صندوق الحقائق

أصبحت المدونة والمعلقة المصرية المولد مواطنة أميركية قبل أيام قليلة من نجاح البلد في تصفية الإرهابي المطلوب أسامة بن لادن. وبعد استكمال شكليات مكتب الهجرة، كان أول ما فعلته الصحفية النشطة هو أن عمدت إلى لوحة المفاتيح في جهاز الكومبيوتر لتدون مقالا بعنوان “لا كرامة في الجراوند زيرو” والذي نشر فيما بعد في عدد من الصحف من ضمنها الجارديان والصحيفة الدنمركية بوليتكن. بالنسبة للطحاوي، كانت الطريقة التي احتفل بها الأميركيون بموت بن لادن في الموقع الذي فقد فيه مئات الناس أرواحهم في الهجوم الإرهابي الذي شن عام 2001 لا ذوق فيه على الإطلاق.
وذاك هو الأمر الذي تستطيع الطحاوي القيام به بشكل ممتاز- كتابة تعليق بارز ومستقل في مشهد إعلامي مسيس للغاية، حيث تحتشد المشاعر والآراء، وحيث يتطلب الجهر بالحديث الكثير من الشجاعة والتصميم. 
“في كل يوم عندما تدون امرأة شرق أوسطية أخبارا عن أوضاعها، فتغير حياتها وحياة آلاف النساء من أمثالها في الدول العربي،” 
تبلغ الطحاوي الثالثة والأربعين من العمر، وقد ولدت لأسرة تعمل في مجال الطب في مدينة بورسعيد؛ وعاشت في المملكة المتحدة وفي كندا، وعاشت خلال السنوات الإحدى عشر الأخيرة في الولايات المتحدة. وعملت وكتبت للعديد من المنظمات الإعلامية الدولية، واستضافها التلفزيون كمحللة، بما في ذلك قناة “سي أن أن”. علاوة على ذلك، تلقي الطحاوي دروسا عن تأثير نمو وسائل الإعلام الاجتماعية في عدد من الجامعات الأميركية. وقد بدأت مهنتها كصحفية في الصحيفة المصرية المحظورة “ميدل إيست تايمز”، وقامت بعد ذلك بتقديم تقارير لرويترز عن الشرق الأوسط وإسرائيل، وللجارديان والواشنطن بوست. وكتبت أيضا عن أزمة الرسوم الكرتونية الدنمركية التي طالت النبي محمد (صلعم) لعدد من المنظمات الإعلامية الدولية ومن ضمنها صحيفة بوليتكن.
 تتناقض حياتها المحفوفة بالأخطار بشكل حاد مع الإعداد لهذه المقابلة، التي جرت في كوبنهاجن في الحدائق الشاعرية لرابطة “بن” الدنمركية (الفرع الدنمركي لجمعية بن [PEN] العالمية للكتاب).  هناك، كانت الطحاوي في انتظار وصول ما يقارب 20 مدونة أخرى من الشرق الأوسط اللواتي توجهن إلى هناك لحضور مؤتمر “الفعالية الإلكترونية: هل تغير العالم؟”، يوم 9 أيار/ مايو الذي أعد له “المركز الدنمركي للمعلومات حول المساواة، والنوع الاجتماعي، والعرق” (KVINFO) بالتعاون مع المركز الدنمركي للثقافة والتنمية (DCCD) ورابطة “بن” الدنمركية.

ثورة من أجل حرية المرأة

تقول الطحاوي، أنها والنساء المدونات اللواتي يزرن كوبنهاجن لحضور المؤتمر، يغيرن في الواقع العالم حاليا. وهن يفعلن ذلك يوميا ويتحدين المضايقات، والتهديد بالاعتقال والموت في سبيل نشر رسالتهن- سواء عن طريق التويتر من غرف معيشتهن، أو إرسال مدونات عن حياتهن اليومية في سوريا، أو المملكة العربية السعودية، أو لبنان، أو من خلال مقالات صحفية وتقارير تلفزيونية أطول. وتصف الطحاوي ما يجري حاليا في البلاد العربية بأنه ثورة على مستويات عدة. 
” في حين كانت نساء السبعينات يجتمعن معا في غرف المعيشة مع مراياهن، وعبآتهن، وعلاجهن، فإن النساء العربيات والمسلمات يلتقين اليوم على المدونات. هنا ينظمن أنفسهن، ويتحدثن عن حياتهن اليومية وعن السياسة، وينظمن المظاهرات. ببساطة استبدلت المرأة مرآتها بلوحة مفاتيح الكمبيوتر.”

