كفى للعنف والاستغلال مؤسسة مجتمع مدني لبنانية

تم إنشاء المنظمة في 2005 من قبل مجموعة من المختصين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. 

تتمثل مهمة كفى في العمل نحو إزالة كافة أشكال العنف القائم على الجنس واستغلال النساء والأطفال من خلال الدفاع عن الإصلاح القانوني وتغيير السياسات والممارسات، والتأثير في الرأي العام وتمكين المرأة والأطفال. 

ومن خلال مشروع شراكة مع مجلس اللاجئين الدنماركي، الممول من قبل KVINFO، تهدف كفى إلى إنهاء استغلال الخادمات الوافدات في لبنان، واللواتي يتعرضن إلى العنف. يركز المشروع على تعزيز الوضع القانوني وحقوق الخدم الوافدين وإلى تغيير السلوك تجاههم في المجتمع اللبناني عن طريق استهداف المشكلة على مستويات متعددة. 

 

يشكّل العمل المنزلي عنصراً أساسياً في عملية الحفاظ على المنزل. ومع ذلك، غالباً ما يتم إهماله وإسقاطه إلى مستوى الاقتصاد غير الرسمي. أمّا العاملون في هذا القطاع، فهم عادةً أفراد مهمّشون؛ نساء من أصول وانتماءات عرقية مختلفة، يأتين من خلفيات اجتماعية واقتصادية أكثر فقراً وعوزاً.
فقد طرأت في العقود الأخيرة تعديلات في هيكلية الدولة شرّعت الأبواب للقطاع الخاص التنافسي على حساب القطاع العام والخدمات الاجتماعية. أدّى ذلك إلى هجرة النساء بشكل رئيسي، من الجنوب عموماً إلى الشمال أو دول أخرى في الجنوب ذات دخل أعلى، وذلك بهدف سدّ حاجات وثغرات خلّفتها السياسات الجديدة على صعيد الرعاية الاجتماعية. بموازاة ذلك، أدخلت العولمة ومعها انتشار اقتصاد السوق الحرّ، أنماطاً استهلاكية جديدة وصورة عن وفرة أحدثت ارتفاعاً في نسب طلب العمالة وتوريدها. هذه العوامل ساهمت في تأنيث الهجرة للعمل وولّدت نقاشات حول ما إذا كانت الهجرة من أجل العمل تمكّن أم توهن النساء.
يُنظر إلى النساء المهاجرات، وعلى وجه الخصوص عاملات المنازل من بينهن، كفئة ضعيفة لا تتمتّع بأي حماية من الدولة. ويصب النوع الاجتماعي أو “الجندر” في لب هذه الإشكالية، من حيث كيفية تعزيزه لتبعية النساء المهاجرات وإعادة إنتاجه للبنيات البطريركية. وفي حين يتيح توظيف عاملات المنازل للنساء فرصة السعي وراء العمل والترفيه، إلا أنه لا يسائل المعايير الجندرية القائمة، أو يتحدّى الافتراض القائل بأن المرأة هي المسؤولة عن الحفاظ على الأسرة. وعوضاً عن ذلك، باتت النساء ينقلن عبء هذه المسؤولية إلى نساء أكثر فقراً وأدنى مكانة.
في لبنان والأردن، يشكّل العمل المنزلي قطاع توظيف أساسي لنساء مهاجرات من آسيا وأفريقيا. وتشير التقديرات إلى وجود عدد كبير في كلا البلدين؛ مئتا ألفاً في لبنان (  2010  ) وثلاث مئة ألفاً في الأردن (  2009  ). أما النساء القادمات بالتأشيرة الخاصة لهذه الفئة، فيعملن كمربيات ومساعدات وطاهيات، وأحياناً يضطررن للعمل في مكان عمل موظفيهنّ أو في منازل أصدقائهم وأفراد عائلاتهم.

قصص الاستغلال وإساءة المعاملة لا تُعد ولا تُحصى.

