عندما تهبط لطائرة لقادمة من عاصمة الفلبين، مانيلا، في مطار كوبنهاغن، فإن هذا يحمل في كثير من الأحيان أنباء طيبة بالنسبة للأسر الدانماركية التي لديها أطفال صغار. فربما كانت إحدى المسافرات القادمات على متن هذه الطائرة إمرأة فلبينية ستقضي الأشهر العديدة القادمة في منزل إحدى الأسر الدانماركية باعتبارها جليسة للأطفال.
فلقد اختار عدد متزايد من العائلات الدانماركية التي لديها أطفال صغار قبول فكرة جليسة الأطفال الوافدة للمساعدة في إدارة المنزل ورعاية الأطفال. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فقد تضاعف عدد جليسات الأطفال الوافدات في الدانمارك على مدى السنوات الخمس الماضية. وتأتي حالياً الغالبية العظمى من جليسات الأطفال من الفلبين؛ وغالباً ما تكون العائلات الدانمركية التي ستستضيفهن في انتظار وصولهن بلهفة وحماس. ويعود السبب في ذلك إلى أنه في بلد تشارك فيه جميع النساء تقريباً في سوق العمل، وحيث تكتب المجلات النسائية باستمرار حول كيفية الجمع بين الحياة الأسرية والحياة المهنية للمرأة العاملة، فإن وجود جليسة الأطفال الوافدة أمر لا يقدر بثمن عندما تحاول الحفاظ على حياة أسرية معقولة وسهلة الإدارة دون المساس بالمهنة وتعريضها للخطر. 
 “لقد قالت امرأة معروفة ذات يوم أن القانون المتعلق بساعات عمل المتاجر الدانماركية (lukkeloven) يعتبر أهم حدث بالنسبة لنساء جيلها. أما بالنسبة لنساء جيلي، فإن أهم حدث هو جليسات الأطفال”.
هذا هو الرأي الذي يشاطره العديد من الدنماركيين. أحد هؤلاء الدانمركيين هي إنجي بيرنيك  (Inge Berneke)  مؤلفة كتاب يدور حول المرأة والمهن، واستشارية لدى شركة “إيغن زيندر الدولية” (Egon Zehnder International)، التي تعمل في مجال توظيف كبار المسؤولين التنفيذيين في وظائف داخل الشركات وفي مجالس إدارتها. “لقد قالت امرأة معروفة ذات يوم أن القانون المتعلق بساعات عمل المتاجر الدانماركية (Lukkeloven) يعتبر أهم حدث بالنسبة لنساء جيلها. أما بالنسبة لنساء جيلي، فإن أهم حدث هو جليسات الأطفال”.
إن ‘Lukkeloven’ هو القانون الدانمركي الذي ينظم أوقات عمل المتاجر في الدانمارك. فبعد سنوات عديدة من تقييد  الدكاكين ومنعها من أن تفتح أبوابها في أوقات المساء وأيام الأحد، فقد تم تعديل هذا القانون للسماح للزبائن بشراء الحليب والخضروات وغيرها من مواد البقالة في أوقات أكثر ملاءمة ومرونة خلال أيام الأسبوع.  

