حقائق

القانون المدني : الإستثناء التونسي

  • في 13 من شهر أغسطس عام 1956, وبعد ثلاثة أشهر من إعلان الإستقلال تم إعلان القانون المدني المشهور بمجلة الأحوال الشخصية. هذه الوثيقة القانونية الأساسية الخلاقة والتقدمية, تشكل الأساس" لإصلاح ثوري في قانون الأسرة " وفقا للمؤرخة التونسية صوفي بيسيس.
  • يمنع القانون (مجلة الاحوال الشخصية) تعدد الزرجات, ويعاقب من يخالفه بالغرامة والسجن, بالإضافة إلى تطليق النساء.كما أعطى القانون حقا متساويا للنساء والرجال في الحصول على الطلاق, ومنذ ذلك الحين أصبح لزاما على الزوجين  في المستقبل, الإفصاح عن موافقتهما الصريحة على الزواج.
  • هذا القانون الذي يجعل تونس استثناء في العالم العربي, لم يكن خالٍ تماما من التمييز الممارس ضد النساء: فلا تزال هناك عدم مساواة فيما يخص قانون الإرث, بالإضافة إلى منع المرأة المسلمة من الزواج من رجل غير مسلم, تم إقراره عبر مذكرة وزارية في العام 1973.

حقائق  

50 عاما من التقدم

  •  1956: الإعلان عن القانون المدني ما يعرف بمجلة الأحوال الشخصية, الذي يحدد الوضع القانوني للتونسيات.
  • 1986 : تأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.
  • 1991 : الحملة الأولى للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات, الموجهة ضد الإعتداء الجنسي, قبل افتتاح مركز للنساء , لإستقبال التونسيات اللواتي تعرضن للإعتداء عليهن.
  • 1993 : دعم وتقوية الحقوق المنصوص عليها في مجلة الأحوال الشخصية, خصوصا مسألة المساواة بين الزوجين.

 

