صندوق الحقائق

يضم الوفد: البروفسورة درود داليروب من جامعة ستوكهولم، وهي خبيرة بأنظمة الانتخابات والكوتا (السويد)؛ السيدة فرانسوا جاسبارد، عضو البرلمان السابق والخبيرة بلجان الأمم المتحدة حول إزالة التمييز ضد المرأة (فرنسا)؛ السيدة سيادة جريس، عضو البرلمان السابق والرئيسة السابقة للجنة المرأة المنسق في الاتحاد البرلماني الدولي (مصر)، والسيدة زينة هلال، ضابط البرنامج، برنامج مشاركة النوع الاجتماعي في الاتحاد البرلماني الدولي.

 

ما هو الشيء المشترك بين السويد وروندا؟ هاتان الدولتان تحتلان أعلى قائمة الدول التي لديها أكبر عدد من النساء في برلماناتها. وقد تلحق بها قريباً واحدة من أحدث الديمقراطيات في العالم: تونس.
حين يذهب التونسيون للتصويت في أول انتخابات سياسية بعد ثورة يناير، سيجدوا أن واحداً من كل اثنين من المرشحين على ورقة التصويت سيكون امرأة- هذا إذا تمكنت الهيئة الموكلة بالإعداد للانتخابات، أي لجنة الإصلاح التونسية، من فرض خطتها. كان هدف اللجنة، منذ البداية، خلق توازن بين الجنسين في الجمعية الوطنية التأسيسية التونسية، والتي أوكلت إليها  مهمة متميزة هي وضع أهم حجر في ديمقراطية البلد الجديدة- صياغة دستور جديد. 
تعتقد اللجنة بأن عمل الجمعية يجب أن يوكل إلى النساء والرجال على قدم المساواة. لذلك تريد أن تكون هناك مساواة في أوراق الاقتراع، أي أن يكون عدد النساء مساوياً لعدد الرجال في جميع القوائم الانتخابية للأحزاب، مع إضافة مهمة وهي أن يكون هناك تناوب بين الذكور والإناث من المرشحين: بمعنى أنه إذا كان المرشح رقم 1 رجلا، فإن المرشح رقم 2 يجب أن يكون امرأة، وهكذا. ثمة مصطلح آخر لهذا النظام وهو “نظام زيبرا”.
 ” لكن هل يمكن لنظام الكوتا أن ينجح من الناحية العملية؟ وهل ستضم الجمعية الدستورية التي ستنبثق عن انتخابات 24 يوليو عدداً متساوياً من الرجال والنساء؟ ليس هناك أي شيء مضمون بالتأكيد”
وصرحت سناء بن عاشور، رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات لقناة الجزيرة عندما أعلنت لجنة الإصلاح النبأ، “إنه حدث تاريخي، وهو الشيء الوحيد الصحيح الذي يجب عمله في البلد حيث قاتلت المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل من أجل الديمقراطية”.
حين يصل الأمر إلى الدور المستقبلي ووضع المرأة في الحياة السياسية التونسية، فمن المؤكد أن ليس هناك نقص الطموح. لكن هل يمكن لنظام الكوتا أن ينجح من الناحية العملية؟ وهل ستضم الجمعية الدستورية التي ستنبثق عن انتخابات 24 يوليو عدداً متساوياً من الرجال والنساء؟
“ليس هناك أي شيء مضمون بالتأكيد”، هذا هو جواب الخبيرة التي تقدم النصيحة للجنة الإصلاح التونسية في مجال كوتا الجنسين وكيف يمكن العمل بشكل ملموس من أجل ضمان مكان للمرأة في السياسة.

