الحقائق

تعاون كل من KVINFO   ومركز الثقافة والتنمية والمعهد الدانماركي المصري للحوار و Dansk PEN   سوياً في مشروع رئيسي للمُدَوِّنات الدانماركيات والعربيات. لقد عقدت ورشة العمل في نهاية أيار/ مايو 2010 في القاهرة، مصر.

منتدى 5 تموز 2010:نقترب من الهبوط في مطار القاهرة في وسط عاصفةٍ رملية. لقد حلَّقت طائرتي لمدة نصف ساعة في منتصف ضبابٍ ذي لون بني مائل إلى اللون البرتقالي. جميع ركاب الطائرة صامتون.
لقد كان ركاب الطائرة عبارة عن مجموعة مختلطة من الناس
.جميعاً في نفس المكان المقصود التوجه إليه- ألا وهو مدينة القاهرة. ولكننا نختلف فيما بيننا فيما تعنيه هذا المقصد. أتأمل الناس الجالسين بقربي في الطائرة. إنهم العائلة الدنماركية الوحيدة على متن هذه الطائرة ويبدو بوضوح أن لهم جذوراً مصرية؛ فالرجل يرتدي بدلة في حين تضع المرأة حجاباً وترتدي فستاناً أزرقاً طويلاً حاملة على ذراعها طفلاً صغيراً. وأتساءل عما إذا كنا سوف نلقى حتفنا جميعاً. ولكن ذلك لا يحدث. فلقد هبطنا هبوطاً آمناً. وعندئذ ابتسمنا لبعضنا الآخر بارتياح وفرح.
لقد كانت الرياح عاصفةً عاتيةً ومشبعةً بالغبار خارج الطائرة. ألقيت تحية الوداع على الزوجين باللغة الدانماركية ومضينا في طريقنا خارجين إلى صالة الوصول نتبع بعضنا الآخر. لقد كان بانتظارهم جميع أفراد عائلتهم لكي يرحبوا بالعضو الجديد لأسرتهم، الطفل الدنماركي المصري. لقد ارتدت مجموعة الترحيب لباس تقليدي يقيد الحركة. أنظر مرة أخرى إلى المرأة التي كانت معي على متن هذه الرحلة. إنها في نظري ترتدي ملابساً تقليدية؛ ولكن يبدو أنها في نظر عائلتها ترتدي الملابس بطريقةٍ حديثةٍ جدا.
ولعل هذا هو الموقف الذي نخضع له جميعاً؛ وربما بالتحديد المرأة من الشرق الأوسط. فمن ناحية نحن تقليديات؛ ومن وجهة نظر أخرى نحن عصريات. وربما تكون هذه هي الانقسامات التي يمكن للانترنت والفرص العديدة التي يوفرها أن يتطرق لها. هنا نستطيع أن نلتقي بعضنا البعض بغض النظر عن كيف ينظر ظاهرياً إلينا لأنه لا يمكن لأحد أن يرى من يقف وراء هذا الموقع على شبكة الإنترنت إلا إن شئنا أن نضع صورة لنا. وحتى لو فعلنا ذلك، فإن الصور التي نضعها قد تصور شيئاً ربما هو مجرد خداع. يمكننا أن نغير ملابسنا وسلوكنا من أجل إعطاء تصور للشخصية التي نريد أن يراها العالم الخارجي؛ وبذلك، نصبح واقعيين. يوفر هذا للبعض حرية هائلة.
>لقد أتيت إلى القاهرة للمشاركة في ورشة عمل للمُدَوِّنات، التي تنظمها غالبية المشاركات هن مُدَوِّنات من الشرق الأوسط، كما يشارك أيضا شابتان من الدنمارك، فضلاً عن نفسي. أنا لا أدون إلكترونيا ولكنني هنا للحديث عن وسائل الإعلام الرقمية الأخرى ورسائل الموبايل والفيسبوك، فضلاً عن غيرها من منابر وسائل الإعلام الاجتماعية التي يمكن استخدامها بمثابة مجالات ممكنة لاطلاق الخيال.
