“شكرا حضرات المتابعين. نتمنى لكم يوم جمعة خال من التحرش،” هذا ما تقوله رسالة بعثت عن طريق “هارسماب”. 
http://twitter.com/#!/harassmap/status/13242492036059136
رسالة التويتر جاءت كخبر مرحب عن موضوع لطالما نغص وجه الحياة اليومية في مصر. 
“هارسماب” (خريطة التحرش) (http://harassmap.org/)، هي أداة تستخدم تكنولوجيا المراقبة الجغرافية الإلكترونية، طورت في أوائل العام 2010 لتحديد مكان حوادث التحرش الجنسي في الشوارع وفق البلاغات الصادرة عن الناس. وقد زودت الخريطة بتكنولوجيا “أوشاهيدي” (Ushahidi) (http://www.ushahidi.com/about-us)، وهي شركة كينية ذات مصدر مفتوح تصنع أدوات تسمح للمستخدمين بـتفويض المعلومات للحشود (crowdsource) وخلق منابر لعرض المعلومات (تعني كلمة crowdsource تفويض المهمات، التي ينجزها عادة موظف أو متعاقد معين، إلى مجموعة  كبيرة غير محددة من الناس- حشد- من خلال دعوة مفتوحة، مثال ذلك عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعية). في مصر حيث يذكر أن 83 بالمئة من النساء يتعرضن للتحرش الجنسي، ثمة حاجة ملحة لتنظيم الردود المقاومة لهذه الظاهرة المثيرة للغضب.  

لا يمكن للتكنولوجيا الوقوف بنفسه

ترد “هارسماب” على هذا المطلب، وتنشر أيضا بعض الردود الخلاقة. ففي حين أن التقاطع ما بين رسم الخرائط، والإظهار المرئي للمعلومات، وأنشطة المواجهة قد أصبحت من الظواهر الشائعة، فإنها ما زالت مجالات غير مطروقة في مصر.
لكن قبل الإشادة بمزايا التكنولوجيا ومساهماتها في خلق شعور بالارتباط والمسؤولية، يؤكد مؤسسو “هارسماب” على الأهمية المركزية لمشاركة المواطنين المباشرة في تغيير الوضع المريع للتحرش في الشارع.
“تقول ربيكا شياو، المشاركة في تأسيس هذه المبادرة، “أؤمن بشدة بأن الطريقة الوحيدة التي سيحدث فيها التغيير في شوارعنا، هي أن نشارك جميعنا في جعل الأمور تصبح كما نريدها أن تكون. لقد تعبنا أنا وأصدقائي/شركائي من الجلوس والشكوى من هذا التحرش، لذلك قررنا عمل شيء ما. نحن مجرد أناس عاديين ليس لدينا أي منح أو أي شيء آخر، لذلك هذا يبين مقدار ما يمكن للناس العاديين أن يفعلوه”.

رسم الخرائط كأساس حملات

الثقافة والافكار التي أحاطت بمشروع “هارسماب” مستمدة من صحافة المواطن، حيث يصبح جميع سكان المدينة صحفيون. تعمل “هارسماب” من خلال بلاغات التحرش المرسلة إلى الفريق الرئيسي من خلال الرسائل النصية
(SMS)، أو التويتر، أو البريد الإلكتروني، أو الهاتف، أو الإنترنت. يقوم الفريق بعدها بإعطاء الشخص المبلغ عن الحدث نصيحة حول الخدمات المتواجدة في منطقة الحدث، مثلا تقديم تقرير للشرطة أو خدمات تقديم المشورة. في الوقت نفسه، توضع إشارة عن الحدث على خريطة على الإنترنت، تشترك فيها منظمات غير حكومة، ووسائل إعلام وشرطة تكون بمثابة دعم معلوماتي لحملاتهم لوقف التحرش. 
على المدى الطويل، ومع تراكم البلاغات، تعمل الخريطة كدليل مرئي عن الأماكن التي تجري فيها عمليات التحرش، بحيث تتركز الحملات على أماكن وقوعها.

 يقول سجل الويب التابع لهارسماب، “نحن بحاجة لأن نعرف ما إذا كانت النقطة الساخنة هي موقف للحافلات، أو شارع باتجاه واحد، أو متنزها عاما، لأن الحل سيكون دورية للشرطة، أو التوصية بوضع كاميرا للمراقبة، أو مجرد التحدث إلى الرجال في الدكاكين المجاورة”.
كما أن المبادرة تحسن من فرص الفوز في المعركة ضد التحرش الجنسي أما الناس بفتح منتدى من خلال الفيسبوك حيث يمكن لكل شخص طرح أفكار واقتراحات لمكافحة التحرش.