كل شيء في التفاصيل

دعيت الدنمركية درود داليروب، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ستوكهولم، السويد، إلى تونس في مارس/آذار لتكون عضواً في وفد من الخبراء يرأسه الاتحاد البرلماني الدولي وهو منظمة شراكة دولية تضم جميع برلمانات العالم. مع ثلاثة خبراء آخرين من مصر، وفرنسا، التقت داليروب مع نساء سياسيات، ومنظمات غير حكومية، وباحثين، وأشخاص من لجنة الإصلاح التي تعمل على وضع التشريعات الانتخابية التونسية الجديدة.
تقول داليروب، “كانت الأجواء ببساطة لا تصدق؛ فتونس تمر بمرحلة تغيرات تاريخية الآن. الجميع يركز 100% على المهمة التي بين أيديهم: بناء ديمقراطية حديثة والحصول على توازن أو مساواة بين الرجل والمرأة. والمشكلة هي كيف يمكن تحقيق ذلك فعليا.” 
 “الشيطان في التفاصيل (…) بكلمة أخرى، أمر جيد وحسن التطلع لهدف الوصول إلى مكان معين، لكنها التفاصيل الصغيرة في الخطط الكبيرة هي التي تقرر ما إذا كنت ستصل إلى الوجهة المطلوبة.”
حتى هذا التاريخ، أعلن 67 حزباً عن نيتهم المشاركة في الانتخابات النيابية، لكن ما زال من غير الواضح من سيكونوا مرشحيهم. إلا أن الواضح هو، أنه عند قياس المساواة بناء على الملامح الخارجية للأحزاب المذكورة، فإن الاحتمالات ليست جيدة. لأن حفنة صغيرة منها- ربما ثلاثة أو أربعة أحزاب فقط- تضم نساء في صفوفها القيادية. لذلك وضمن هذا السياق، كيف يمكن لكوتا نسائية بنسبة 50% أن تنجح؟
تقول درود داليروب، “الشيطان في التفاصيل”. مشيرة إلى مقولة تؤكد حقيقة أن أبسط التفاصيل هي التي تحمل في طياتها أكبر أهمية. بكلمة أخرى، أمر جيد وحسن التطلع لهدف الوصول إلى مكان معين، لكنها التفاصيل الصغيرة في الخطط الكبيرة هي التي تقرر ما إذا كنت ستصل إلى الوجهة المطلوبة. 
كل هذا يقود إلى قضية تبدو مملة بالنسبة لمعظم الناس وهي: الأنظمة الانتخابية. النظام الانتخابي، أو نظام التصويت، هو القواعد المتبناة التي تحكم طريقة توزيع أصوات الناخبين على المقاعد البرلمانية. مثال ذلك، هل يمكن للناخب أو الناخبة وضع شارته على اسم مرشح بعينه أم على حزب بشكل عام؟ أم هل يتبع نظام الفائز بأكبر عدد من الأصوات، كما في المملكة المتحدة وفرنسا، حيث يقدم كل حزب مرشحا واحدا في كل دائرة انتخابية؟ أم هل يجب إدخال نظام من التمثيل النسبي، كما في اسكندنافيا ومعظم دول أوروبا. مع قوائم لعدة مرشحين لكل حزب؟ وما الحجم الذي يجب أن تكون عليه الدائرة الانتخابية، وهل يجب إعطاء المناطق ضئيلة الكثافة السكانية تمثيلا زائدا؟ وما الذي تعنيه كل هذه القواعد المختلفة بالنسبة للنساء المنتخبات للبرلمان؟
تلك هي المسأئل بالتحديد التي طرحها الوفد أمام الرجال والنساء التونسيين الذي يعدون العدة للانتخابات المقبلة.