نظام قديم- وجدل جديد

تواجد نظام جليسات الأطفال الوافدات في الدانمارك لسنوات عديدة. في البداية، اعتبر نظام جليسات الأطفال الوافدات هذا على أنه بمثابة برنامج للتبادل الثقافي، لا سيما بين الدول الغربية والأوروبية. من خلاله، يمكن للشباب تجربة العيش في دولة جديدة وتعلم لغتها عن طريق العيش مع عائلة مضيفة يقومون على تقديم المساعدة لها في رعاية أطفالها وتدبير الأعمال المنزلية في مقابل السكن وبعض مصروف الجيب. لقد لبى هذا النظام متطلبات المعنى الحرفي لكلمة ‘au pair’ والتي تترجم إلى “على قدم المساواة”. 
في الماضي، لم يدر حول هذا النظام الكثير من النقاش في الدانمارك، في حين أنه الآن موضوع نقاش وجدل ساخن. ولقد جاء هذا التغير نتيجة تبدل صورة جليسة الأطفال الوافدة بشكل كبير ومؤثر منذ أن فتحت الدانمارك الباب أمام جليسات الأطفال الوافدات من البلدان النامية في التسعينيات. وفور فتح الباب أمام الجليسات من هذه البلدان الجديدة، قفز عدد جليسات الأطفال الوافدات في الدانمارك من 318 جليسة في عام 1996، إلى 2973 جليسة في عام 2008. ويعني التشريع الجديد أن الغالبية العظمى من جليسات الأطفال الوافدات القادمات الآن إلى الدانمارك تأتي في المقام الأول من هذه البلدان النامية، وعلى وجه الخصوص من الفلبين. ولقد دفعت هذه التطورات مختلف الباحثين والمنظمات العمالية والمهتمين بالشؤون الاجتماعية إلى التساؤل حول المدى الذي وصل إليه الآن نظام الجليسات الوافدات هذا وأصبح بمثابة وسيلة للدانماركيين ميسوري الحال لاستغلال الفلبينيات الأقل حظا للعمل في المنازل كأيدي عاملة رخيصة. ولقد تسببت هذه التطورات في إعداد عدد من التقارير والدراسات البحثية للكشف عن من هن جليسات الأطفال “الجدد” القادمات إلى الدانمارك في الواقع، ودراسة وضعهن سواء في الدانمارك أو في وطنهن الأصلي. 

استبدال التبادل الثقافي بالعمالة المنزلية

تشير الدراسات إلى عدد من الاتجاهات. أولاً، تأتي غالبية جليسات الأطفال الوافدات إلى الدانمارك اليوم من الفلبين، وأنهن قد اخترن المجيء إلى هنا من أجل تقديم المساعدة والدعم لأسرهن في وطنهن سواء كان دعماً كلياً أو جزئياً.  ثانياً، ووفقا لتقرير أعدته هيلي ستينام (Helle Stenum) المختصة في شؤون الهجرة في عام 2008 لنقابة موظفين القطاع العام(FOA)، فإن الغاية الأصلية من أن يكون نظام جليسات الأطفال الوافدات في الأساس برنامجاً للتبادل الثقافي لم يعد صحيحاً. 
وتوضح هيلي ستينام من جامعة آلبورغ (Aalborg University)في الدانمارك قائلة، “يتم استخدام هذا النظام من جانب كلا الطرفين على أنه “نظام الخادمة المنزلية” والمعروف أيضاً باسم العمالة المنزلية. وتأتي معظم الجليسات إلى الدانمارك من أجل كسب المال؛ ويعتبر نظام جليسة الأطفال الوافدة أحد هذه الطرق لجني المال”.
  “لقد تحول نظام جليسة الأطفال الوافدة إلى نظام يضمن وبشكل منهجي توفر أيدي عاملة تعمل في المنازل الدانماركية مقابل أجور وظروف عمل لا نقبلها أبداً خلاف ذلك”
ويبين التقرير أيضا أن تجارب الجليسات تختلف إلى حد كبير. فبعضهن يستقر بسهولة ويتعايش بشكل جيد مع العائلات التي تستضيفهن. في حين، يعاني البعض الآخر من ظروف عمل صعبة، على سبيل المثال الاضطرار للعمل لساعات أطول بكثير من تلك المسموح بها.
نتيجة لذلك، تنتقد نقابات العمال الدانماركية، وهي التي ترعى مصالح العمال، نظام جليسات الأطفال الوافدات بشكل شديد. في الواقع، ذهبت نقابة موظفين القطاع العام (FOA) (وهي ثالث أكبر نقابة في الدانمارك) إلى أبعد من ذلك بتسمية نظام الجليسات هذا “عبودية العصر الحديث”.
وأوضح جاكوب بانغ (Jakob Bang)، الأمين العام لنقابة موظفين القطاع العام (FOA)،  في بيان صحفي في عام 2010 قائلاً، “لقد تحول نظام جليسة الأطفال الوافدة إلى نظام يضمن وبشكل منهجي توفر أيدي عاملة تعمل في المنازل الدانماركية مقابل أجور وظروف عمل لا نقبلها أبداً خلاف ذلك.”
إن إحدى المشاكل المتعلقة بهذا النظام هو أنه لا يمكن لجليسة الأطفال الوافدة أن تكتسب صفة رسمية بوصفها ‘شخص عامل’ في الدانمارك لأنها، وفي نظر دولة الدانمارك، موجودة في البلاد على أساس نظام التبادل الثقافي. ووفقا لما تراه النقابات العمالية، فإن هذا بالتالي يعني أنها مستبعدة وبشكل تلقائي من الحقوق المستحقة والممنوحة لأي شخص في سوق العمل. وبدلاً من ذلك، يجب عليها أن ترضى (وفقا للمعايير الدانماركية) بأجور منخفضة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، تبقى خاضعة وبشكل تام لرحمة العائلة المضيفة لها خاصة وأن جليسة الأطفال الوافدة تفقد تصريح إقامتها في اللحظة التي لم تعد الأسرة الدانماركية بحاجة لها. 

