صندوق الحقائق

 
يمكن قراءة المزيد عن منظمة قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي (OpAntiSH) على موقع ويكيبيديا.
يفيد التقرير الذي أعدته مؤسسة توماس رويترز أن مصر هي أسوأ البلدان في منطقة الشرق الأوسط من حيث تفاقم محنة النساء فيها، وهذه هي الخلاصة التي توصلت إليها دراسة جديدة أجرتها المؤسسة عقب طرحها مجموعة من الأسئلة على 330 خبيرًا وباحثًا في قضايا الجندر من 22 دولة عربية. لقراءة التقرير يرجى النقر على الرابط التالي: 
لقراءة المزيد عن أعمال مؤسسة المرأة والذاكرة 
لزيارة موقع harassmap.org
لقراءة المزيد عن Harassmap 

 

لقد ضاقت الناشطة النسوية مريم كيرولوس ذرعًا، فلم تعد تغض الطرف عن التعرض للتحرش الجنسي في شوارع مصر، حيث تسرد لنا: “في آخر مرة حاول فيها أحد الأغبياء أن يضايقني، اشتطت غضبًا لدرجة أنني انتزعت حذائي وبدأت أطرق على سيارته الأجرة ورحت أصرخ وأنادي، فابتعد مسرعًا وأنا أجري خلفه. إن هذا النوع من الرجال معروف بجبنه على الدوام”. وتعمل مريم كيرولوس في المنظمة الشعبية “قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي – OpAntiSH” التي تعمل على مكافحة العنف الجنسي والاغتصاب في القاهرة. 
وتعقب مريم قائلة: “لو أن حقيبتي تعرضت للسرقة لهبت جموع الناس لتمد يد العون لي؛ لكن لو حاول أحدهم أن يغتصبني لاكتفت هذه الحشود عينها بالسير بجانبي، حيث يعتبرون أنها غلطة المرأة وأنها قد تسببت بهذا لنفسها”. وتعمل مريم حاليًا على تنظيم جهود مجموعة من الناشطين للوقوف في وجه هذه الموجة من التحرشات الجنسية والتي زادت حدتها في المظاهرات الجماهيرية الحاشدة في القاهرة على مدار الأعوام القليلة الماضية. وتردف مريم قائلة: “علينا أن نتصرف بهذا الصدد وإلا فإننا سنظل جالسات في بيوتنا وهو ما لا أستطيع التعايش معه، فشوارع القاهرة هي شوارعي أيضًا!”. 

التهديد الجاثم أمام حرية المرأة في التنقل

لقد تسبب الوضع السياسي الفوضوي في مصر بارتفاع عدد حالات الاغتصاب وحوادث التحرش الجنسي بشكل عام. وقد جاء في تقرير توماس رويترز لشهر نوفمبر من عام 2013 الذي تناول وضع المرأة في العالم العربي أن مصر قد احتلت المرتبة الأخيرة من بين الدول البالغ عددها 22 والتي شملها الاستطلاع لأسباب ليس أقلها ارتفاع مستويات التحرش الجنسي والعنف في البلاد. 
وتخبرنا هند أحمد زكي التي تحضر رسالة دكتوراة في جامعة واشنطن حاليًا وتركز فيها على المشاركة السياسية للمرأة في منطقة الشرق الأوسط: “تقبع حرية المرأة في التنقل في مصر تحت وطأة التهديد، فعلى مدار العقد المنصرم شهدنا زيادة مطردة في حوادث العنف والتحرش في شوارع القاهرة. ولكن منذ أن بدأت الثورة قفزت هذه الأرقام قفزة جنونية”. 
وتواصل هند كلامها: ” لدي العديد من الصديقات اللواتي ما عدن يجرؤن على الخروج إلى الشوارع. كما أن القضية ترتبط أيضًا بإمكانية وصول المرأة إلى أماكن التعليم والمشاركة في سوق العمل والحياة السياسية. وحاليًا أترأس مشروعًا لتثقيف الشباب من السيدات والرجال على حد سواء حول قضايا مناصرة المرأة والوعي الجندري، إلا أنه لا يزال من الصعب بمكان أن نقنع الآباء بالسماح لأبنائهم وبناتهم بالسفر إلى القاهرة لوحدهم”. وترى هند الارتفاع الملحوظ في العنف الجنسي كعاقبة رهيبة لزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل والحياة السياسية. 
وتوضح لنا هند الأمر كما يلي: “لقد اعتدنا العيش في مجتمع اختُزل فيه وجود المرأة في محيطها الخاص، وحيث هيمن الرجال على الحياة العامة بالكامل. ولكن تغير هذا التقليد خلال العقود القليلة الماضية، بحيث تمثلت أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا في ازدياد أعداد المتظاهرات اللائي خرجن إلى ميدان التحرير. لقد كان هذا التغيير إيجابيًا، ولكنه لم يمر دون معارضة أو مقاومة، حيث تجسدت أسوأ أوجه هذه المعارضة في تفاقم ظاهرة العنف الجنسي، وقد غدا من المقبول اجتماعيًا تعرض المرأة للتحرش الجنسي، فلقد أصبحت هذه الظاهرة وسيلة للقول لهن “اخرجن من حياتنا العامة”. 