القواعد المختلفة تعطي نتائج مختلفة

قبل وصول وفد الخبراء، كانت لجنة الإصلاح قد قررت اعتماد المساواة: 50% من المرشحسن الذكور و50% من المرشحات الإناث وفق “نظام زيبرا” التناوب بين المرشحين الرجال والنساء. لكن ما هي الصيغة التي سيتخذها النظام الانتخابي؟
 “إنهم يخشون فقدان الأصوات إذا رشحوا امرأة.” 
مال البعض إلى النموذج الفرنسي، حيث ينتخب مرشح واحد لكل دائرة انتخابية. لكن فرانسوا جاسبر، العضو الفرنسي في الوفد والسياسي السابق، حذر من ذلك. منذ العام 2001، كان لدى فرنسا مساواة- نموذج الـ50-50% – لكن التجربة الفرنسية بينت أن الرجال هم الذين يصلون إلى البرلمان حين لا ينتخب سوى مرشح واحد في كل دائرة انتخابية لأن الأحزاب السياسية تختار إنزال رجال لخوض الانتخابات في الدوائر التي يتمتعون فيها بقوة.
وتفسر درود داليروب الأمر، “إنهم يخشون فقدان الأصوات إذا رشحوا امرأة.” 
في تونس، كان القرار المتخذ هو إقامة جمعية دستورية تعكس وضع السكان، سواء من ناحية النوع الإجتماعي أو من ناحية وجهات النظر السياسية. لذلك اختير نظام التمثيل النسبي حيث يمكن انتخاب عدة سياسيين من كل دائرة انتخابية وحيث يمكن للأحزاب طرح عدة مرشحين في كل دائرة. لكن التونسيين لا يستطيعون انتخاب مرشح بعينه- بل الحزب الذي ينتمي إليه ذلك المرشح. 
تقول درود داليروب، “لكننا لا نعرف ما قد ينجم من عواقب عن القوائم المفتوحة مع خيار التصويت لمرشح باسمه في بلد ما زالت السيطرة فيه للذكور إلى حد ما مثل تونس.” 
مثل هذا النظام يعني أن الأحزاب وحدها-وليس الناخبين- هي من يقرر من سيتم انتخابه لأنها هي من يقرر الترتيب الهرمي (الرقم 1، 2، 3، 4 الخ.) لمرشحيهم على قائمة الانتخاب. الرقم 1 هو أول من ينجح.
“لكننا لا نعرف ما قد ينجم من عواقب عن القوائم المفتوحة مع خيار التصويت لمرشح باسمه في بلد ما زالت السيطرة فيه للذكور إلى حد ما مثل تونس.” 
وأضافت، “رغم أن واحدا من كل اثنين من المرشحين يجب أن يكون إمرأة -كما هو منصوص عليه في كوتا لجنة الإصلاح- فثمة خطر بألا ينجح في الانتخابات إلا الرجال، إذا لم يكن في كل دائرة انتخابية ما يكفي من الأصوات لنجاح أكثر من مرشح واحد واختارت جميع الأحزاب رجلا ليكون المرشح رقم واحد لديها.”
“لا توجد ضمانات. مبادرة إيصال النساء إلى البرلمان يمكن أن تسقط بشكل مزر، مع كل هذا العدد من الأحزاب- أو ربما تنجح بشكل رائع.”
ما يساعد على الخروج بنتيجة إيجابية هو حقيقة أن لجنة الإصلاح التونسية قررت أنه ليس في وسع أي حزب الصمود من دون أن يكون 50% من الواردين على بطاقة التصويت نساء، وفق “نظام زيبرا”. ولن يقبل أي مبرر بأنه ليس هناك عدد كاف من النساء الصالحات للترشح على قائمة الحزب- وهو ما كان ممكنا في الإقتراح الاصلي للجنة الإصلاح.
“وهو ما حذرناهم منه بشدة.” كما تقول درود داليروب. 
وأضافت، “وهذا هو السبب في أهمية نظام الكوتا. الأحزاب ملزمة بالسعي لتجنيد النساء، والبحث عن مرشحات محتملات، وأن تكون منفتحة الذهن تجاه جعل النساء يخضن الانتخابات نيابة عنها في ورقة الانتخاب- بدلا من أخذ الرجال المعروفين من عامة الناس. وليس ثمة نقص في عدد النساء المؤهلات في تونس.” 