لم تتعرض طرقات مدينة حمام سوسة ، هذه المدينة التي يسكنها ٣٧٠٠٠ نسمة، والواقعة على الساحل التونسي، على الإطلاق لمثل هذه الإضطرابات التي لا مثيل لها . في ١٩ من يناير تجمعت مجموعة من الأشخاص أمام مقهىLe Relais
، بالقرب من دار البلدية ، لعقد إجتماعا في الخارج، إنه الإجتماع الأول بعد سقوط بن علي. إنها المدينة التي وُلِد فيها الرئيس السابق زين العابدين بن علي.لقد تم خلعه قبل خمسة أيام ، والثورة تسير على قدم وساق في المدينة .” يسقط  التجمع الدستوري الديمقراطي !”,  ” نطالب بحل التجمع الدستوري الديمقراطي”, ” التجمع الدستوري الديمقراطي رمز الفساد”. هذا ما كُتب على اللائحات . إنها عبارات موجهة ضد الحزب الحاكم السابق المكروه في جميع انحاء البلاد.
على الرصيف تم استخدام طاولة كمنصة للخطابة. يقف الناس في شمس الشتاء الشاحبة ويستمعون لجميل م. سالم رئيس فرع سوسة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH) وعضو مجلس المدينة المؤقت في حمام سوسة. وهو يطالب بأن يتم تحويل القاعات و جميع ما في حيازة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ” وإعادتها إلى البلدية “. خطاب مرتجل يتبع الآخر , وجميعهم رجال.لكن فجأة تقدمت إمرأة نحيفة ، مرتدية سترة وبنطال, وصعدت على الطاولة.
بدأت حديثها  قائلة ” دعونا نتوقف عن الانغماس والتمرغ في الثورة, إنها ليست ملكا لأحد. دعونا نتوقف عن الهتاف ” ليسقط حزب التجمع الدستوري الديمقارطي “, من الخطأ المطالبة بحله ” . الجمت الدهشة الحاضرين. وواصلت هي غير نادمة,” حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ليس ملكا للمجرمين فقط …” بدأت الآن صرخات الإحتجاج ضدها تتعالى, لم تهتم هي لذلك وواصلت , ” لقد حطم حزب التجمع الدستوري الديمقراطيه نفسه بنفسه, ليس هذا ما يشكل خطرا, بل الفراغ الذي تركه.من الضروري أن يكون هناك برنامج للإصلاحات الإقتصادية, السياسية و الإجتماعية.إن هذا ما نحن بحاجة اليه بالفعل…”.
بعد أن انتهت من موجة الشجاعة التي انتابتها, نزلت عن الطاولة، و على الرغم من أن صوتها لم يرتعش ولم تبدو عليها علامات القلق, الاّ أنها كانت في حالة ذهول, ليس بسبب ردة فعل الموجودين فقط،  بل ربما بسبب شجاعتها ذاتها.
في مجتمع كالمجتمع التونسي , الذي لا تزال تسيطر عليه الشوفينية الذكورية والعداء للمرأة , ينبغي أن يكون المرء متحمسا جدا للقضية , كي يتقدم بهذه الطريقة, ويقوم بالتعبير عن رأيه، المخالف لرأي الحاضرين المتواجدين في المكان.
بثينة برجاوي, 43 عام, زوجة وأم, مُدرّسة لمادة الإجتماع في مدرسة ثانوية في حمام سوسة, رمت بنفسها في خضم هذا الأمر دون تفكير. لقد أظهرت خلال دقائق قليلة شجاعة غير عادية. شجاعة يحصل عليها المرء بسبب رغبة لا تُقهر في الحرية. ” لقد كنت عصبية “, قالت معترفة.
كانت ابنتها مايسة ذات الـ 14 عاما , هي مَن قام بتعريفها قبل عام مضى على شبكة التعارف الإجتماعي الفيس بوك. لكن اهتمام بثينة بالسياسة جاء عبر طرق تقليدية . كان والدها الذي قدم من سليانة في وسط تونس ناشط في حزب الدستور, وقد علمها في بداية الأمر عن كبار الشخصيات في التاريخ الوطني التونسي, إبتدأ من الشيخ الثعالبي الذي أسس حزب الدستور القديم في العام 1920, إلى رجل النقابات فرحات حشاد, الذي كان القائد الأول للإتحاد العام التونسي للشغل, والذي قُتِل في ديسمبر من العام 1952 من قِبل منظمة فرنسية إرهابية تدعى ” اليد الحمراء “.   
حوّّّل بن علي حزب التجمع الدستوري الديمقارطي إلى مسخ , ” محرف تماما “مقارنة بالحزب القديم, الحزب الأسطورة, أوضحت قائلة. ” على هذا النحو يعتبر حزب التجمع الدستوري الديمقراطي , جزء من إرثنا. لم يعد له وجود كحزب للدولة  , لقد مات مع نظام بن علي “. تشعر بثينة بالمهانة عند التفكير بأن البعض قد يراها كمؤيدة للحزب المكروه.
بثينة عضو في الاتحاد العام التونسي للشغل وناشطة لسنوات عدة في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان , وهي ليست متطرفة , بل هي أقرب إلى ” المسالمة “, قالت وهي مبتسمة. خلال حرب الخليج الثانية في العام 1991 تحدثت في الجامعة أما حشد من الطلبة . لم يحدث الخطاب ضجة في ذلك الوقت. الرجال في حمام سوسة  أو على الأقل  بعضهم ,لم يتبعوا قواعد اللعب، ثم قالت مواصلة لحديثها، ” ينبغي فعل شيء تجاه الشيفونية الذكورية, لكن شيئا فشيئا “.عندما هدأ الجو الساخن الناتج عن الإجتماع , عادت الحياة إلى نمطها الطبيعي, حتى المرة القادمة ….