ببساطة المرآة استُبدلت بلوحة مفاتيح الكمبيوتر

تقول الطحاوي مبتسمة، “النهج وحده هو الذي اختلف. في حين كانت نساء السبعينات يجتمعن معا في غرف المعيشة مع مراياهن، وعبآتهن، وعلاجهن، فإن النساء العربيات والمسلمات يلتقين اليوم على المدونات. هنا ينظمن أنفسهن، ويتحدثن عن حياتهن اليومية وعن السياسة، وينظمن المظاهرات. ببساطة استبدلت المرأة مرآتها بلوحة مفاتيح الكمبيوتر.”
لكن ليست هذه قصة التحرر التي اجتذبت تركيز معظم وسائل الإعلام الغربية، ربما لأن قلة من الناس تنبه لعدد النساء اللواتي شاركن فعليا في الانتفاضة.
“إذا سألت أي شخص عما إذا كان للثورة شأن بجنس المشاركين، فإن العديدن سيقولون لك إنها مجرد ثورة ضد دكتاتورية مبارك. لكن هذا ليس صحيحا تماما. في ميدان التحرير، وضعا مثاليا شُرّع خلال الأيام الثمانية عشرة- وضعا يبين كيف يمكن لمصر أن تصبح على المدى البعيد- بلدا يكون فيه الرجال والنساء متساوون ويتمتعون بالحقوق نفسها. في كافة أنحاء الميدان، كان النساء والرجال يتظاهرون جنبا إلى جنب وينامون قرب بعضهم البعض. حقيقة أن تتمكن النساء من البقاء خارج المنزل بعد هبوط الليل من دون مرافقة الرجل لهو أمر عظيم. وهو أمر من المذهل رؤيته في مثل هذا البلد المحافظ.” 

من خلف الخمار

تقول الطحاوي أن وسيلة الإعلام الاجتماعية كانت عظيمة الأهمية بالنسبة للمجموعات المهمشة داخل المجتمع الإسلامي: الشباب، والشاذين جنسيا، والنساء. فجأة، صار في وسع الجميع التعبير عن أنفسهم عبر مدونتهم الخاصة، وصار في وسعهم إيجاد صوت لهم، ومجال لأن يكونوا أحرارا، وأن يكون لهم رأي يمكن للآخرين أن يعلقوا عليه. لقد وفر الانترنت منبرا ديمقراطيا لتلك المجموعات من المجتمع، التي لم تكن في السابق قادرة على تنظيم نفسها بشكل فعال. وهذا بالطبع مهم بشكل خاص في البلدان التي يعيش فيها الجنسين منفصلين عن بعضهما، كما في الدول الإسلامية.
“أنا مندهشة بشكل خاص للطريقة التي تبنت فيها المرأة السعودية وسيلة الإعلام هذه، “ونزع الخمار الرقمي” الشامل الذي حدث في هذا البلد المحافظ جدا حيث تكشف النساء عما في أنفسهن أمام شاشة الكمبيوتر. وإنها لخطوة قوية أن يكتبن بأنفسهن عن الأشياء المخجلة والاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها. وهي أمور كانت تجري، بالطبع، منذ سنين، لكنها بقيت سرا. ولم تشكل أصواتهن حركة موحدة إلا بعد ظهور وسائل الإعلام الاجتماعية التي أثرت فيما يحدث الآن.”
“أنا مندهشة بشكل خاص للطريقة التي تبنت فيها المرأة السعودية وسيلة الإعلام هذه، “ونزع الخمار الرقمي” الشامل الذي حدث في هذا البلد المحافظ جدا حيث تكشف النساء عما في أنفسهن أمام شاشة الكمبيوتر(…)”
مخيمات الكمبيوتر كنشاط 
تخبرنا الطحاوي عن جماعة نشطة من لبنان أعجبت بها بشكل خاص تدعى “ميم”. وينبع افتتانها من حقيقة أن هذه المجموعة عرفت تماما كيف تحتشد وتجتمع على شبكة الإنترنت في كافة أنحاء البلاد الإسلامية لحماية السحاقيات وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيا وزيادة الوعي بهم في كافة أنحاء المنطقة.
 موقع “ميم” على الإنترنت عبارة عن مكتبة مع أدبيات ومراجع علاوة على استعداد لتوفير الدعم للأفراد عن طريق الاتصال بالموقع دون ذكر الاسم. يقيم القائمون على الموقع مخيمات إنترنت، وتكنولوجيا معلومات، وتدوين مجانية، ولديهم عدد من البيوت الآمنة منتشرة في مختلف أنحاء لبنان، حيث يمكن للناس الإقامة لفترة قصيرة. في البداية، لم يكن عدد المجموعة يزيد عن 300 شخص، لكن الشبكة تضم الآن آلاف النساء يساعدن بعضهن بعضا- كل ذلك على أساس تطوعي.

