في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، بدأ عددٌ من التجمعات النسائية المرتبطة بـ”منتدى النساء والذاكرة” في القاهرة (المكتبة المصرية للأبحاث، ومركز الدراسات الخاصة بالنوع الاجتماعي “الجندر” والثقافة، إضافةً إلى شريكٍ خارجيّ تمثل في “المركز الدنمركي للأبحاث حول النوع الاجتماعي والمساواة والتمييز”) بالاهتمام بالمراجع التاريخية المصرية الرسمية، والاستماع إلى الروايات الشعبية التقليدية حول ذلك التاريخ. وقد كان هناك دائماً حلقةً مفقودةً في كل تلك الروايات، وقد تمثلت تلك الحلقة في رؤية المرأة لكل ما سبق ذكره. 
وسرعان ما بدأت القراءة التحليلية النسائية المعمقة للأحداث بالتحول إلى مشروعٍ جديد: فقد شرعت النساء بإعادة صياغة التاريخ والقصص الشعبي انطلاقاً من مبدأ المساواة بين الجنسين. أما اليوم، فقد بلغ عدد القصص الجديدة ما يقرب من المائة، وهي تغطي شتّى المواضيع، سواء ما يتعلق منها بالتوثيق للشخصيات المصرية التاريخية الهامّة، أو بإعادة صياغة القصص الشعبي “الفولكلوري”، أو بكتابة المزيد من القصص المعاصرة التي تتوافق مع أصول سرد القصة العربية وقواعدها وتقاليدها. 

استرجاع الملاحم العربية

تقول السيدة “ميسان حسن” التي تعمل “منسقة مشروعٍ” لدى “منتدى النساء والذاكرة” منذ عام 2007م: “لقد بدأت الفكرة برمّتها مع إعادة قراءة كتب التاريخ، العملية التي سرعان ما تحولت إلى إعادة كتابة للتاريخ. لقد أردنا استرجاع الثقافة الشعبية، والقصص الشعبي، والملاحم الشعبية العربية، وإعادة كتابتها من منظورٍ نسويٍّ”.     
تتكون مجموعة النساء اللواتي شرعن في إعادة كتابة القصص الشعبي من خليطٍ من الأديبات، والناقدات الأدبيات، وعالمات الاجتماع، وكاتبات المسرح. وقد حفزتهنَّ جميعهنَّ إلى ذلك الأمر الحقيقة الجلية المتمثلة في افتقار التاريخ الشعبي المصري إلى أية بطولة نسائيةٍ فاعلة.  
لقد مثّل الأسلوب الذي اتبعنه في العمل أسلوباً جديداً: لقد أمنَّ إيماناً مطلقاً أن الهدف من القصص والملاحم الشعبية لا ينبغي أن ينحصر في التسلية حسب، بل ينبغي أن يتعدى ذلك إلى دعم الثقافة والقيم والتقاليد المجتمعية. 
 وتردفُ “ميسان حسن” قائلةً: “لقد نشأت الرغبة في الالتزام عند العديد من العضوات من خلال ما عايشن من تجارب شخصية. لقد أدركن أنهنَّ لم يكنَّ يكترثن للقصص والحكايات التي كنّ يقرأنها أو يسردنها على مسامع أطفالهنّ، ذلك أن تلك القصص والحكايات كانت تفتقر إلى الحسّ المتعلق بالنوع الإجتماعي. لقد كانت النساء – في تلك القصص والحكايات – يلعبن دور المرأة الضعيفة التي تحتاج دائماً إلى من ينقذها من الشر، بينما يقوم الرجال بالمغامرات كافّة. لذلك، فقد تمثلت إحدى النتائج التي تمخضت عنها ورشتنا في إصدار مجموعة قصصية للأطفال تتوافرُ على قدرٍ كافٍ من الحس واللمسات لديها التعليق بالنوع الإجتماعي. بعض تلك القصص كُتب حديثاً، أما البعض الآخر، فتمثل في طبعات جديدة من بعض القصص الشعبية التي أُعيدت كتابتها”. 

صندوق الحقائق

تم تأسيس "منتدى النساء والذاكرة WMF" في عام 1995م على أيدي مجموعة من النساء الأكاديميات، والباحثات، والناشطات في مختلف المجالات، واللواتي أردن إعادة صياغة صورة المرأة العربية السلبية في الفضاء الثقافي العالمي. 

