تصور المشهد التالي: يتوجه مجموعة من الفتيان إلى مخيم لكرة القدم. يتم توزيعهم على فرق ترتدي قمصان متشابهة، ويلتقون كل يوم في ورش عمل لمناقشة القواعد والتكتيكات. إن الأمر لا يتعلق بكرة القدم فحسب، بل يتعداه إلى المساواة أيضًا. 
فلماذا إذن لا يتم التعامل مع قضية المساواة في الحقوق مثل التعامل مع الرياضة الجماعية؟ لماذا لا نستفيد من الإمكانات المُثلى لكل لاعب إلى أقصى درجة من أجل تعزيز الفريق ككل؟
هذه هي الفكرة وراء مبادرة جديدة حول المساواة تتصدرها منظمة “أبعاد” في بيروت. يتمثل الهدف الرئيسي من هذه المبادرة في تشجيع الفتيان والرجال على الحديث عن أدوار كل نوع اجتماعي.
يوضح أنتوني كيدي، مدير مشروعات في المنظمة اللبنانية للمساواة في الحقوق “أبعاد” والعقل المدبر وراء مفهوم كرة القدم: “خلافًا لغيرها من المبادرات المطروحة في هذا المجال، حيث يتم جمع الرجال والفتيان معًا للمشاركة في نشاط رياضي يتم بعده المشاركة في مناقشة مواضيع مختلفة مثل المساواة، نريد استخدام خصائص كرة القدم لفتح حوار حول كيفية تسخير ديناميكيات اللاعب والاستفادة منها في الأسرة أو في الحياة بشكل عام. كيف يمكن للمساواة بين الأنواع الاجتماعية أن تعود بالفائدة على المجموعة ككل والأسرة والمجتمع والفرد.”  
يعمل أنتوني كيدي حاليًا على إعداد دليل لورش العمل التي تعقدها “أبعاد” حول كرة القدم. تدور الفكرة الأساسية حول استخدام مصطلحات كرة القدم لتشجيع الرجال والفتيان على تطوير طريقة تفكير ترتكز على المساواة – فغالبًا ما تبدو طريقة التفكير هذه غريبة أو سخيفة أو حتى استفزازية للرجال والفتيان. تشير دراسات علم النفس التربوي إلى أنه عندما تتم ترجمة أية مناقشة مجردة إلى مصطلحات معروفة يصبح من الأسهل التطرق إليها لأن المفاهيم المجردة ‘الجديدة’ تكون مفهومة وقابلة للتطبيق فورًا.

المساواة والأدوار الذكورية 

منذ تأسيسها في عام 2011، عملت “أبعاد” على تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة، مع التركيز بشكل خاص على مكافحة العنف المرتبط بالنوع الاجتماعي. وفي حين أن الغالبية العظمى من المنظمات المشابهة تعمل من أجل ضمان سلامة ضحايا العنف من النساء من خلال إنشاء الملاجئ ومراكز الأزمات لتقديم المساعدة القانونية والاجتماعية، فإن “أبعاد” تكسر هذا التقليد من خلال التركيز على الرجال. فالهدف هو تحقيق نقلة هيكلية راسخة في المجتمع عن طريق إفادة الجميع من المساواة. ولتحقيق هذا، تنتهج المنظمة منهجًا متعدد الأوجه .
طوال أربع سنوات من العمل، نجحت الحملات العديدة التي أطلقتها “أبعاد” على موقع يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى في جعل الرجال يتحدثون – وبالأخص الشبان اللبنانيين. في العام الماضي، نتج عن مسابقة للفيديو عدد من الأفلام المبدعة والموجهة تحمل جميعها رسالة مفادها أن الرجال الحقيقيين لا يضربون النساء.
وفي السياق اللبناني، لا تخلو هذه الرسالة من الجدل؛ فأدوار الأنواع الاجتماعية في لبنان محفورة داخل إطار تقليدي، كما تنص المعايير الاجتماعية، في بعض الحالات، على ضرورة استخدام العنف في حل النزاعات الشخصية. ينظر العديد من الرجال اللبنانيين إلى صورة الذكر القوي المستعد للدفاع عن نفسه دفاعًا مستميتًا على أنه النموذج المثالي. ويوضح أنتوني كيدي أن ما يعزز هذا المثل الأعلى في الغالب هو حقيقة أن ليبيا منطقة نزاع يعتبر فيها المحارب والجندي والمتمرد قدوة ملموسة للرجال والفتيان على حد سواء .
في سياق مماثل مناهض للعنف، أسست “أبعاد” مركزًا للرجال حيث يشاركون في ورش عمل حول حل النزاع سلميًا وإدارة الغضب؛ كما يقدم المركز العلاج المجاني من قبل طبيب نفساني للرجال الذين يعانون من صعوبة في التعامل مع التوتر ومشكلات الأسرة بطريقة غير عدوانية .
الرسالة التي تحملها جميع برامج المنظمة واحدة وهي: من الممكن أن تكون رجلاً بطرق عديدة مختلفة – وينطبق الشيء نفسه على النساء. فالمسألة تتعلق بإطلاق العنان لقدراتك الكاملة كإنسان، بغض النظر عن النوع الاجتماعي .