 تجمع الشجاعة

أن يستجمع المرء شجاعته ويفعل ما عقد العزم عليه، هذا ما فعلته  نبيلة ناصري البالغة من العمر 30 عاما . في البداية لم يكن يبدو عليها  ما يوحي بأن شيئا ما سيحدث. لقد كان في نهاية شهر رمضان في العام 2002. في ذلك اليوم اتخذت الخادمة الضغيرة من مدينة غار الدماء الواقعة في ولاية جندوبة القريبة من الحدود الجزائرية , قرارا لا يُصدق. لقد قررت ترك زوجها والانتقال إلى تونس مع إبنتها الصغيرة.
كان عمر نبيلة الناصري في ذلك الوقت  22 عاما.وكانت  متزوجة  منذ عامين من أحد أقاربها من ناحية الأم، وكانت تعيش حياة فارغة, مثلها مثل الكثير من التونسين اللذين يعانون من الفقر والبؤس.
الأب الذي هاجر إلى مارسيليا وعمل في البناء, مات بعيدا عن أحبائه وترك خلفه زوجة وسبعة أطفال. بالرغم من أن مسألة الذهاب إلى المدرسة منتشرة كثيرا في تونس وأكثر بكثير وأفضل مما هو عليه الحال في المغرب والجزائر لكن هذا لا يشمل الجميع. في العام 2002 كانت نسبة الأطفال اللذين يذهبون إلى المدرسة 92.1 بالمائة من الأطفال بين سن 6 و 14 عاما, والنسبة متساوية بين الذكور والإناث.
نبيلة وأشقائها وشقيقاتها كانوا من ضمن النسبة الأخيرة، أي الثمانية بالمائة التي لا تذهب إلى المدرسة. صحيح أن المدرسة مجانية , لكن ينبغي على المرء أن يشتري الكراسات و الأقلام.” لقد كان هذا مكلفا جدا, حتى إخوتي لم يذهبوا إلى المدرسة”, قالت المرأة الشابة متنهدة.
في الوقت الذي كان فيه الأخوة يعملون بأجرة يومية , ارسلت الأم  نبيلة الصغيرة وأكبر شقيقاتها إلى تونس. وأصبحت نبيلة خادمة مقيمة، أي مساعدة منزلية طوال الوقت, تعيش في بيت من تعمل لديهم, واللذين تصفهم بأنهم ” أناس طيبون”. قضت نبيلة ثلاث سنوات في تونس، دون أن تخرج إلى خارج المنزل مرة واحدة. كانت ترسل راتبها لوالدتها دون أن تتذمر من شيء, على العكس فهنا لا تشعر بالبرد أو الجوع. وكنوع من الترف الكلي لديها غرفة خاصة بها , وعندما علمت بأنها ستتزوج من  قريبها لم تحتج أو تعترض.