إلى جانب العمل مع إعادة صياغة القصص الخيالية المراعية لعامل النوع الاجتماعي، والحكايات الشعبية والسرد الشعبي، فإن منتدى المرأة والذاكرة يعمل على تنظيم ورش عمل وندوات حول أبحاث النوع الاجتماعي، إضافة إلى نشر الأدبيات المتعلقة بأبحاث النوع الاجتماعي وتاريخ المرأة باللغة العربية.

اقرأ المزيد عن "منتدى النساء والذاكرة"

 

توارثٌ للكلمة الحية

كما في مناطق كثيرة من العالم العربي، فإن في مصر تقليد واسع الانتشار يتمثل في السرد القصصي الشفوي (الحكاية). إن السرد الشفوي عملية دائمة التطور، يتم من خلالها سرد الحكاية والإبحار فيها، مع احتفاظ القصة بتكوينها وبنيتها الرسمية. أما بالنسبة لمجموعة ساردي القصة (الحكواتية)، المنبثقة عن ورشة “منتدى النساء والذاكرة”، فإنه من الضرورة بمكانٍ – بالنسبة للسرد القصصي الشفوي – أن يتخطى التقسيمات الطبقية الاجتماعية بسهولة.  
تقول السيدة “ميسان حسن” في هذا الشأن: “في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم، بدأنا بإقامة فعاليات في مختلف مناطق القاهرة تستند إلى السرد الشفوي للقصة. وسرعان ما حظيت هذه الفعاليات بشعبيةٍ واسعة، وقد باتت مجموعة الساردين القصصيين تشكلُ كياناً مستقلاً، وهم الآن يعملون بشكلٍ مستقلٍ عن المجموعة الأصلية. وبعض القصص هي عبارة عن حكايات شعبية قديمة تم إعادة طباعتها في طبعات جديدة ومنقحة لكي تمثل حسّ النوع الإجتماعي، أما البعض الآخر، فهو عبارة عن قصص حديثة، تتخذ شكل الحكاية الشعبية الكلاسيكية. ويجدر القول هنا أنه قد تم إعداد هذه الحكايات لتتوافق مع رغبة مختلف أصناف المتلقين، ولم يتم إعدادها مجرد من أجل الأكاديميين، وذوي المستوى التعليمي المتقدم”.     
أنه في مقدورك أن تعزف على وتر “النوع الاجتماعي” والمساواة حتى يبلغ الإعياء منك مبلغاً، أما حينما يكون الأمر على شكل حكايةٍ يتم سردها بأسلوبٍ ساخرٍ، فإن ذلك يفتح الآفاق بطريقة مختلفة تمام الاختلاف”.   
وتردف السيدة “ميسان حسن” قائلةً: “إن مجموعة الساردين القصصيين (الحكواتية) تتسم بالمرونة العالية والقدرة على الحركة، أي أن في مقدورها التنقل في جميع أنحاء مصر. إن هذا الأمر غايةً في الأهمية، حيث إنه يتيح الفرصة لإطلاق حوارٍ ما كان من الممكن إطلاقه لو أنني اكتفيت بكتابة مقالةٍ أكاديميةٍ حول “النوع الاجتماعي”. إن هذا النوع من الحكايات يروق لنمطٍ آخر من المستمعين. فعلى سبيل المثال، عملنا في بعض المناطق الفقيرة في القاهرة، حيث أحدثت الحكايات، والرسوم الكاريكاتورية المرافقة لها، أثراً كبيراً في نفوس المتلقين. خلاصة الأمر، أنه في مقدورك أن تعزف على وتر “النوع الاجتماعي” والمساواة حتى يبلغ الإعياء منك مبلغاً، أما حينما يكون الأمر على شكل حكايةٍ يتم سردها بأسلوبٍ ساخرٍ، فإن ذلك يفتح الآفاق بطريقة مختلفة تمام الاختلاف”. 