وأنا في طريقي إلى فندقي عبر شوارع القاهرة المكتظة، كانت أشجار النخيل مغطاة بالغبار وتتمايل تحت تأثير العاصفة الرملية. سرتُ من الفندق إلى المعهد الدنماركي المصري للحوار. مشيت المسار نفسه في نفس الشوارع ذهاباً وإياباً خلال الأيام الثلاثة القادمة؛ أرى رجال الشرطة في كل شارع وزاوية ، في كل مخفر، في المحلات التجارية والسفارات. في هذا الجزء من القاهرة الجميلة والهادئة كما هي، لا يزال هناك وجود كبير للشرطة بشكل لا يصدق.
وصلت في نهاية المطاف إلى المعهد الدنماركي المصري للحوار وكنت آخر من يصل إلى هناك، وكنت لا زلت أشعر بالغثيان بعد هبوط الطائرة غير المريح. ومع ذلك، سرعان ما ارتفعت معنوياتي. في هذا المكان، سأكون قادرة أخيراً على وضع وجوه للأشخاص الموجودين وراء المواقع التي كنت قد عكفت على دراستها على مدى الأشهر الماضية. كان هناك أربع عشرة شابة (لديهن جميعاً مدونات خاصة بهن، ومعظمهن أبرع كثيراً مني عندما يتعلق الأمر باستخدام تكنولوجيا المعلومات) تحملن العديد من الأهداف والرغبات المختلفة حول كيف يمكنهن الاستفادة من الإنترنت في التعبير عن أنفسهن وإيصال ما يدور في عقولهن.
نحن في الشرق الأوسط. هذا الأمر يعني الكثير عندما يتعلق الموضوع بنوع القضايا التي ترغب المرأة في نشرها وتداولها والمشاكل العامة المرتبطة بحرية التعبير. ولكن عالم المُدَوَّنَات مفتوحٌ على مصراعيه للجميع، وليس فقط لتبادل وتقاسم المحتوى- ونحتاج أيضا إلى الحديث عن برامج تحميل الصور، والبرمجة ، وكيف تحفز الزوار حقاً على قراءة المدونة الخاصة بك.
كثيرة بينهن، إلاّ أن جميع النساء المشاركات في المؤتمر تميزن بأنهن نشيطات وعلى درجةٍ مرتفعةٍ جداً من الالتزام. كان عدد كبير من النساء فلسطينيات مقيمات في دول أخرى- فواحدة تعيش في لندن وأخرى في سلطنة عمان حيث تعمل هناك كمهندسة تكنولوجيا المعلومات، وأخريات يعشن في القاهرة ولبنان. كان هناك أيضا امرأة سعودية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها تريد العودة إلى المملكة العربية السعودية للعمل فيها. لقد قالت هذه المرأة السعودية بعض الأشياء التي كونت انطباعاً لدي. سألتها عن الحياة في المملكة العربية السعودية وإن كان من الصعب أن تكون امرأة هناك. ولكن هالة لا تتمتع بنفس منظوري السياسي لكوني دخيلة. فالمملكة العربية السعودية موطنها، كما أن نظام الدولة السياسي هو الإطار الذي تعيش تحته. تروي لي هالة قائلة، “يوجد لدينا فصل بين الجنسين، ولكن هذا غير مطبق في مجال الفضاء الإلكتروني. يستطيع الرجال والنساء الالتقاء مع بعضهم البعض في الفضاء الإلكتروني.
وإن كنت تريدين التحدث عن موضوع ما لا تريدين أن يعرفه النظام، فبالإمكان اللجوء إلى استخدام “سكايب” الذي يتملص من جميع محاولات التصنت على المكالمات الهاتفية”.

وهذه أيضا قضية تتناولها مدونتها- فهي عالقة بين النظام الذي تعيش تحته رغم صعوبته من جهة، والتمحيص والرقابة الغربية لنفس النظام من جهة أخرى، الذي يمكن أن يبعث الشعور بنفس القدر من القمع والظلم.
من الممكن تماماً أن تتصف وجهة نظرنا الغربية بالبساطة غالباً؛ فنعطي صبغة واحدة لمنطقة الشرق الأوسط بأكمله، ولا نفكر من منطلق القوميات المختلفة. كما ونكرر الأمر ذاته عندما يتعلق الأمر بالإسلام وربما أيضاً عندما يتعلق الأمر بالقمع والاضطهاد. ولكن، عندما قدمت مشاركة أخرى نفسها، واسمها رنوة، يصبح من الواضح أن هوية المرأة من الشرق الأوسط غالباً ما تكون معقدة بشكل لا يصدق.
