صندوق الحقائق

دور النشر البيروتية

بيروت هي عاصمة لبنان ويبلغ عدد سكانها حوالي 1.9 مليون نسمة. تضم المدينة حوالي 400 دار للنشر.
 
لجأ الكثير من الكتّاب من مختلف أنحاء الشرق الأوسط على مدى سنوات عدة للبحث عن ملجأ في بيروت، التي تُعد بمثابة ملاذ شرق أوسطي للأصوات المعارضة.
 
الحكومة اللبنانية ديمقراطية بشكل أساسي، وميزان السلطة مقسم بين المجموعات الطائفية العديدة في البلد. 
 
بفضل موقع لبنان على البحر الأبيض المتوسط، فقد خدم كبوابة رئيسية للغرب للدخول إلى دول الشرق الأوسط الأوسع. بقي الوجود الفرنسي في لبنان حتى العام 1943. تُعد بيروت أيضًا مركز تاريخي للعولمة.
 
 

«نعم، بالطبع. من هنا،» قال صاحب المكتبة راسمًا ابتسامة عريضة على وجهه، كشفت حقيقة أنه سُئل هذا السؤال مرات عديدة من قبل. قام متثاقلاً من خلف مكتبه وقادنا بطريقة روتينية معتادة عبر واحدة من أكثر مكتبات بيروت ازدحامًا بالكتب إلى رف حافل بكتب أحلام مستغانمي. التي لا يُعرف عنها الكثير في الغرب، إلا أن هذه المرأة الجزائرية هي دون شك الكاتبة الأكثر رواجًا من ضمن كتّاب العربية اليوم، وثمة طلب كبير على كتبها يمتد من أبو ظبي إلى تونس.
 
تكتب أحلام مستغانمي روايات عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وعن الحب، وقليلاً عن الجنس. وتكتب أيضًا عن القومية وكفاح العرب من أجل الاستقلال. وأياً كان موضوعها، فإنها تُحيطه دائمًا بإطار من قصص الحب الملحمية الرومانسية. ومع ذلك، حين خطت روايتها الأولى في العام 1993 – بعنوان «ذكريات الجسد» – أثار قيام امرأة بالتطرق إلى مثل هذا الموضوع الكثير من الخلافات، ولم يخل نشر عملها الأول من مشاكل.
 
تُعتبر مستغانمي اليوم واحدة من أكثر الكتاب الأحياء مبيعًا في العالم العربي. وقد بلغت شعبيتها حدًا دفع الرجال الذين يغارون منها إلى نشر شائعات تقول أنها تستخدم أشخاصًا آخرين لكتابة رواياتها، وذلك لأنه لم يكن مقنعًا بالنسبة لهم أن يكون خلف هذا النجاح الكبير امرأة. ووصلت شهرتها إلى حد حضور أكثر من 1000 شخص حفل توقيع كتابها الأخير، والذين انتظروا لأكثر من ست ساعات ليحظوا بفرصة مقابلتها. وهي مشهورة لدرجة أن النساء السعوديات اعتدن السفر إلى لبنان لشراء كتابها وقراءته هناك قبل العودة إلى السعودية.

ملاذ ثقافي

يقول المثل العربي الذي كان صحيحًا في يوم من الأيام – «القاهرة تكتب، وبيروت تنشر، وبغداد تقرأ». أما اليوم، فإن الكتاب السوريين والفلسطينيين هم الأغزر كتابةً في العالم العربي، في حين أن السعوديين – وخاصة النساء السعوديات – هم الأكثر تعطشًا للقراءة. لكن بيروت ما زالت تواصل النشر. حيث بقيت لبنان، منذ تأسيسها كدولة مستقلة، وهي دولة صغيرة يسكنها قرابة أربعة ملايين نسمة، منفصلة عن العالم العربي بسبب توجهاتها الليبرالية.
يقول عماد سلامي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، «لقد تطور ملاذ ثقافي وأيديولوجي هنا. بيروت منفتحة للغاية ومدينة عالمية. التنوع الهائل هنا يتم التعبير عنه بالتباين الديني والاجتماعي.» 

