على المتسابقين يتناظرون بعدها شعرياً للفوز بالشهرة على المستوى الوطني.

إصلاح – لا ثورة

ليس معروفاً على نطاق واسع بأن جزءاً من ثورة 2011 الحالية في اليمن تقودها امرأة شابة، هي توكل كرمان- وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان عمرها 32 سنة وتدرس علم النفس، ترأس منظمة “صحفيات بلا قيود”، وأم لثلاثة أطفال.
رغم ذلك، لا تزال سعاد السبع متشككة بشأن فكرة الثورة في اليمن، ولا تعتقد بأن مشاكل اليمن الرئيسية بما فيها الفقر، والفساد ستحل بمجرد هز المجتمع.
“المشكلة في الاضطرابات هي أنه ليس لدى أي من أحزاب المعارضة برنامجاً حيوياً عما ستفعله إذا تمكنت من إسقاط الرئيس. ومن الأفضل تثبيت النظام الذي لدينا بدلاً من التخلص منه. ما نحن بحاجة لتغييره هو ’الوضع‘ وليس النظام. وماذا إذا أسقطنا النظام؟ سنبقى مع البطالة والفقر”.
المشكلة الأخرى في اليمن هي أن المعارضة تتكون بشكل أساسي من العديد من الجماعات  الأصولية الإسلامية.
الكابوس الذي تخشى سعاد السبع منه هو الصومال وأفغانستان. وهما بلدان من ضمن المنطقة تسببت الأصولية فيهما في هجرة العقول، والانقسام، والفقر، وحروب أهلية لا تنتهي.
وهو مصير لا تتمناه سعاد السبع لليمن.
“ومن الأفضل تثبيت النظام الذي لدينا بدلاً من التخلص منه. ما نحن بحاجة لتغييره هو ’الوضع‘ وليس النظام. وماذا إذا أسقطنا النظام؟ سنبقى مع البطالة والفقر”.
إذا كان ثمة أمر تستطيع تغييره في بلدها، فهي على يقين مطلق عمّا يجب أن يكون عليه هذا الأمر. الشيء الوحيد الذي تتمناه لكل واحد من مواطنيها هو ما يمنحهم حرية في أفكارهم، وحرية في طريقة تفكيرهم، وحرية في أعمالهم.
“التعليم! لو كان جميع الناس متعلمين، فإن بلدي ستكون مكاناً أفضل للعيش. لو كان الناس متعلمين لكان في وسعهم التفكير في الأمور، وهذا شيء كان يمكن أن نراه في طريقة تصرفهم في الشارع. إذا كنت متعلماً، فإن في وسعك التفكير في
شؤونك بدل اتّباع الأوامر. إن وجود حرية الفكر تهيء لوجود شعب أكثر حرية. التعليم يمكّن الناس من التفكير بحرية والعمل بحرية.”
التصوير: جيتا يونغ