“أنا رنوة يحيى. لقد أصبح من الصعب جداً بالنسبة لي أن أقول من أين أنا، وعلى نحو متزايد. أنا لبنانية عراقية مولودة في نيجيريا؛ ترعرعت في لبنان وأمضيت السنوات التسع الأخيرة من حياتي في القاهرة. أنا متزوجة من رجل فلسطيني مصري كما أنني أم لطفلين صغيرين جداً. مرة أخرى، نجد أنفسنا نقف ربما ليس فقط بين التقليد والحداثة، وإنما أيضا بين القوميات والاختلافات الثقافية والحضارية التي غُرزت في الشرق الأوسط من خلال سياسات السنوات العديدة الماضية. ولكننا نستطيع من خلال الإنترنت أن نعبر عن أنفسنا عبر الحدود، ونتجاوز الهويات والمفاهيم الثقافية. لا يمكنني قراءة مدونة رنوة لأنها باللغة العربية، ولكنها أداة تعليمية للشباب وتُظهر رغبة في الوصول إليهم من خلال وسائل الإعلام الخاصة بهم.
ترتدي المدونتان المصريتان الأكثر إنتاجاً حجاباً وملابس تقليدية، أي ملابس حديثة – تقليدية ، ملونة وغير ﻤﻘﻴﺩﺓ للحركة، تغطي كامل الجسد.
فمن وجهة نظرهما الخاصة ومن مدونتهما، فلقد باشرتا في السعي الجريء لتحقيق حرية التعبير في المجال الديمقراطي في مصر – وهو مجال صغير وضيق جداً . إنه صغير جداً في الواقع لدرجة أنني أخترت أن لا أذكر أسماء هاتين المرأتين، واكتفيت بمجرد الإشارة إلى مدونتهما فقط.
اسم أحد هذه المدونات “التعذيب في مصر” وهي أيضا مكتوبة باللغة العربية. تتضمن المدونة هذه وثائق مأخوذة من مراكز الشرطة في القاهرة تحتوى على صور ووصف لأصناف التعذيب التي تعرض لها الناس في أماكن مختلفة. يمكن النقر على أي مركز للشرطة ومشاهدة ما حدث هناك بالضبط، فضلاً عن عرض لوثائق مكتوبة أو صور فوتوغرافية أو لقطات فيديو. كما يمكن النقر على أسماء رجال الشرطة المدرجة ومعرفة التهم الموجهة إليهم.
وبطبيعة الحال، فلقد اجتذبت هذه المدونة الكثير من الاهتمام. وتبين، بالإضافة إلى موضوعها الرئيسي، كيف يمكن الاستفادة من الإنترنت لدعم المساعي الديمقراطية، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية. ليست تلك الديمقراطية التي تُفهم على أنها المساواة بين الجميع في الحصول على المعلومات فحسب، ولكن باعتبارها محتوي يصعب على الحكومات السيطرة عليه و القائم عليه مستخدمي الشبكة ومنتجي المعلومات عبر الانترنت من الشباب الأذكياء.
وينطبق الشيء نفسه على المدونة المصرية الأخرى (كلنا ليلى) هذا الموق ع لا يعتبر موقعاً سياسياً بشكل مباشر كما هو موقع ؛ ولكنه بدلاً من ذلك يتحدث عن المشاكل التي تواجه المرأة يومياً. أحد المواضيع التي اجتذبت معظم الاهتمام في هذا اللقاء هو ظاهرة الرجال الذين يتحرشون بالمرأة التي تتنقل بواسطة المواصلات العامة. لقد كانت هذه المسألة الملحة واحدة من القضايا التي لا يمكن التحدث عنها صراحة؛ ورغم ذلك، فلقد تم التعبير عنها ومناقشتها في المدونة بنجاحٍ باهر، ليس من قبل النساء فحسب، بل أيضا من قبل الرجال الذين يؤيدون قضية نضال المرأة المصرية من أجل حقها في أن تكون قادرة على التحرك أمام أعين الجميع وعلى نحو واسع من دون التعرض للمضايقات. لقد أصبحت مدونة “كلنا ليلى” منتدى يتم من خلاله طرح القضايا النسوية، حيث يمكن للنساء أنفسهن أن يضعن هذه القضايا في السياق الواقعي للمجتمع المصري الحديث الذي يعيشن فيه.