مثقلة بالديون قبل وصولها إلى الدانمارك

لقد كشفت دراسة نظام جليسات الأطفال الوافدات في الدانمارك أن ثمة مشكلة أخرى تتلخص في أن الجليسات الفليبينيات يضعن أنفسهن في ضائقة مادية وصعوبات اقتصادية في كثير من الأحيان بمجيئهن إلى الدانمارك. وهذه حقيقة ذكرت في تقرير المركز الدانماركي لمكافحة الإتجار بالبشر لعام 2010. واستناداً إلى معلومات تم الحصول عليها من خلال مقابلات أجريت مع عدد من جليسات الأطفال، فلقد أجبر العديد منهن على اللجوء إلى الديون من أجل القدوم إلى الدانمارك. 
السبب وراء ذلك هو أن دولة الفلبين قد حظرت مواطنيها منذ سنوات من السفر إلى الدانمارك كجليسات أطفال بسبب القصص العديدة التي تبرز باستمرار على السطح في وسائل الإعلام حول كيفية استغلال الجليسات الفلبينيات في الدانمارك. وهذا يعني بالتالي، أن على الفلبينيات الذين يرغبون في الذهاب إلى الدانمارك على الرغم من الحظر أن يلجأوا إلى رشوة الوسطاء والمسؤولين الفاسدين في المطار للسماح لهم بمغادرة البلاد.
ولقد أدى هذا إلى قيام بعض الجليسات بدفع مبالغ تصل إلى 13000 كرونة – أي ما يعادل تقريباً متوسط أجور أربعة أشهر للجليسة الدانماركية- من أجل مغادرة الفلبين إلى الدانمارك. وغالباً ما يكون هذا الدين من الضخامة بمكان يدفع بالكثيرين للتورط في أعمال غير قانونية بالإضافة إلى وظيفة الجليسة. كما أجبر البعض أيضا على البقاء بصورة غير قانونية في الدانمارك بعد انتهاء وظيفة الجليسة لكسب ما يكفي من المال لسداد الديون المترتبة عليهن.
في خريف عام 2010، سعت الدانمارك والفلبين معاً لإيجاد حل لهذه المشكلة. واتفقت الدولتان على أن تقوم الفلبين برفع حظر السفر مقابل ضمان الدانمارك قيام العائلات الدانماركية المضيفة بإخراج بوليصة تأمين للجليسة تغطي نفقات إعادة الجليسة إلى وطنها في حالة المرض أو الوفاة.
ولكن التقارير والتغطية الإعلامية المتزايدة لنظام جليسة الأطفال الوافدة أثارت جدلاً لا يزال محتدماً؛ وإحدى القضايا التي برزت في المقدمة هي تلك المتعلقة بالمساواة. 