التوثيق صورة من صور التمكين

يتمثل جزءٌ هامٌّ من أجزاء مشروع السرد القصصي المنبثق عن “منتدى النساء والذاكرة” بتوثيق سيرة حياة النساء المصريات اللواتي تميّزن في حقولٍ معينة. لقد بدأ مشروع التوثيق هذا بصفته مشروعاً تاريخياً. وحيث أن كتب التاريخ لم تأتِ على ذكر أيٍّ من النسوة سالفات الذكر، فإنه من الضرورة بمكانٍ أن يُصار إلى توثيق حياة تلك النسوة وما قدمنه من إنجازات للمجتمع المصري. بعض هذه النسوة يعملن في مجال الفنّ، أو التمثيل، وبعضهنّ يعملن في مجال الطب، أو المحاماة، أو الإدارة المدرسية. ومن الأمثلة الحية على هذه النسوة، الناشطة “ماري الأسعد” التي تبلغ من العمر تسعين عاماً، والتي أنفقت من عمرها عقوداً وهي تناضل من أجل منع ختان الفتيات في مصر، واسمها، الآن، مدرجٌ في قاعدة البيانات الخاصة بـ”منتدى النساء والذاكرة”.

لقد وصلت عملية توثيق حياة النسوة المتميزات إلى الزمن المعاصر. وقد تم – في هذا السياق – إعداد مقتطفات عن حياة النسوة اللواتي تميزن في أثناء الثورة المصرية في “ميدان التحرير” وفي مختلف المواقع، حيث سيصارُ إلى إتاحة هذه المقتطفات للمتلقين المعاصرين للاطلاع عليها، ثم توثيقها وحفظها للأجيال القادمة. 
وتقول “ميسان حسن” في هذا الصدد: “إن مشروع السرد القصصي الذي نشتغل عليه، ينمو، ويصبح أكبر وأكبر، ونحن، الآن، بصدد تزويد المشروع بقصص حول نساءٍ شاركن في الثورة وكان لهنّ إسهاماتٍ هامّة فيها. كما إننا نعمل الآن على إنجاز مشروعٍ هامٍّ تحت عنوان “التوثيق صورة من صور التمكين”. وإننا لعلى ثقة من أن جميع الحركات المجتمعية تستخدم الحكاية المروية شفوياً كشكلٍ من أشكال المقاومة”.

ترجمة مصطلح “جندر” إلى اللغة العربية

إن عقد حوارٍ باللغة العربية حول مصطلح “النوع الاجتماعي/جندر”، يمثلُ واحدةً من المشاكل التي تواجه “منتدى النساء والذاكرة”. أما في هذه المنطقة، فإن معظم الحوارات التي يتم عقدها حول هذا الموضوع تكون في اللغة الإنجليزية، ما يعني افتقار المعجم العربي إلى أية دلالاتٍ خاصة بمصطلح “النوع الاجتماعي/الجندر”.  
تقول “ميسان حسن”: “إننا نحاول أن نردم الهوة بين مرحلة الدراسات والأبحاث ومرحلة الفاعلية الميدانية. إن المشكلة الرئيسة تكمن في أن حجم المعلومات المتوفرة حول مصطلح الجند/أو النوع الاجتماعي باللغة العربية تبقى محدودة للغاية.
“إننا نحاول أن نردم الهوة بين مرحلة الدراسات والأبحاث ومرحلة الفاعلية الميدانية. إن المشكلة الرئيسة تكمن في أن حجم المعلومات المتوفرة حول مصطلح الجند/أو النوع الاجتماعي باللغة العربية تبقى محدودة للغاية. أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى من المهتمين تكتب باللغة الإنجليزية،
أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى من المهتمين تكتب باللغة الإنجليزية، هذا فضلاً عن أن البرنامج المصري الوحيد للدراسات الخاصة بـ”النوع الاجتماعي” والمساواة، يرتبط بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ما يجعل الخروج على الناس بمصطلح دقيقٍ يعبرُ عن “النوع الاجتماعي” والمساواة بين الجنسين باللغة العربية، أمراً في غاية الصعوبة. وفي سياق معالجة هذه المشكلة، فقد شرعنا مؤخراً في تنفيذ مشروعٍ طموحٍ يتمثل في ترجمة العديد من النصوص المتقدمة في مختلف حقول الإنسانيات وعلم الاجتماع من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. وحتى تستقيم هذه النصوص لغوياً، وتنتظم في سياق ذا دلالاتٍ واضحة، فإن العمل قد يتطلب من المترجم، في بعض الأحيان، الخروج بكلمات جديدة أثناء عملية الترجمة.  
فعلى سبيل المثال، كنا دائما نعبر عن مصطلح النوع الاجتماعي من خلال مفردةٍ انحصر استخدامها في حقل علم الاجتماع. وغالباً ما كنا نلاحظ أن المترجم للنصوص الفلسفية أو التاريخية، على سبيل المثال، كثيراً ما كان يعترض على تعريف كلمة جندر/النوع الاجتماعي. لهذا، فإننا نقول إن الاشتغال باللغة هو أمر في غاية الأهمية، وأنه ينبغي علينا، في الوقت ذاته، وضع مصطلحات واضحة ودقيقة ومحددة لحقل علم الجندر باللغة العربية”.   