الحشد السريع

 بعض رائدات الحركة النسائية من الجيل السابق، مثل سوزن فالودي، لم يفهمن، ببساطة، مدى قوة وأهمية حركة وسائل الإعلام الاجتماعية في البلدان العربية. في العام الماضي كتبت فالودي بأن بعض رائدات الحركة النسائية الشابات هن مجرد مدونات يرتدين الكعب العالي. وكان ذلك مستفزا جدا. العديد من رائدات الحركة النسائية من جيلها لم يفهموا ببساطة أن المجال، والفهم، والحس الجمعي الذي وجدنه في مجموعات الدعم، وجدناه نحن في المدونات. وأننا نخرج أيضا للعالم الحقيقي ونحارب من أجل حقوق المرأة. لكننا نحشد بسرعة وكفاءة تزيد عن ضعف كفائتهن عن طريق الإنترنت.”

احتجاجات خطرة

نظاهرات احتجاج الربيع العربي كان لها ضحاياها. وغالبا ما كانت النساء تدفع ثمنا باهظا لخروجهن في الليل للاحتجاج من دون حماية في بلد يتشدد في مسألة الفصل بين الجنسين.
“إحدى صديقاتي وهي ناشطة نسائية إسلامية كانت تضطر إلى التسلل ليلا لتشارك في التظاهرات في مصر.  وكان هناك الكثير من الحوار على التويتر والفيسبوك حول التقنيات التي يمكن أن تحمي المتظاهرات. النساء كن ينصحن بإحضار “ميز” “maze” وارتداء حجابين، (إن كن يرتدين الحجاب)، بحيث أنه إذا سحب أحدهما عن رأسها فسوف يبقى الآخر، وفي الوقت نفسه يقوم الرجال المرافقين للنساء بالعمل كدرع بشري لحمايتهن من الجنود في الميدان.” كما بينت الطحاوي.
“إحدى صديقاتي وهي ناشطة نسائية إسلامية كانت تضطر إلى التسلل ليلا لتشارك في التظاهرات في مصر.  وكان هناك الكثير من الحوار على التويتر والفيسبوك حول” التقنيات التي يمكن أن تحمي المتظاهرات

مهاجمة إمرأة غربية

لكن هذه الاحتياطات لم تساعد الجميع. مؤخرا، تحدثت المراسلة الحربية لارا لوجان وقاعدتها واشنطن عن مهاجمة مئات الأشخاص لها وتعرضها للإغتصاب في ميدان التحرير خلال إقامتها في مصر لتغطية أحداث الانتفاضة لحساب قناة “سي بي أس”. وقد احتلت الرواية عناوين الأخبار في معظم أنحاء العالم. 
تقول الطحاوي، “ما حدث للوجان كان شيئا رهيبا. والكثيرات منا تأثرن بعمق لهذا الحادث. فقد استهدفت لوجان من قبل جنود مبارك لأنها إمرأة وهدف سهل. حين هوجمت، كان الميدان مفتوحا ويتواجد فيه أناس من مختلف الفئات- وليس متظاهرين وحسب- لذلك كانت الرقابة مفقودة؛ وكان الجو كريها وعدوانيا، مثل أجواء مبارة كرة قدم سيئة.”
وبينت أن مهاجمة لوجان وحقيقة أنها تحدثت عن ذلك علنا ساعد على تركيز الأنظار على العنف الجنسي في مصر، الذي هو جزء من الحياة اليومية للعديد من النساء المصريات. مستوى العنف الجنسي تصاعد بشكل خاص منذ العام 2005 عندما بدأ نظام مبارك في استخدام العنف والمضايقات الجنسية كسلاح استراتيجي ضد الصحفيات والناشطات. ولم تكن  الطحاوي نفسها غريبة عن هذا النوع من المضايقات.
” فقد استهدفت لوجان من قبل جنود مبارك لأنها إمرأة وهدف سهل. حين هوجمت، كان الميدان مفتوحا ويتواجد فيه أناس من مختلف الفئات- وليس متظاهرين وحسب- لذلك كانت الرقابة مفقودة؛ وكان الجو كريها وعدوانيا، مثل أجواء مبارةكرة قدم سيئة.”