وداعا للأم المثالية

في نظر العديد، تقف دول الشمال الأوروبي (بما في ذلك الدانمارك) منذ سنوات في الخط الأمامي عندما يتعلق الأمر بالمساواة. ويرجع ذلك على أقل تقدير إلى قيام الدول الاسكندنافية على مدى ثلاثة عقود بوضع سياسات ذات منحى أسري تكفل للمرأة الدانماركية أن تكون نشطة في سوق العمل وكذلك الأمر عندما ترزق بالأطفال وتبدأ في تكوين عائلة.
نتيجة لهذا، يعتقد بعض الناس أن نظام جليسة الأطفال الوافدة هو هدية لتحقيق المساواة للمرأة. وبوجود مساعدة من جليسة الأطفال، يمكن للمرأة الدانماركية أن تقوم بوظيفتها أيضاً من دون معاناة الحياة الأسرية المنزلية. ولقد دعم العديد من السياسيين الدانماركيين المعروفين نظام جليسة الأطفال الوافدة مشجعين العائلات الدانماركية التي لديها أطفال على الاستفادة منه- بدلاً من أن يسلموا بأن تحكم حياتهم المفاهيم الكلاسيكية للنوع الاجتماعي (الجندر) حول ما ينبغي أن تفعل المرأة والأم.
وقالت كارينا كريستنسن (Carina Christensen) وزيرة الأسرة السابقة في مقابلة مع الصحيفة الدانماركية “بوليتيكن” في عام 2007، “لدى العديد صورة نمطية للأم المثالية باعتبارها شخص يمكث في المنزل طوال اليوم وهي تخبز وعلى أهبة الاستعداد دائماً لأطفالها.”
 “إذا كنت تعمل لدى شركة عالمية ينتشر عملاؤها وزبائنها وموظفوها في كافة أنحاء العالم، فلا يمكنك أن تلقي كل شيء ببساطة وتذهب لإحضار أطفالك في الساعة الرابعة بعد ظهر كل يوم. وعليه، فإن نظام جليسة الأطفال الوافدة لمثل هذه العائلات يعتبر حقاً ميزة لا تقدر بثمن. إن نظام جليسة الأطفال هذا هو الذي يمنحنا الفرصة للحفاظ على بعض مظاهر الحياة الأسرية المنظمة.”
وبالمثل، تحدثت نساء بارزات، ممن وصلن في حياتهن المهنية إلى قمة مجتمع الأعمال الدانماركي، إلى وسائل الإعلام موضحات بأن نظام جليسة الأطفال الوافدة يتيح لهن الفرصة للحصول على الحياة الحديثة للمرأة التي تشتمل على كل من الوظيفة والأسرة.
أحد تلك النساء هي إنجي بيرنيك (Inge Berneke)، التي تشير إلى أن النموذج الاجتماعي الدانماركي اليوم يجعل من الصعب على العائلات التي لديها أطفال صغار أن تجمع بين وظائفها وحياتها المنزلية. ويعتبر هذا نتيجة للنموذج الاجتماعي الدانماركي الذي ظل لسنوات طويلة يستند إلى الاعتقاد الخاطئ بأن جميع الدانماركيين يعملون عملا صباحياً لمدة 37 ساعة في الأسبوع فقط؛ وبالتالي، يمكن للعائلات إحضار أطفالها من المدارس أو رياض الأطفال بعد الانتهاء من العمل في الساعة الرابعة بعد الظهر. ولكن هذا النموذج لم يعد يناسب واقع سوق العمل الدانماركي، والذي أصبح، في القطاع الخاص على أقل تقدير، مرناً لكي يتمكن من تلبية احتياجات عالم تسوده العولمة.
وتضيف إنجي بيرنيك، “إذا كنت تعمل لدى شركة عالمية ينتشر عملاؤها وزبائنها وموظفوها في كافة أنحاء العالم، فلا يمكنك أن تلقي كل شيء ببساطة وتذهب لإحضار أطفالك في الساعة الرابعة بعد ظهر كل يوم. وعليه، فإن نظام جليسة الأطفال الوافدة لمثل هذه العائلات يعتبر حقاً ميزة لا تقدر بثمن. إن نظام جليسة الأطفال هذا هو الذي يمنحنا الفرصة للحفاظ على بعض مظاهر الحياة الأسرية المنظمة.”
“تأتي غالبية جليسات الأطفال الوافدات إلى الدنمارك من أجل كسب المال؛ فمن وجهة نظرهن، تعتبر هذه وظيفة مربحة وجيدة الأجر. أما بالنسبة للأسرة الدانماركية، فإن الحصول على جليسة أطفال يكاد يكون أمراً ضروريا لا بد منه إذا رغب كلا الوالدين في الحصول على وظيفة على مستوى معين في القطاع الخاص.”
ووفقاً لإنجي بيرنيك، فلا شك في أن نظام جليسة الأطفال الوافدة هو فوز للطرفين وبه منفعة وقيمة  متبادلة للجانبين.
وتوضح إنجي بيرنيك قائلة، “تأتي غالبية جليسات الأطفال الوافدات إلى الدنمارك من أجل كسب المال؛ فمن وجهة نظرهن، تعتبر هذه وظيفة مربحة وجيدة الأجر. أما بالنسبة للأسرة الدانماركية، فإن الحصول على جليسة أطفال يكاد يكون أمراً ضروريا لا بد منه إذا رغب كلا الوالدين في الحصول على وظيفة على مستوى معين في القطاع الخاص.”