العنف كسلاح سياسي

لقد تدهور الموقف العام بشكل ملحوظ نتيجة لحوادث الاغتصاب المتكررة التي حدثت أثناء تجمهر المتظاهرات الحاشدة التي شهدها ميدان التحرير. ولقد تم التوثيق مرارًا وتكرارًا أن المتظاهرات النساء يخاطرن بالتعرض للهجوم والاغتصاب الجنسي بخروجهن للتظاهر.  
وتقول مريم كيرولوس الناشطة في منظمة (قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي) “نطلق على ما يحصل اسم (دائرة الجحيم)، حيث تعلق النساء وسط دائرة من المتفرجين الذين تكبر دائرتهم وتتسع، وقد يحاول بعضهم نجدة تلك النساء العالقات، إلا أن الأغلبية تفاقم من وطأة هذا الموقف أو حتى تحاول اختلاس النظر إلى أجسادهن”. 
وترى هالة كمال، رئيسة مؤسسة المرأة والذاكرة – وهي مؤسسة أكاديمية غير حكومية تقوم بجمع روايات شهادات العيان من النساء المتظاهرات في ميدان التحرير- أن هذه الحالات تمثل عنفًا سياسيًا منظمًا، وتتناول هذا الأمر بمزيد من التفصيل، قائلةً “لقد تم استخدام النساء في الماضي لدرء العنف في المظاهرات، لقد كنا بمثابة درع بشري لأننا كنا نعلم أن الشرطة ما كانت لتضع يدها على امرأة قط. أما اليوم فقد غدا الوضع على النقيض تمامًا، حيث يتم الاعتداء على النساء تكتيكيًا لإضعاف المعارضة ضد النظام. ولا تتدخل الشرطة أبدًا في حال تعرضت النساء للاعتداء مما يبعث برسالة قوية مفادها أن الاعتداءات الجنسية مسموح بها”.
كما كان من المستحيل تقريبًا أن تقبل المحاكم المصرية بنظر قضايا الاغتصاب ، حتى أن الشرطة كانت ترفض التحقيق في مثل هذه الحالات. ولكي تُحبط مساعي من يكافحون لأجل قضايا المرأة فقد وظّف الإعلام حالات الاعتداء هذه لتشويه سمعة المتظاهرات “لقد كانت تنتهي الدعاوى باتهام ضحية الاغتصاب بأنها داعرة وأن المظاهرة كانت غطاء لطقوس ماجنة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذا الادعاء تم توظيف حالات الاغتصاب هذه للتقويض من شرعية المظاهرات الجارية” بحسب ما أفادته مريم كيرولوس. 

الاضطلاع بدور الحارسات الشخصيات 

لقد تخلى الناشطون والناشطات في منظمة (قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي)عن إبراز هذه القضايا من خلال النظام القضائي، وبدلاً من ذلك أصبحوا يشكلون مقاومة مباشرة خلال المظاهرات، حيث يرتدون عدة طبقات من الملابس ويشقون طريقهم بالقوة من خلال الجموع المحتشدة في حال سمعوا عن تعرض إحدى النساء للاعتداء، وما أن ينجحوا في إنقاذ المرأة فعندها يستطيعون تقديم بعض الملابس لها وتقديم المساعدة الطبية، حيث يقول أحمد زينوهو أحد الرجال القلة العاملين كناشطين مع هذه المنظمة “لقد سمعت عن تعرض إحدى النساء للاعتداء لذلك حاولت أن أشق طريقي من خلال الحشد جنبًا إلى جنب مع ناشطين آخرين، ولكن ما حدث أن إحدى الناشطات قد علقت مع الجموع واستاقوها بعيدًا، وما أن وصلت أخيرًا إلى المرأة حتى تم دفعي إلى الوراء مرتين أو ثلاثة قبل أن أتمكن من إمساكها، وقد صدمت بعدم سماح أي منهم لي بمساعدتها وصعقت بمدى قدرتهم على التصرف بجنون!”.
وقد بدأ أحمد زين البالغ من العمر 27 عامًا العمل مع منظمة (قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي) من منطلق رغبته بحماية النساء، ولكن موقفه قد تغير اليوم حيث يقول “لقد كنت أفكر على نحو تقليدي للغاية في الماضي، ولكن بعد أن أصبحت جزءًا من المنظمة لبعض من الوقت، فقد تعلمت الكثير عن مدى قوة النساء فعليًا، فزميلاتي الناشطات على قدر من العزم والشجاعة بقدري أنا”. ويرى أحمد زين أن هناك العديد من الناشطين الرجال الذين يشعرون في أعماقهم بأنهم عاجزون أمامهن. 
ويتابع أحمد حديثه: “عقب كل من المظاهرات الكبرى كنا نعقد جلسات علاجية نتكلم فيها عن تجاربنا، حيث كنا جميعًا (رجال ونساء) نبكي، وأعتقد أننا قد صدمنا جميعًا بأن مثل هذه الأمور قد تحدث في بلدنا”. ومع هذا لا يوافق أحمد زين على أن الناشطات النسويات في خطر كبير ولا على وجوب أن تنأى النساء بأنفسهن عن الخروج في المظاهرات الكبرى “فهناك العديد من الرجال الذين يقولون مثل هذه الأمور لي، ولكني لا أوافقهم الرأي؛ إذ إن وجود النساء في الحيز العام هو جزء من روح الثورة”.  