هذا ما أدى إلى ازدهار صناعة النشر. وهناك ما يقارب 400 دار نشر مسجلة في بيروت، يتعاون العديد منها مع مكتبات في مختلف أرجاء العالم العربي. وعلى الرغم من وجود اختلاف طفيف في اللغة العربية المحكية بين بلد وآخر، فإن العربية المكتوبة هي نفسها في جميع الأماكن. وهذا يعني أن في الإمكان إصدار النشرة ذاتها في 17 دولة عربية من دون أي نفقات إضافية. المصري نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، والسعودية رجاء الصانع (مؤلفة كتاب «بنات الرياض») وأحلام مستغانمي سابقة الذكر هم أمثلة على كتّاب لديهم شيء عزيز على قلوبهم لا يستطيعون الكتابة عنه بحرية في بلدهم. ما دفعهم إلى الاتصال بناشرين في بيروت لنشر أعمالهم.

مثلث المحظورات

في الطابق الثالث من مبنى جنوب بيروت تقع دار الآداب للنشر. التي تأسست في 1956، كان موقع الشركة في الأصل في وسط المدينة، لكن حين نشبت الحرب الأهلية في 1975، وأدت إلى تسوية مركز المدينة بالأرض، انتقلت الدار إلى الضواحي. وواصلت الدار نشر الكتب خلال الحرب، على الرغم من استمرارها 16 عامًا، الأمر الذي  أجبر مئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين على الهرب من البلد.
 
تقول رنا إدريس، المديرة الحالية للشركة، «يتعين عليك أن تعمل من أجل ما تؤمن به وترك الآخرين يقومون بالشيء نفسه، حتى في الأوقات العصيبة.» 
 
أسس والدا رنا إدريس دار النشر بهدف نشر اللغة والثقافة العربية. حتى هذا اليوم، مازال القاموس الفرنسي- العربي، الذي وضعه والدها في فترة ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط، يشكل العماد المالي للمؤسسة. ولأن القاموس ما زال رائجًا بشكل جيد، فإن في وسع الشركة المخاطرة بنشر الأعمال الأدبية التي تختارها. وتبين رنا إدريس، بأنهم في المؤسسة غير مهتمين، كقاعدة عامة، بالكتب الأكثر مبيعًا تحديدًا. محور اهتمامهم، هو الأدب الجيد من كتّاب لديهم شيء مهم للكتابة عنه- عادة عن الجنس، والدين، والسياسة. «مثلث المحظورات»: كما تسميه.
 
ما يحظى بأهمية خاصة ورواج واسع، مواضيع مثل اضطهاد المرأة، وتعاطي المخدرات، وعدم المساواة في الفرص التي تواجه الرجال والنساء. وتبين رنا إدريس بأنه ما زال هناك بعض المواضيع المثيرة للجدل التي يصعُب نشرها:
تقول رنا إدريس، «كلا، ذاك هو الهدف الرئيسي لدار النشر هذه. طالما أن العمل الأدبي جيد، فسوف ننشره. لكن بالطبع، الكتب ذات التوجه اليساري والتي تقدم نهجًا نسائيًا للعالم هي التي تهمنا أكثر. فقد كان هدفنا، منذ البداية العمل من أجل أمة عربية حرة ومستنيرة.» 

الرقابة الذاتية الدينية

تشرح سميرة أغاسي، أستاذة الآداب في الجامعة اللبنانية الأميركية الوضع قائلة، «في حين أن القيود على ما يمكن كتابته عن أدوار الجنسين، والعلاقات الاجتماعية، والجنس باتت أخف بكثير مما كانت عليه قبل بضع سنين، فإن العكس صحيح فيما يتعلق بتقبل نقد السلطة العسكرية، والدين، والتطرف الديني.»

روابط


تضيف سميرة أغاسي، «النساء أكثر حضورًا في المناقشات الاجتماعية. يمكنهن الجهر بما يعتقدن، وللعديد من النساء بشكل خاص صوت مسموع في مواضيع مثل الإثارة الجنسية، والمساواة، وانتقاد الأعراف الاجتماعية. إلا أنه ما زالت هناك بعض القضايا الملحة التي لم يتم تناولها بعد. وسبب ذلك، في رأيي، هو الدين. وهو الموضوع الذي يرى الكثيرون أنه ما زال مثيرا للخلاف.»
 