استنزاف الرعاية ونقاط مؤلمة

على الرغم من أن العديد من الناس يشاركون رأي إنجي بيرنيك، إلا أنه لا وجود لوجهة نظر ما دون أن يكون هناك جدل حولها. فهناك أيضاً بعض الدانماركيين الذين يرون أن ثمة مشكلة تتمثل في قيام الأم الدانماركية – بناء على رغبتها في مواصلة مسيرتها المهنية وفي الوقت نفسه الحفاظ على حياة عائلية منظمة- بجلب امرأة أقل حظاً من الفلبين إلى البلد. وعند القيام بذلك، تترك المرأة الفلبينية مكانها فارغاً في موطنها بصفتها “مقدم رعاية” مما أدى إلى بروز الظاهرة المعروفة باسم “استنزاف الرعاية”.
وتقول الباحثة هيلي ستينام (Helle Stenum)، “إن ما قامت به الأم البيضاء هو مجرد تحويل قضية المساواة ونقلها إلى الأم ذات البشرة الداكنة، والتي بدورها أصبحت الأم السكايب (Skype-mother).”
ولقد حاولت الدانمارك مكافحة هذه المشكلة عن طريق وضع شروط من ضمنها أن يكون عمر جليسة الأطفال الفلبينية أقل من 30 عاماً وأن لا يكون لديها أطفال. ولكن، أظهر تقرير المركز الدانماركي لمكافحة الإتجار بالبشر لعام 2010 أن هذا الشرط  مبالغ فيه في أحوال كثيرة نظراً لأن التحقق من دقة المعلومات المتعلقة بجليسات الأطفال هو، في الواقع، أمر مستحيل.
“وتقول الباحثة هيلي ستينام (Helle Stenum)، “إن ما قامت به الأم البيضاء هو مجرد تحويل قضية المساواة ونقلها إلى الأم ذات البشرة الداكنة، والتي بدورها أصبحت الأم السكايب (Skype-mother).”
وإذا كان الجدل في الدانمارك أمر يؤخذ به، فإن استخدام جليسات الأطفال القادمات من الدول الفقيرة من قبل المرأة الدانماركية يعتبر نقطة مؤلمة بالنسبة للكثيرين. مؤخراً، كتبت المعلقة الصحفية أنجيلا برينك  (Angela Brink) في صحيفة بوليتيكن مشيرة إلى أن الناس ينظرون بازدراء إلى المرأة التي تدفع مالاً للآخرين مقابل العناية بمنزلها والقيام بواجباتها المنزلية بالنيابة عنها، لأن المفهوم “الصحيح” للأم لدى الدانماركيين لا يزال يرتبط بصورة الأم التي تخبر طوال النهار وتتواجد دائماً في المنزل لاستقبال أطفالها عند عودتهم من المدرسة. 
كتبت أنجيلا برينك، “أتحدى أي امرأة  تشك في ذلك أن تسمح لجليسة الأطفال الآسيوية الشابة أن تحضر طفلها من روضة الأطفال لمدة شهر واحد. ستكون النتيجة رد فعل سلبي فظ من البيئة الأقرب إليك، والتي، بخلاف ذلك، يفترض أن تكون من أنصار المرأة التي تقوم “بشراء” المساعدة اللازمة  لتمكينها من مواصلة مسيرتها المهنية في سوق العمل.” 