مكافحة التحرش الجنسي على صعيد الشارع 

تعتبر مبادرة خريطة التحرش الجنسي (Harassmap) إحدى شركاء منظمة “قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي” وقد تأسست في الأصل قبل بدء الثورة بقليل بهدف توثيق الأماكن التي تقع فيها غالبية حالات التحرش الجنسي وذلك من خلال تشجيع النساء على الإبلاغ عنها متى وأينما وقعت في حياتهن اليومية. وقد جرى تسجيل كافة الحوادث على خارطة يمكن الوصول إليها من خلال الإنترنت. أما اليوم فلم تعد خريطة التحرش الجنسي راضية بالاكتفاء بتسجيل عدد الاعتداءات الجنسية- بل إنها تريد أيضًا تغيير المواقف المتبناة داخل المجتمع المصري، حيث تقول نورا فنكلمان بهذا الصدد:  
“إننا نستعين بكافة المعلومات الواردة لدينا لدحض بعض الأحكام المسبقة التي نسمع أصداءها داخل المجتمع المصري مثل “إن النساء اليافعات هن فقط من يتعرضن للاغتصاب” أو مثل “إن النساء اللواتي يلبسن ملابس مثيرة هن اللواتي يتعرضن للاعتداء فقط”. كما أننا قد وثقنا حقيقة أن مثل هذه الاعتداءات لا يقوم بها الشبان الفقراء فحسب، بل أن المعتدين ينتمون إلى مختلف فئات المجتمع وكافة المراحل العمرية أيضًا”. 
وترى نورا أن مكافحة العنف الجنسي قد أذكت نار الاهتمام تجاه المحنة التي تعاني منها النساء المصريات. “فبينما ركزت المنظمات النسائية فيما مضي على العنف الأسري إلا أن هذا الموضوع قد استرعى اهتمام الجيل اليافع حيث يشارك 700 متطوع ومتطوعة معنا في 17 محافظة مصرية. وقد غدت الشابات أكثر وعيًا بهذه الأنواع من الاعتداءات وأنها غير مقبولة، وفوق كل هذا أنهن قد استوعبن أنهن لسن المذنبات جراء حصول مثل هذه الاعتداءات”. 
وقد بذلت المساعي في هذه المبادرة لتغيير المواقف التي يتبناها المجتمع المصري من خلال إطلاق حملات خاصة على صعيد الشارع، حيث يخرج المتطوعون إلى الشوارع للتحدث مع الرجال والتحدث معهم عن الموضوع منطلقين في ذلك من اطلاعهم على آخر المستجدات والمعلومات عن مدى انتشار وطبيعة التحرش الجنسي وفقا للنتائج التي خرجت بها هذه المبادرة. 
وتقول نورا فنكلمان: “إن المشهد في الشارع المصري ممتلئ بالرجال الذين يبيعون الموز أو يقدمون الشاي أو يتسكعون فقط، وهؤلاء أنفسهم هم من نريد تغيير مواقفهم لأنهم إن تدخلوا في حال تعرضت أي امرأة للاعتداء، فإننا سنكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا”، وتردف نورا قائلة بتفاؤل: 
“علينا أن نتذكر أن مثل هذه النزعة للتحرش الجنسي هي ظاهرة حديثة على مصر، ولهذا السبب بالذات يحدونا الأمل بأنها ستختفي مرة أخرى”.