ثقافة كرة القدم تقود التغيير الاجتماعي 

بالنسبة لأنتوني كيدي، نشأت فكرة ربط عالم الرياضة مع العمل الذي يعزز المساواة بوصفها امتدادًا طبيعيًا لنشاط “أبعاد”. فهو بطبيعته شخص متحمس لكرة القدم ولديه شغف مساو نحو قضايا المساواة والذكورة. وبالتالي كان التشابه واضحًا .
ففي كرة القدم، يتحسن لعب الفريق وتصبح اللعبة أكثر تشويقًا إذا أتيح لكل لاعب فرصة إدراك إمكاناته؛ والأمر نفسه ينطبق على المجتمع.
“استُخدم مفهوم العمل كفريق في كرة القدم للترويج لأفكار أخرى تتعلق بالاحترام واللعب النظيف. فعلى سبيل المثال، تم استخدام كرة القدم كوسيلة لمكافحة التمييز العنصري، ولكنها لم تستخدم أبدًا كنموذج لشرح المساواة بين الأنواع الاجتماعية؛ وهذا أمر أريد تغييره.”
ويضيف أنتوني كيدي: “تدعم كرة القدم على نحو تقليدي مجموعة من القيم شديدة التحفظ والذكورية. هناك الكثير من التركيز على القوة البدنية والقدرة على التحمل، وهناك تمييز واضح بين الأنواع الاجتماعية. ومع ذلك، تمتلك كرة القدم أيضًا القدرة على التحويل والتغيير. على سبيل المثال، تتعامل الفيفا مع قضية التمييز العنصري بشكل مباشر. عندما قوبل كيفن برينس بواتينغ (وهو لاعب كرة قدم غاني محترف يلعب حاليًا في نادي شالكة 04 الألماني) بهتافات عنصرية من الجماهير أثناء مباراة ودية مع النادي الإيطالي إيه سي ميلان في شهر كانون الثاني من عام 2013، انسحب من الملعب وتبعه بقية الفريق. الرسالة التي وجهها هذا التصرف كانت رسالة قوية تلقت الدعم الكامل من الفيفا. وهذا مجرد مثال من الأمثلة العديدة التي تبين كيف استُخدمت كرة القدم في مواجهة المشكلات الاجتماعية وحث الشباب على التعبير عن أنفسهم.”