لمن المساواة؟

لقد درست عالمة الاجتماع الثقافي كوني كارو كريستيانسن (Connie Carøe Christiansen)  نظام جليسة الأطفال الوافدة في الدانمارك، وشعرت بأن العديد من النساء الدانماركيات تشعر بعدم الارتياح إذا كان لديها جليسة أطفال وافدة وسئلت حول هذا الموضوع. إن هذا أمر لا ترغب المرأة في التعبير عنه بشكل صريح وبصوت عال.
وتوضح كوني قائلة، “أعتقد أن وجود مثل هذا التفاوت القريب جداً منا هو أمر محرج وغير مريح. فقبل كل شيء، نحن الدانماركيون نؤمن بقوة أننا نقف كتفا بكتف مع الناس في جميع أنحاء العالم وأن المساواة هي أحد قيم دولتنا الأساسية.”
ولقد أجرت الباحثة مقابلات مع جليسات الأطفال الفلبينيات في الدانمارك تحدثن خلالها عن حياتهن وأحلامهن. كما وترغب الباحثة في إجراء مقابلات مع النساء الدانماركيات اللاتي لديهن جليسات أطفال وافدات.
وتقول كوني كارو كريستيانسن، “كيف تتعامل المرأة الدانماركية من الطبقة المتوسطة مع قضية المساواة بأكملها فيما يتصل بجليسات الأطفال الوافدات؟ يبدو أن هذا الموضوع يشكل شوكة في خاصرة الكثيرين منهن؛ حيث ترى معظمهن أن نظام جليسة الأطفال يعتبر مشكلة. نحن نعيش في عالم معولم يسوده التفاوت والتحيز، وعندما نقوم بتوظيف جليسة أطفال وافدة، فإننا نحضر عدم المساواة هذه إلى عتبة دارنا. وعندما ندفع أجراً لجلب امرأة فقيرة من الجنوب إلى بيوتنا، فإن هذا هو أيضا انعكاس لمدى تميزنا.”
 “نحن نعيش في عالم معولم يسوده التفاوت والتحيز، وعندما نقوم بتوظيف جليسة أطفال وافدة، فإننا نحضر عدم المساواة هذه إلى عتبة دارنا. وعندما ندفع أجراً لجلب امرأة فقيرة من الجنوب إلى بيوتنا، فإن هذا هو أيضا انعكاس لمدى تميزنا.”
وفي هذا الصدد، أعربت كوني عن دهشتها لأن نظام جليسة الأطفال الوافدة بمجمله لم يجذب مزيدا من الاهتمام من جانب الحركة النسائية الدانماركية. مؤخراً، ومنذ عامين تقريباً، خطت المنظمة الدانماركية الشاملةKvinderådet  (مجلس المرأة في الدانمارك)، والتي تمثل طائفة واسعة من المنظمات النسائية، خطوتها الأولى لتسوية احتياجات جليسات الأطفال الوافدات. وبناء على مبادرة من جانب  منظمة المرأة الفلبينية بابايلان (Babaylan)، قام مجلس المرأة في الدانمارك (Kvinderådet) بتوسيع خدمة المشورة الأسبوعية بوجود مستشار متطوع من بابايلان يتحدث اللغتين الرئيسيتين في الفلبين، مما يتيح للمرأة الفلبينية طلب المساعدة والمشورة.
وتوضح كوني كارو كريستيانسن قائلة، “كان ينبغي على الحركة النسائية أن تتبنى هذه المسألة. ولكنها فعلت ذلك بدون حماس وببطء شديد. أعتقد أن هناك تفسيرات عديدة لذلك. بداية، كانت الحركة النسائية مشغولة بمسألة عدم المساواة بين الرجل والمرأة هنا في الدانمارك؛ على سبيل المثال في المجالات التي تتفاوت فيها الأجور بين الرجال والنساء. ولكن يمكن أن يعزى ذلك أيضاً إلى أنه يتطلب الاعتراف بأن عدم المساواة والتفاوت قائم داخل صفوفنا- بين المرأة الدانماركية ذات الامتياز والمرأة الفلبينية الأقل حظا.” 