لقد مر الأسوأ

” في البداية كنت راضية بفكرة الزواج، أن أصبح سيدة نفسي، أن يكون لي بيت وأطفال …” . هل يتحتم عليها العودة إلى مدينة غار الدماء ؟ أجل لقد عادت. أشترط زوج المستقبل، بأن تتوقف عن العمل، وفعلت هي ذلك. .لم تستاء من كونها ستعيش في فقر عند أهل زوجها، كما لم تتذمر أيضا من كون زوجها عاطل عن العمل . لقد تقبلت كل شيء، إلى أن جاء اليوم الذي تعب فيه زوجها من سماعها تتحدث عن تونس، فنزع حزامه وقام بضربها. ” لقد أُصبت بالذهول ” ، تذكرت قائلة.ربما وُلِّّدت الرغبة في  الهرب في تلك اللحظة.
نبيلة إمرأة صبورة، وقد انتظرت ولم ترحل حتى نهاية شهر رمضان في العام ٢٠٠٢. وافق زوجها على أن يصطحبها لزيارة أمها ـ التي تعيش على أطراف الجهة الأخرى من المدينة ـ بمناسبة العيد، كما تقتضيه العادات والتقاليد.ضايقه الأمر لكنه لم يشك في شيء على الإطلاق . رافق نبيلة وإبنتهما الصغيرة ياسمين إلى بيت أمها. ” عندما وصلت بيت أمي، أخبرت أسرتي بأنني لا أريد العودة إلى منزل زوجي.أريتهم الكدمات الزرقاء الناتجة عن الضرب، والتي كانت تغطي كل جسدي. وافق إخوتي على بقائي، وقررت أن أحصل على الطلاق”، قالت المرأة التي تسكن اليوم في تونس مع إبنتها الصغيرة و زوجها الجديد.
الحق المتساوي في الحصول على الطلاق هو استثناء تونسي، على عكس المغرب والجزائر التي حافظت على تمتع الرجل وحده بهذا الحق، لكن بدرجات متفاوتة، لذا تستطيع النساء الحصول على الطلاق هناك، وفقا لشروط  معينة فقط. أما في تونس ووفقا للقانون الصادر عام ١٩٥٦للمرأة نفس الحق في الطلاق كالرجل.
في حالة نبيلة أخذت المحكمة وقتا ، لكن انتهى الأمر بمساندة  طلبها.حُكم على زوجها السابق وبعد قضية أستمرت أربع سنوات بدفع نفقة .قالت نبيلة ” لم يقم في حقيقة الأمر بدفع أي شيء لي، لكنني لم أقم بالمطالبة بها، لدي إبنتي وحريتي وهذا هو الأهم “.
” ثورة يناير ؟ ” هزت كتفيها قليلا. بسبب النهب فقد زوجها الجديد عمله. حدث سلب في الدكان حيث كان يعمل .لا يبدو عليها القلق فهي تعرف كيف يستطيع المرء توفير الطعام .” لو كنت بقيت في غار الدماء، لم اكن سأحصل على الطلاق،سيكون الضغط شديدا جدا ” قالت مكررة ما قالته من قبل.
أنجبت ولدا في بيتها الجديد في تونس، ” ياسمين أختارت إسمه: آدم” أبتسمت الأم. إنها فخورة بإبنتها التي أعطتها أخا صغيرا، والتي تذهب إلى المدرسة ، وهي الآن في الصف الثالث. ” طفلان هذا يكفي “، قالت مضيفة.
من الممكن أن لا تكون نبيلة قد ذهبت إلى دار السينماء أو إلى أحد المطاعم ولم تصوت مطلقا ولا تستطيع القراءة أو الكتابة ، لكن تم إطلاعها على وسائل منع الحمل، وكجميع التونسيات اللوتي في مثل سنها، تستعمل نبيلة حبوب منع الحمل.
يوم الأحد ١٦ من شهر يناير ، تظاهرت نبيلة في حيها السكني، هي وجيرانها، ببينما هي تنادي ” لا لبن علي” تضحك نبيلة فقد مر الأسوأ بالنسبة لها ولإبنتها.

الثلاثاء الـ ١١ من يناير تم الإعتداء بالضرب على المخرجة المسرحية رجاء بن عمّّّار، البالغة من العمر ٥٧ عاما، جُرّّّت  من شعرها ووُصِفت بكلمات مهينة من قِبَل مجموعة من رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية ، وذلك عندما حاولت التظاهر مع مئات من الفنانين الآخرين في وسط تونس. ” إنني من هنا، هذه بلدي ” صاحت في وجه رجال الشرطة . بعد ذلك بثلاثة أيام سقط النظام، وبدأ فصل جديد لخالقة Mad art Carthage ، ﴿مسرح في شمال تونس﴾. الشيء نفسه ينطبق على عزالدين قنون و ليلى طوبال من مسرح الحمراء، و توفيق جبالي و زينب فرحات، القوة المحركة في التياترو. ” مجموعة من العصابات، وضعت أيديها القذرة على تونس لمدة 23 عاما.لقد انتهى هذا الأمر الآن, لكنني لا اشعر بالارتياح بعد. يجب أن تذهب جميع الأحوات الكبيرة من النظام السابق”, حذرت رجاء بن عمار , عضو اتحاد الفنانين الأحرار الذي قام بوضع بيانه في الفيس بوك.
كانت المرة الأولى في العام 2002 . عندما  قامت مجموعة من رجال الشرطة ترتدي ملابس مدنية بالوقوف أمام سيارتها كي يمنعوها من السير .كانت في طريقها لحضور إجتماع بالقرب من وسط مدينة تونس.أخفضت زجاج نافذة السيارة وسألت, مالذي يحدث ؟ متظاهرة بأن كل شيء على مايرام. تلقت صفعتين عنيفتين , حدث هذا كله في الوقت الذي انهالت فيه الضربات على سقف وباب سيارتها, بينما انهالت الضربات حتى تمكنت من  كسر سقف وباب سيارتها.” لقد كانت لدى الجرأة كي أسأل “, قالت مندهشة.
مواجهات من هذا النوع جربتها كثيرا, دون أن تفكر في خفض اندفاعها على الإطلاق. ” الكثير من الناس جربوا ما هو أسوأ من هذا آلاف المرات”, قالت مختتمة حديثها.