وفقًا لأغاسي، فإن هذا هو السبب الكامن خلف المستويات العالية من الرقابة الذاتية بين الكتّاب، الذين يعرفون عواقب انتقاد الأشخاص الخطأ، على الرغم من رغبتهم في الخوض في مثل هذه المواضيع. الفتوى الداعية إلى إعدام سلمان رشدي واغتيال الصحفي والكاتب اللبناني سمير قصير هما مجرد مثالين عن العواقب التي قد تنجم عن الإصرار على استعمال حقك في التحدث بحرية. العديد من الناس ليسوا ببساطة مستعدين لمواجهة هذا النوع من المخاطر، وهم بالتالي يبتعدون قدر الإمكان عن القضايا الخلافية والحساسة. ومع ذلك، مازال هناك كتّاب تطغى عليهم رغبتهم في التعبير عن أنفسهم بحيث يتحدون التداعيات المحتملة. 

أرملة غاضبة في الستين من العمر

«ما الذي يفترض بي أن أفعله بهذه الساعة اللعينة التي لا تكف عن التكتكة بين ساقي؟» هذا هو السطر الأول من كتاب نشرته حديثًا دار هاشيت أنطوان، ومقرها بيروت أيضًا. الكتاب دراما بقلم جمانة حداد، وهي علاوة على كونها كاتبة فهي محاورة اجتماعية معروفة- سواء في الشرق الأوسط أو الغرب. وكانت قد جذبت الانتباه إليها بكتابيها «سوبرمان عربي» و «هكذا قُتلت شهرزاد»، وبشكل خاص عملها في مجلة «جسد»، وهي نشرة باللغة العربية عن الجسد. وقد اضطرت المجلة، بعد بضع سنوات من التوزيع، إلى الإغلاق لأن محتواها الخلافي جعل من الصعب جذب المعلنين إليها. ومنذ دخولها حلبة المناقشات السياسية، تلقت جمانة حداد تهديدات بالاغتصاب والرجم بالحجارة، لكنها لم تكن كافية للجم رغبتها في الجهر بآرائها.
 
آخر منشوراتها الرواية الدرامية «القفص»، وتتحدث عن خمس نساء ومصائرهن المختلفة. الاقتباس أعلاه جاء من امرأة في الستين من العمر، حافظت على نفسها في انتظار الرجل المناسب. في البداية تحول الشعر على رأسها إلى رمادي، تبعه شعر العانة. لكن الرجل المناسب لم يأت قط. الآن وبعد أن أصبحت مسنة وعقيمة، ينتابها الغضب لأنها قضت حياتها كلها تنتظر. الرواية تنتقد بشدة دور المرأة في المجتمع العربي.
 
تقول ليلى جسر موسى، مديرة التسويق في دار هاشيت أنطوان، «إنها حقيقية جدًا وقاسية جدًا. ربما لا تشكل انتهاكًا أو تعديُا بالنسبة للأوروبيين، لكنها تشكل تعديُا بالنسبة للعرب. بالنسبة لهم، الأمر صادم لأنها تتحدث بصراحة عن الجسد وأعضائها التناسلية وعن كل شيء لا يتحدث الناس عنه عادةً. »
 
في حين أن كتب أحلام مستغانمي تباع هذه السنة لأول مرة في المملكة العربية السعودية، فسوف تمضي، على الأغلب، سنوات عديدة قبل أن تظهر كتب جمانة حداد هناك. الكاتبة الجزائرية مستغانمي دمجت تعليقاتها عن حرية الكلمة، والمساواة، والعلاقات الجنسية بطريقة بارعة بحيث لا يمكن العثور عليها إلا بالقراءة بين السطور. في حين تصر الكاتبة اللبنانية على أن تكون مباشرة في انتقادها لوضع المرأة في المجتمع. على مدى سنوات، صُنفت الكاتبتين من بين أكثر 100 شخص تأثيرًا في العالم، ورغم الاختلاف الكبير في طريقة نشر رسالتهن، فإنهن يشتركن في التركيز أساسًا على النساء القويات ولديهن إيمان قوي بأن لهن مكان في عالم الآداب. وبالتالي، فإن في كلا المنهجين مزايا ومبررات، كما تقول رنا إدريس.  
تختتم رنا إدريس حديثها بالقول، «هناك طرق عدة لانتقاد المحنة التي تعيشها النساء. كثيرًا ما تتغلب الكاتبات من النساء على الخوف ويتجرأن على التشكيك في الوضع القائم. يرفضن القبول به، ولهذا السبب يكتبن. نحن لا نكتب لأننا نتقبل الأشياء- نحن نكتب لأننا لا نقبلها. لأننا نأمل في تغييرها.»