جدل متواصل

مما لا شك فيه أن الجدل والنقاش الدائر حول نظام جليسة الأطفال الوافدة في الدانمارك سوف يستمر لوقت طويل. هل تعتبر جليسات الأطفال الفلبينيات هذه دليلاً حياً على أن النوع الاجتماعي (الجندر)، والطبقة، والوضع الاجتماعي، والجنسية هي التي تحدد ميزان القوى في عالم يسوده عدم المساواة على نحو واسع – عالم تستغل فيه المرأة الدانماركية العمالة الفلبينية من أجل خلق المزيد من المساواة لأنفسهن؟
أو، هل قلقنا هذا مبالغ فيه لأن جليسات الأطفال الفلبينيات هن في الواقع نساء قويات ومستقلات يخرجن إلى العالم لكي يصبحن أكثر ثراء، سواء من حيث الثروة الاقتصادية أو من حيث الخبرة؟
وتوضح إنجي بيرنيك، “بالطبع، تواجه جليسات الأطفال الوافدات بعض التحديات عندما يأتن إلى هنا، لأنه من الصعب أن يعيش شخص ما على مقربة من عائلة لا يعرف عن ثقافتها وحضارتها أي شيء. كما أن بعض العائلات الدانماركية أفضل من غيرها في قبول جليسة الأطفال. ولكن، هكذا كان الوضع دائماً بالنسبة للفتيات الدانماركيات اللاتي توجهن لسنوات عديدة إلى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وبنفس الطريقة جوهرياً.”
 “عليك أن تختار – فإما أن تطبق نظام الجليسة كما كان مصمما في الأصل، مع جميع الحريات  المتأصلة، والتبادل الثقافي، والكرامة. أو بخلاف ذلك، يمكنك توظيف مساعدة محلية ودفع أجور حقيقية”
لقد طرحت النقطة الأخيرة  في الحوار من قبل وزير التنمية الدانماركي، سورين بيند (Søren Pind) ، الذي وصف نظام جليسة الأطفال الوافدة على أنه “أفضل برنامج للمساعدات الخارجية في العالم.”
ولكن هذه صورة لا يدركها أولئك الموجودون في الفلبين. وجاء رد آني غيرون (Annie Geron)، رئيسة رابطة عمال القطاع العام في الفلبين، إلى صحيفة “داغبلاديت إنفورميشن”، “عليك أن تختار – فإما أن تطبق نظام الجليسة كما كان مصمما في الأصل، مع جميع الحريات  المتأصلة، والتبادل الثقافي، والكرامة. أو بخلاف ذلك، يمكنك توظيف مساعدة محلية ودفع أجور حقيقية. ولا ينبغي أن يحدث تحرير المرأة في دول العالم الأول على حساب المرأة من دول العالم الثالث. وبالنسبة للمرأة الفلبينية، فليس هناك أي تمكين لها على الإطلاق من خلال حصولها على مصروف جيب مقابل عملها.”