خديجة شريف( إلى اليمين), داعية للمساواة بين الجنسين وناشطة. 
خديجة شريف في الـ 60 من عمرها والحقوقية سناء بن عاشور كلتيهما من الشخصيات التاريخية في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات, مجموعة نسوية  تم تأسيسها في العام 1989 في تونس, بعد عامين من تولي بن علي السلطة. أصبحت خديجة شريف الشغوفة بعلم الإجتماع والأدب ناشطة خلال حكم بورقيبة في العام 1982,اشتركت في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان, أقدم منظمة لحقوق الإنسان في العالم العربي.” لقد كان يُنظر الينا كغرباء, كبعض غرباء الأطوار”
كان الناس يقولون: ” هذا لن يجدي نفعاً ” لكنني أعتقد على الرغم من ذلك , بأننا تركنا أثرا” قالت مؤكدة. ” على الرغم من الصمت كان التونسيين يعلمون بأننا موجودين ” وهذا ما غير كل شيء.

معالم الحداثة

وُلدت خديجة شريف في “عائلة برجوازية متنورة ” كما عبرت هي عن ذلك. لم تدع نفسها على الإطلاق  تُخدَع  بتلويحات السلطة ” لقد تاجر بقضية المرأة  التونسية بنفس الطريقة التي خلق بها الخوف من الإسلاميين: ملاحقات صرفة للناس. لم يكن لديه أي حس سياسي, أية خطط إجتماعية. صلوات مزيفة, تديّن كاذب وكلمات فارغة في التلفاز هذا كل ما كان يقوم به “، قالت بإستياء. كانت تتحدث عنه بصيغة   