وبالإضافة إلى ما ذكر، يوجد عدد من المُدَوَّنات الأخرى: فهناك مدونة من الرسوم المتحركة، وهناك مُدَوَّنات تُظهر خرائط للهجمات الإسرائيلية على لبنان، وأخرى تحتوي على القصائد والأشعار، وغيرها تحتوي على الصور. وبشكل عام، هناك مجموعة من المواضيع المختلفة التي تعكس تنوع المرأة التي تعيش في الشرق الأوسط وتوفر نظرةً ثاقبةً وتفهماً عميقاً للوضع السياسي، وتعطي أيضا صورة حقيقية للحياة الواقعية للمرأة – صورة ربما لا نعرفها جيداً.
مدونتان دانماركيتان هما كريستينا جولين وفيكتوريا فندل سكوسن. تقوم هاتان المرأتان بدراسة العالم من خلال مزيج من النصوص والصور، والأفكار والتأمل والنهج الغنائي للحياة اليومية، والحياة في المحيط الحضري، ومن خلال الصورة الأكبر للسياسة التي تُشكلنا.
لقد كان من المثير للاهتمام أن أشهد هذه الاجتماعات التي جرت خلال ورشة العمل ولمدة ثلاثة أيام؛ اجتماعات بين نساء كانت تقرأ مدونات بعضهن البعض لسنوات ومع ذلك تقابلن لأول مرة هنا في ورشة العمل هذه، فتحدثن معاً ونمن في غرفة واحدة لأن الروابط بينهن كانت متينة جداً. وقد كان أمراً ممتعاً خوض تجربة غامرة بالنسبة لي كسيدة دانمركية، معتادة على التفكير بطريقة مختلفة، حيث كنت في مواجهة نساء لديهن أجندة سياسية ثابتة وحيث يتوجب علي قبول ذلك بالرغم من أن أجندتنا “أكثر ليونة”، ولكن على ذات القدر من الأهمية.
خلال الأيام الثلاثة هذه التي قضيتها في القاهرة، في غرفة حجبت الشمس عنها حتى نتمكن من رؤية شاشات الكمبيوتر بوضوح، تم تبادل الخبرة والمعرفة التقنية. ولقد جرى تبادل آخر في المساء، وأثناء التنزه في قارب على ضفاف النيل، وفي مركز ثقافي رائع، وفي السوق والمطاعم والمقاهي ومحلات الشيشة، حيث تحدثنا عن الناس وراء مدوناتنا. لقد أكدت هذه التجارب الأخيرة أن الشراكات والتعاون سيستمران لفترة طويلة بعد انتهاء ورشة العمل.
في مجال التاريخ الأدبي، هناك من يقول اليوم أن المدينة الفاضلة العظيمة (اليوتوبيا) قد ولت إلى الأبد تاركة لنا يوتوبيات محلية صغيرة ينجزها الأفراد. أعتقد أن هذا هو ما أظهرته ورشة عمل المدونات. لا أحد يعتقد أن بإمكانه أن يغير العالم تماماً؛ ومع ذلك، لا يعني هذا الأمر أنه لا يمكن محاولة تغيير زاوية صغيرة منه. خلال ورشة العمل، اتفقت النساء جميعاً على أن يبدأن، بعد انتهاء الورشة، بالكتابة حول موضوع مشترك في كل شهر. وموضوع هذا الشهر هو “أنا في المدينة”.
سوف تلتقي جميع المدونات مرة أخرى في شهر نوفمبر في مدينة كوبنهاغن للحديث عن تجاربهن والمدونات والناس وراء المدونات في منتدى مفتوح لا يقتصر عليهن. ومن غير المرجح أن تهبط طائرتهن في الدنمارك في منتصف عاصفة رملية. ومع ذلك، فنحن جميعاً، وبطريقة ما، عبارة عن حبيبات افتراضية من الرمل، تشكل نمطاً أكبر من ذلك بكثير عند الهبوط.