امكانيات الحركة المحدودة للمتعرضين للتحرش الجنسي

بالنسبة لنجلاء رزق، أستاذة الاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة، والباحثة في اقتصادات المعرفة في العصر الرقمي، المبادرة “خطوة جيدة لإعطاء النساء شكلا من أشكال الخصوصية، التي تتعرض بالتخويف بسهولة عندما يقدمن بلاغات عن التحرش الجنسي في مراكز الشرطة”.
التركيز على المشاركة الشعبية لمكافحة التحرش الجنسي صحيح تماما. وحيث أن القانون الذي يجرم التحرش الجنسي ما زال قيد النقاش، ومع غياب آليات الردع تقريبا وتضاعف الحوادث في الشوارع كل يوم، فليس ثمة بديل فوري لرد شعبي. لدى كل امرأة قصة ترويها في مكان إقامتها، أو مكان عملها، أو حتى أو أمكان خاصة في ذهنها عن فظائع التعرض لاعتداء جنسي، سواء كان بدنيا، أو لفظيا.
بعض الاعتداءات حاد للغاية بحيث يصعب على الضحية الإفلات من دون فضحها. حتى الأشخاص منا الذين يختارون الإنكار وعدم الإقرار بالحقيقة القائلة بأن التحرش هو مجرد جزء من رعب أكبر في الحياة اليومية المصرية، يفشلون في البقاء بعيدين وعدم الاهتمام بالأمر. بدلا من ذلك، فإن الحديث عن التحرش، ورسم خريطة له والتعبير دائما عما يسببه من محن، من خلال استراتيجية مشتركة، يصبح آلية للبقاء والمقاومة.      

تغطية في الاماكن الغير متضمنة بالتشريع

استخدام التكنولوجيا وتحديدا أدوات الشبكة 2.0 في هذه المعركة كان سلاحا فعالا وصحيحا تماما. أدوات مثل الخرائط التفاعلية، تويتر، وفيسبوك، وغيرها خلقت عالم إنترنت أكثر ديمقراطية تتدفق فيه المعلومات من مختلف الاتجاهات يصبح فيه المستخدمون مستهلكون ومساهمون. وتضيف نجلاء رزق قائلة، “التكنولوجيا تمنح الحرية”.
استخدام الخرائط تحديدا له معنى، على الأقل على المستوى التجريدي. في بلد حيث المساحات العامة تخضع لمراقبة مستمرة وليست في الحقيقة ملكا للجمهور، فإن وضع الخرائط يحاول استعادة بعضا من هذه الملكية العامة المفقودة. ويصبح وضع خرائط للتحرش الجنسي بمثابة تدخل فعال في المساحات العامة حيث يفشل النظام القانوني، الذي يدار من فوق، في العمل.

تعطيل الموقع في يوم الاطلاق – وهو حدث ايجابي

أصداء العمل الذي تقوم به “هارسماب” بات يحس بها المؤسسون بالفعل. وتقول شياو، “إنه إيجابي للغاية. في اليوم الأول الذي أطلقنا فيه مرحلة الاختبار، تلقينا زيارات عدة على موقعنا لدرجة أنه أغلق. فعالجنا المشكلة، وكان ذلك إشارة طيبة. تلقينا
حوالي 120 بلاغا خلال مرحلة الاختبار. وساعدنا ذلك على تحسين نظامنا.” وأضافت أنهم إلى جانب التقارير تلقوا الكثير من العروض من متطوعين لتقديم المساعدة.   

التحدي الوحيد أمام “هارسماب” بالنسبة لنجلاء رزق هو جعل صوتها مسموعا أكثر من خلال رسالة واضحة حول ما تم إنجازه. بكلمة أخرى، مزيد من الوعي بالعمل وكيف يمكن للمرء المشاركة في واجباتها. 
“من الضروري أن تكون هناك طريقة متاحة لجميع النساء للتفاعل مع “هارسماب”. وهذا قد يطلب من المتطوعين نوعا من مشاركة اوتعاون مع القنوات الرسمية لتكون قادرة على الإعلان عن خدماتها، خاصة تكون التلفزيون قناة مهمة. وبعكس ذلك فإنها تصبح مجرد رابط في سلسلة غير مكتملة.”

احتياج الى الروابط للحياة اليومية

امتدحت منى سيف، وهي عالمة ومدونة مهتمة بقضايا المرأة، الوظيفة التي تقوم بها الخريطة في خلق تصور بصري للمدى الذي قد تبلغه كثافة التحرش في بعض المناطق. إلا أن عملية التمثيل هذه لا يمكن أن تتوقف عند هذا الحد.
وتضيف، “الخريطة بحاجة لأن ترتبط بطريقة ما بالقصص اليومية. بحيث تبين أن التحرش هو جزء من الحياة اليومية، بكل مراحلها. التعامل مع التحرش بالنساء في الشارع طبيعي مثله مثل التعامل مع الازدحام بالنسبة للجميع. هذه الرسالة يجب إيصالها.” ففي حين تبين الخريطة عمق التحرش الجنسي في مناطق معينة، فإن أهمية سرد الحكايات كخدمة في هذا السياق توفر عمقا ضروريا.
 يمكن إرسال التقارير عبر الرسائل النصية إلى : 0169870900، أو البريد الإلكتروني report@harassmap.org، أو من خلال تعليقات على موقع: http://harassmap.org
الرسومات: نعيمة ظريف