 الماضي. ” إننا نعيش اليوم ولادة جديدة “.
أُنتخبت خديجة شريف كسكرتير عام للإتحاد الدولي لحقوق الإنسان, الذي تترأسه إمرأة تونسية أخرى , سُهير بالحسن, وهي تتمنى أن يأخذ  “شباب ـ جيل الفيس بوك ” محلهم ويقومون بدورهم في  “حماية الحداثة “, التي من الصعب جدا الوصول اليها.
المحامية بُشرى بالحاج حميدة البالغة من العمر 55 عاما , دخلت الفيس بوك في العام 2008 وبشكل تام وكلي ككل شيء تفعله.
أول عمل ملفت للإنتباه قامت به في العام 1984.كمحامية تحت التمرين تم إختيارها وتعيينها   للدفاع عن المحكوم عليهم بالإعدام, واللذين تم القبض عليهم بعد ” إنتفاضة الخبز ” في عهد بورقيبة. أصابتها صدمة شديدة لمصير العشرة الشباب . لقد حُكم عليهم بالموت شنقا.لم يعارض أحد أو يقوم بإتخاذ موقف، عدا مجموعة صغيرة من الأصدقاء, منهم خديجة شريف وسُهير بلحسن.” لقد توجهت إلى المحامين, الناشطين …. دون جدوى. لقد واجهني البرود والعداء” , قالت متذكرة.” إن كانت لديَّ شجاعة فهي ليست في نطاق السلطة, لكن في نطاق المعارضة “.
تنحدر  بُشرى بالحاج حميدة من أسرة متواضعة الحال من زاجوان الواقعة في الجنوب التونسي, وهي ليبرالية متحمسة, تعبر عن نفسها بطريقة راديكالية ولها ضحكة صاخبة, كانت في السابق تشغل منصب رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات,ومن الشخصيات القيادية في الساحة التونسية, وهي تشعر بالتوافق مع الثورة التونسية ” الشيء الوحيد الذي أخشاه هو نظام النسق الواحد: أن نتوجه من ” نعم نعم لإبن علي” إلى ” كلا كلا لإبن علي” …”
الخميس 30 ديسمبر يوشك مشاهدي قناة نسمة أن يتلقوا صدمة شديدة. القناة التلفزيونية الخاصة , التي من الناحية النظرية مقيدة في تغطيتها كغيرها من وسائل الإعلام الوطنية, بدأت هذه المحطة فجأة تتحدث عن تحول  سيدي بوزيد إلى مرجل يغلي بالثورة, وذلك بعد أن أشعل بائع خضار شاب النار في نفسه هناك، قبل 14 يوما. قام فريق قناة نسمة بتصوير المدينة . ” كشف الناس عن التعتيم الإعلامي والفساد, وأشاروا مرارا وتكرارا بأن الثورة لا تتعلق بالخبز , بل بالكرامة “, هذا ما روته المنتجة ريم سعيدي البالغة من العمر 36 عاما.
في استديو القناة الخاصة توقف الضيوف أيضا عن الهراء , ونال البرنامج الذي سُجل يوم الأربعاء 19 يناير نجاحا ساحقا ” .أعطاني نبيل قروي ( رئيس المحطة) الضوء الـخضر . كان يعلم بأن في هذا مخاطرة . إنني أُحيي موقفه هذا”, أضافت المرأة. بالطبع قامت السلطات بالرد على هذا , وأرسلت  رجال الإستدعاء ومجموعة من رجال الشرطة المسلحين, لكن كان الأوان قد فات. انتشرت المعلومات بسرعة عبر الانترنت وتسجيلات الهواة  دون أية صعوبات تذكر.  بطريقتها الخاصة أشعلت قناة نسمة فتيل ثورة الإعلام.
” عندما شاهد والدي البرنامج التلفزيوني, أصابه القلق الشديد قال لي : ريم عليك بالرحيل والإختباء في تطاوين ” لكنه كان أيضا يشعر بالفخر”, قالت المنتجة التي كان اسلافها بربر من جنوب تونس.
والدها المتواضع المنشأ, يعمل كمدير لمصنع ملابس. لم تكن ريم السعيدي تهتم كثيرا بالسياسة, كانت مؤمنة, لكنها لا تمارس الشعائر الدينية الإسلامية, وكانت نشأتها بعيدة عن محيط الناشطين. كجزء كبير من الشباب في مثل سنها, كان الفيس بوك قد لعب دورا في تغييرها ” لقد رحل بن علي , لكن النظام لا يزال موجودا حتى الآن. لقد عشنا 23 عاما تحت حكم شخص مضطرب العقل (سيكوبات), الأمر الذي لن يختفي بين ليلة وضحاها. أشعر بالراحة, لكنني لا أشعر بأنني حرة. إنه أمر يأتي بالتعلّّّم. هل سيكون بإمكان التونسيين خلق شيئا جيدا وجميلا؟” تسألت المرأة المعجبة بالأدب الأمريكي و الأفلام الكورية.” كيف ينبغي أن يقوم المرء بترجمة هذه الحاجة إلى الحرية , وهذه الرغبة في الكرامة؟ أعتقد أنه سيكون من المجدي التقدم إلى الأمام بحذر”.