 ومن بينها قصّة “لين” التي تقدّم مثالاً عن أنواع الاستغلال التي قد تتعرّض لها النساء ( يُذكر أن لين ليس اسم العاملة الحقيقي. بيت الآمان في سفارة الفيليبينن، مقابلة أجرتها الكاتبة، 31 كانون الثاني 2005، عمان، الأردن.) 
 كانت لين تعمل كل يوم من الساعة الخامسة فجراً حتّى منتصف الليل، وتتولّى الاهتمام بأربعة أطفال، بحسب ما ذكرت. “أحياناً أشعر وكأنني أخيبهم، وبسرعة… بالنسبة إليهم طريقة عملي سيّئة دائماً، وبطيئة دائماً.” هذا وكانت صاحبة العمل تضربها وتهدّدها باستمرار. فالكثير من العاملات المهاجرات يبلّغ عن حالات عدّة يقعن فيها مثل عدم دفع رواتبهن، ساعات عمل إضافية، حجز جواز سفرهن وأوراق ثبوتية أخرى، غياب شروط السكن الملائم، نقص في الطعام، وعنف جسدي ولفظي وجنسي.  وفي هذا السياق، تم الكشف خلال شهري آب وأيلول   2010   عبر مطالعة للتحقيقات الصحافية عن تسع حالات لانتحار أو وفاة عاملات المنازل الأجنبيات خلال فترة العمل.
وهنا يأتي الإطار القانوني والممارسات الاجتماعية في لبنان والأردن لتكرّس سيطرة صاحب العمل على ظروف عمل عاملات المنازل وطريقة عيشهنّ، دون توفير فرص حقيقية لهؤلاء العاملات للمطالبة بحقوقهن والبحث عن الحماية والتعويض عن حالات إساءة المعاملة. ونظام الكفالة تحديداً، الذي ينظّم دخول وإقامة العاملات الأجنبيات في لبنان والأردن، يتيح لأصحاب العمل فرصة استغلال العاملات. فهو يربط العاملة بصاحب عمل واحد (كفيل) طوال مدّة العقد. وحالما تنتهي هذه المدة، على صاحب العمل إعادة العاملة إلى بلدها، وفي حال رغبت في العمل عند صاحب عمل جديد، فلا يمكنها ذلك من دون الحصول على تنازل من موظّفها الأسبق. تجدر الإشارة إلى أنه حتّى ولو هربت العاملة بسبب حالة استغلال أو عنف، يصبح بقاؤها غير شرعي لحظة تركها لمنزل كفيلها.
على صعيد آخر، تأتي القواعد الجندرية التي تربط النساء بالمنزل، و   التي تعتبر العمل المنزلي كمهنة لها وضعها الخاص ومهنة مختلفة عن سائر المهن،  كعوامل تجعل الدولة تتردّد في اتخاذ قرار تنظيم هذه العلاقة “الشخصية”. وفي هذا الإطار، تستثني الحكومة اللبنانية عاملات المنازل من قانون العمل، تاركةً شروط عملهن وحقوقهن ضمن قانون التعاقد. عام   2009  ، صدّقت الحكومة على قانون العمل الموحّد لعاملات وعاملي المنازل المهاجرين، لازمةً بذلك أصحاب العمل وعاملات المنازل المهاجرات بالتوقيع على هذا العقد كشرط للحصول على إذن للعمل والإقامة في لبنان.
إن عقد العمل الموحّد يمثّل خطوة مهمة من حيث نصّه على مجموعة من الحقوق والمسؤوليات المتعلقة بأصحاب العمل من جهة والعاملات من جهة أخرى، غير أنه يحوي قيوداً عدة. فهو لا يأتي على ذكر انتهاكات قد يقترفها صاحب العمل بحق العاملة مثل حجز جواز سفرها، كما أنه لا يضمن حقها بالتمتع بحرية التنقّل.
في المقابل، أدخلت الحكومة الأردنية عام   2008   تعديلاً على قانون العمل لإدراج عاملات المنازل ضمنه، وأصدرت اللوائح التنفيذية عام   2009  . على الرغم من أن هذه البادرة خطوة في اتجاه توفير حماية أكبر لعاملات المنازل الأجنبيات وتقدّم نموذجاً محتملاً لسائر دول المنطقة، فإن القوانين التنفيذية تنظر للعمل المنزلي كفئة خاصة، الأمر الذي أبقى على ضرورة أن تحصل عاملات المنازل على إذن من صاحب العمل لترك المنزل، كما استمرّ استثنائهن من الاستفادة من إجازة الأمومة وهبات أخرى. في كلا البلدين، تأتي عوامل عدة كصعوبة تطبيق القوانين والفترات الطويلة التي تتخذها المحاكم قبل الوصول إلى قرار، كما التمييز الذي يُمارس ضد عاملات المنازل المهاجرات، لتعيق هؤلاء من الاصلح إلى المحاكم.

تضغط معيار النوع الاجتماعي العاملات

على المستوى الفردي، يبرّر أصحاب العمل، من خلال المفاهيم الجندرية الموروثة، مطالبتهم العاملات بالعمل لساعات طويلة دون راحة، كما يبررون سيطرتهم على كافة نواحي حياتهن. أما عنصر “الأمومة” ومعاملة العاملة كابنة، إنما يعزز تقييد صاحبات العمل لحركة العاملات وعلاقاتهنّ خارج المنزل. إلى ذلك، تمارس هذه القواعد الجندرية ضغطاً على النساء بشكل عام ليؤدين دورهنّ، خالقة بذلك حالة من المنافسة والتوتّر في العلاقة ما بين صاحبة العمل والعاملة. أي أن الانتقادات التي تُوجّه للمرأة، أو ربة المنزل، في ما يتعلّق بواجباتها المنزلية، تدفعها إلى تسلّم مهمة التنفيذ والإشراف على عمل وسلوك العاملة. كذلك، تسعى ربة المنزل لتثبيت سلطتها كأم وزوجة، وتثبيت مكانة اجتماعية أعلى من خلال تبريرات مختلفة تكرّس المكانة المتدنية للعاملة وتبعيّتها.
حتى الآن، تجاهلت الإصلاحات، مثل عقد العمل الموحّد في لبنان، الأبعاد الجندرية للعمل المنزلي، واستثنت العاملات المهاجرات من هذا السياق. وتنظر القوانين الجديدة إلى عاملات المنازل المهاجرات بصفتهنّ فئة خاصة من العمال بحاجة إلى حماية، بدلاً من اعتبارهن كأفراد لديهم حقوق كعاملات، ومهاجرات، ونساء. لذلك، على الحكومات والمجتمعات عدم إغفال عامل الجندر وكيفية تقييده لدور النساء- مواطنات أم مهاجرات-  وكذلك العلاقة بين حالة النساء الأردنيات واللبنانيات وحالة عاملات المنازل الأجنبيات.
لا بد من الإشارة إلى ضرورة تغيير القوانين التي تحفظ سيطرة صاحب العمل على العاملة، كنظام الكفالة والتشريعات المرتبطة به والتي تتعامل مع عاملات المنازل كتابعات لأصحاب العمل. على وجه المثال، قد يتم إشراك عاملات المنازل المهاجرات في هذا المسار الإصلاحي لتكون لديهنّ فرصة أكبر وصوت أكثر فعالية في عملية تحديد ظروف عملهنّ وعيشهن.