دخول اللغةٍ في الدستور المصري

إن العمل الذي فتح آفاق اللغة العربية لاحتمال عقد المناظرات في مجال الجندر، قد مكّن “منتدى النساء والذاكرة” من تثبيت بصمته على العمل السياسي المتعلق بصياغة الدستور المصري القادم.  
تقول “ميسان حسن” في هذا الصدد: “ما زال لدينا الآن الفرصة كي ننشط سياسياً في مجال عملنا. إننا نقوم بعملنا دون أيّة مساعدة قانونية، ودون أيّة مشاركةٍ سياسية، ودون فاعلية ميدانية. من جانبٍ آخر، نحن قادرون على جمع المعلومات، وهذا قد يكون على جانبٍ كبير من الأهمية في العملية السياسية. لقد قمنا –على سبيل البداية– بإثارة قضية اللغة في المشروع المقترح للدستور الجديد. فعلى سبيل المثال، كان دائماً يُشار إلى “المواطن” إما بصيغة التذكير، أو بصيغة التأنيث. لذلك، فقد تقدمنا بمقترحٍ يتمثلُ بضرورة الإشارة إلى “المواطن” بصيغة جديدة في مشروع الدستور القادم، وهي صيغة الجمع، التي تتضمن التذكير والتأنيث، فتنسحب، بذلك، على الرجل والمرأة”

إننا ندركُ أن النضال من أجل استصدار تشريعات ذات علاقة بقانون الأسرة ما زال في بدايته، غير أننا ينبغي أن نغتنم الفرصة المتاحة كي نجعل السياسيين يدركون أن عزيمتنا وإصرارنا على الحصول على حقوقنا لن يفترا، وأنه لن يكون في مقدورهم طمس معالم قضيتنا من خلال التعامل معها على أنها مظلمة شخصية، بل ينبغي عليهم أن يدركوا أنها قضية عامة”. 
إن الاتجاه السائد لضرورة معالجة قضية الجندر لغويةً ، قد جعل من الممكن، بالنسبة لمجموعات نسوية، إدراج مواد تتعلق بحقوق المرأة المدنية في المشروع المقترح للدستور الجديد بعبارات عامة. فعلى سبيل المثل بدلاً من الاكتفاء بإدراج مادة منفصلة تحرم التمييز ضد المرأة في موقع عملها، تم الاتفاق على أن يتم إدراج منظور الجندر كمبدأ أساسي في الدستور كلّه.  
وبالرغم من تعقيد الوضع السياسي السائد، فإن “ميسان حسن”، التي ما زالت تتمتع بنظرةٍ متفائلة لمستقبل مصر، تختم كلمتها بالقول: “إن اشتغالنا بموضوع الدستور قد مثّل، بالنسبة لنا، تجربةً على قدر كبيرٍ من الأهمية، حيث مكنتنا هذه التجربة من زيادة حجم الوعي والمعرفة بموضوع “المساواة” من منظور حقوق الإنسان، وليس من منظور حقوق المرأة فقط. إننا ندركُ أن النضال من أجل استصدار تشريعات ذات علاقة بقانون الأسرة ما زال في بدايته، غير أننا ينبغي أن نغتنم الفرصة المتاحة كي نجعل السياسيين يدركون أن عزيمتنا وإصرارنا على الحصول على حقوقنا لن يفترا، وأنه لن يكون في مقدورهم طمس معالم قضيتنا من خلال التعامل معها على أنها مظلمة شخصية، بل ينبغي عليهم أن يدركوا أنها قضية عامة”.