ورشة عمل حول أدوار الأنواع الاجتماعية

تركز ورش العمل التي تعقدها “أبعاد” على الاحتمالات الكامنة في لعبة كرة القدم والتي تعمل على تحقيق التواصل المباشر بين مواضيع اللعب النظيف والتنمية والتغيير. يتم هنا وضع الفوائد الملموسة للمساواة في سياق كرة القدم.
وبشكل مشابه تمامًا لما يحدث بعد انتهاء كل دورة تدريبية لكرة القدم، يجتمع ‘الفريق’ كل يوم لمناقشة جانب أو أكثر من الجوانب الفنية للعبة التي كانوا يتمرنون عليها في ذلك اليوم. في هذه الحالة، يتم ربط العناصر مع الحياة اليومية.
على سبيل المثال، سوف تركز الوحدة التدريبية المخصصة لموضوع التفاعل على أهمية التواصل. كما ستفتح وحدة تدريبية أخرى عن العرقلة النقاش حول حل النزاعات بالوسائل السلمية والأنماط البناءة لملاحقة الكرة بدلاً من ملاحقة اللاعب. وتتناول وحدة تدريبية ثالثة التوتر وإدارة الغضب، لأنك إذا سمحت لسجيتك أن تتحكم بك في الملعب، فمن المحتمل أن تحصل على بطاقة حمراء، وهذا أمر ضار للفريق الذي سيلعب بعدد أقل من اللاعبين.
بهذه الطريقة، يحذو عالم كرة القدم حذو العالم الواقعي، حيث يكتسب الفتيان والرجال فرصة للاختلاط والتآلف البنّاء كلاعبين منفتحين.
ويضيف أنتوني كيدي: “في المستقبل، سيتوفر لدينا وحدة تدريبية متخصصة بالتعامل مع أدوار الأنواع الاجتماعية المقابلة لمراكز اللعب. ففي كرة القدم، هناك أيضًا العديد من ‘الأدوار’ المختلفة مثل حارس المرمى وقلب الهجوم ولاعب الوسط والدفاع. يتم اختيارك للعب في مركز معين على أساس قدراتك ومواهبك، وليس بناء على مظاهر خارجية مثل الطول أو لون البشرة. نريد أن نوضح أن الوضع سيكون جنونيًا إذا سمحنا لهذه المظاهر الخارجية أن تحدد من سيلعب على أرض الملعب بدلاً من تحديد أفضل لاعب هجوم يمكنه أن يسجل أكبر عدد من الأهداف. إلا أن هذا بالضبط ما نفعله كل يوم عندما نقسم الناس في المجتمع على أساس نوعهم الاجتماعي. وعليه، تأخذ المرأة دائمًا دور ربة المنزل بينما يأخذ الرجل دور المعيل، حتى لو كانوا أفضل في القيام بمهمات مختلفة تمامًا. وكذلك الأمر عندما ينخرط الرجال منفردين في عالم السياسة استنادًا فقط إلى أنهم رجال. إذا قمنا باستخدام معايير الاختيار هذه في كرة القدم، سيكون لدينا أسوأ فريق في العالم. وبالطريقة نفسها، فإن التقسيم التلقائي للأنواع الاجتماعية يضعف مجتمعنا.”

كرة القدم الشاملة والمساواة التامة 

ثمة مسألة رئيسية تشغل أنتوني كيدي ألا وهي أن كرة القدم تجدد نفسها. يدعو كيدي إلى الابتعاد عن هوية الفريق القائمة على اللاعب الثابت والاتجاه نحو تعزيز الشعور بالهوية المتماشي مع المفاهيم الحديثة للعلاقات الفردية وبين الأشخاص. يعرف هذا المفهوم في عالم كرة القدم بالكرة الشاملة. ويدور مفهوم كرة القدم الشاملة حول حقيقة أن كل لاعب قادر، من الناحية النظرية، على تولي أي مركز في الملعب؛ وينبغي تدريب جميع اللاعبين ليصبحوا بارعين في تسجيل الأهداف، كما يجب أن يكونوا قادرين على الدفاع القوي. وفقًا لكيدي، أصبحت الفرق التي تمارس فلسفة كرة القدم الشاملة، مثل نادي برشلونة، أقوى بكثير نتيجة لذلك.
ويرى كيدي أن يتم اعتماد هذا النهج على المستوى الاجتماعي.
ويختتم كيدي قائلاً: “عندما يأخذ الرجال والنساء حصة متساوية في المساهمة والمشاركة في المجتمع والاقتصاد ورعاية الأطفال، سيصبح مجتمعنا أقوى. إن السبب الوحيد في كوننا لا نزال عالقين داخل النماذج القديمة لأدوار الأنواع الاجتماعية هو لأننا قد تأقلمنا معها اجتماعيًا. لذلك، لا نهدف إلى توجيه أصابع الاتهام إلى أحد؛ لكننا نريد فقط أن نبين كيف يمكن أن تخلق المساواة نموذجًا اجتماعيًا أفضل وأرفع من النموذج الموجود حاليًا، وأن نوضح أن الرجال سوف يستفيدون منه كثيرًا.” 
في الآونة الأخيرة، تقلص عمل “أبعاد” لأنه قد تم تحويل العديد من الموارد في لبنان إلى أعمال الإغاثة المرتبطة بالنزاع السوري. ومع ذلك، يتوقع أنتوني كيدي أن تكون أول مجموعة تجريبية لكرة القدم جاهزة في المستقبل القريب جدًا. ومن هنا، يعتزم أيضًا إشراك الأطفال السوريين في هذا المشروع.