دعم واسع للكوتا النسائية

قبل الثورة، سيطر في تونس نظام الحزب الواحد غير الديمقراطي. ورغم ذلك، كان البلد متقدما كثيرا على العديدين في المنطقة من ناحية تمثيل المرأة، حيث كان 28% من أعضاء المجلس من النساء. ومن ناحية المساواة السياسية، تقف تونس في الطليعة.
فقد أدخل قانون يبيح الإجهاض للجميع في العام 1973، رغم أنه سمح لبعض النساء بالإجهاض منذ العام 1965. وأصبح منع الحمل مشروعا في العام 1961 مع تأكيد كبير على تنظيم الأسرة حيث كان المواطنون يمنحون مواد منع حمل مجانية بشكل كامل أو جزئي على شكل واقيات ذكرية أو حبوب لمنع الحمل.
“لا توجد ضمانات. مبادرة إيصال النساء إلى البرلمان يمكن أن تسقط بشكل مزر، مع كل هذا العدد من الأحزاب- أو ربما تنجح بشكل رائع.”
وقد عملت ليلى طرابلسي بن علي، زوجة الرئيس التونسي السابق زين الدين بن علي، من أجل حقوق المرأة ومكافحة العنف ضد النساء. فقد كانت رئيسة منظمة المرأة العربية وكانت من ضمن قائمة أكثر مئة امرأة نفوذا في العالم العربي.
لكن في الوقت نفسه، كانت الناشطات المناهضات للحكم من النساء يضطهدن، ويستهدفن، ويجبرن على النفي خارج بلدهن. أما الآن، فقد وجدت المنظمات النسوية المختلفة، في الوقت الحاضر على الأقل، نهجا موحداً لضمان ضم العدد الضروري من النساء إلى الديمقراطية الجديدة.
الكثيرون من التونسيين يدعمون النساء في مسعاهم. فقد أظهر استطلاع حديث للرأي تناول فكرة إعطاء النساء حصة بنسبة 50% على بطاقات الاقتراع، قامت به خدمات الإدارة العالمية، أن مؤيدي الفكرة في أوساط الشعب التونسي أكثر من معارضيها – رغم أن الأغلبية ليست كبيرة (45.2% مؤيدين مقابل 41.1% معارضين). 
 الحركة الإسلامية الأكبر في تونس، النهضة، والتي كانت ممنوعة خلال العهد السابق وتخطط حاليا للمشاركة في الانتخابات المقبلة، تدعم الكوتا
كما حصلت الكوتا النسائية على دعم من جهة غير متوقعة- الإسلاميين. العديد من المنظمات النسائية لا تزال تشعر بالقلق من هذه الجماعة- الأحزاب الإسلامية المتطرفة- واحتمال وصولها إلى السلطة، ما يعني نكسة للنساء في تونس.
لكن الحركة الإسلامية الأكبر في تونس، النهضة، والتي كانت ممنوعة خلال العهد السابق وتخطط حاليا للمشاركة في الانتخابات المقبلة، تدعم الكوتا. إلى حد الادعاء بأنها  كانت أول من أثار قضية الكوتا بنسبة 50%.
فقد صرح علي لارياض، أحد زعماء حركة النهضة لقناة الجزيرة، “كنا أول من طالب بالمساواة بين الرجال والنساء في بطاقات الاقتراع.
مسألة ما إذا كانت المرأة ستكسب فعليا ذلك القدر من القوة السياسية الذي مهدت له الثورة هو السؤال الكبير الذي سيجيب عليه استطلاع 25 تموز/يوليو.  المشاعر الحالية تبشر بالخير، لكنها ليست كلها إيجابية. رئيس الوزراء التونسي المؤقت باجي قائد السبسي يريد أيضاً مشاهدة المزيد من النساء في البرلمان، لكنه يعتقد بأن كوتا بنسبة 50%  في بطاقات الاقتراع كبيرة جداً. هو يريد كوتا بنسبة 30%. 
وما زال علينا رؤية من سيفوز في معركة الكوتا: رئيس الوزراء أم لجنة الإصلاح.