حياة تحت تهديدات متصلة

وتضيف الطحاوي، “حياتي كصحفية كانت مليئة بالتهديدات، والحقد، والاعتداءات الجنسية. مؤخرا، استهدفني موقع عربي على الشبكة الإنترنت مهددا برش وجهي بالأسيد، وعندما كنت أغطي إحدى المحاكمات قبل سنوات أمسك أحد رجال الشرطة فجأة بصدري. وعندما أخبرت رئيسه اكتفى بهز رأسه. لكني أواصل مسيرتي. هذا كل ما أريد فعله- أن أكتب وأرد. كراهيتهم تجعلني أواصل المسيرة.”
وتبين الطحاوي، بأن العنف الجنسي ضد المرأة هو من أكثر المواضيع التي تبحثها المدونات الشابات ويناقشنها لأنها تحدث يوميا في مصر في  الشارع وأماكن العمل.”
ومن المحزن أنه لم يصبح قضية حقيقية إلا بعد أن هوجمت إمرأة بيضاء- خاصة في العالم الغربي لأنه يناسب الصورة النمطية التي يحملها الغرب وتصف الرجل المسلم بالقذارة والعنف. 
 وهي ترى أنه وباء خرج تماما عن السيطرة، ومن المحزن أنه لم يصبح قضية حقيقية إلا بعد أن هوجمت إمرأة بيضاء- خاصة في العالم الغربي لأنه يناسب الصورة النمطية التي يحملها الغرب وتصف الرجل المسلم بالقذارة والعنف. 

نريد أن نقول لكلا الجماعتين أن “يتركوننا وشأننا”

“نحن النساء المسلمات عالقات في مآزق، من جهة، يتعين علينا أن ندافع عن أنفسنا من كارهي النساء الذين يعتقدون أن لا بأس في ملامسة المرأة في الأماكن العامة، أو ما هو أسواء ، اغتصابها. ومن جهة أخرى، يتعين علينا أن نشرح وندافع عن الرجال المسلمين أمام العنصريين الذين يعتقدون أن الرجال المسلمين هم مغتصبون محتملون، الواقع أن ما نريد قوله لكلا المجموعتين هو اتركونا وشأننا.”
التهديد بالموت، والمضايقات والإهانات لم تثن منى الطحاوي الحاصلة على جائزة عن مسيرتها؛ الواقع أنها ترى هذه الأمور كجزء من عملها كصحفية مسلمة تعيش في الغرب. ولا تتخذ سوى بعض الاحتياطات البسيطة حين يتعلق الأمر بسلامتها الشخصية وفي بعض الأحيان تترك تعليقات الكراهية على موقعها بحيث يمكن للمدونين الآخرين والقراء التعليق عليها. بالنسبة لها، فهي تستمد قوتها من داخلها وقد أدرجتها مجلة “أريبيان بيزنس” مؤخرا بوصفها واحدة من أقوى النساء العربيات في العالم. من بين النساء اللواتي على القائمة العديد من صاحبات النفوذ في مجال الأعمال، لكن لم ترد فيها سوى قلة من الصحفيات من أمثال الطحاوي. 
“نحن النساء المسلمات عالقات في مآزق، من جهة، يتعين علينا أن ندافع عن أنفسنا من كارهي النساء الذين يعتقدون أن لا بأس في ملامسة المرأة في الأماكن العامة، أو ما هو أسواء ، اغتصابها. ومن جهة أخرى، يتعين علينا أن نشرح وندافع عن الرجال المسلمين أمام العنصريين الذين يعتقدون أن الرجال المسلمين هم مغتصبون محتملون، الواقع أن ما نريد قوله لكلا المجموعتين هو اتركونا وشأننا.”
“لقد بدأنا للتو في تفكيك الصور النمطية التي يحملها المسلمون والعرب والمتعلقة بماهية المرأة- وما يمكنها أن تكونه تحققه. السلطة في الشرق الأوسط اليوم ما زالت تتوازى مع المال والثروة. ولو طُلب مني وضع مثل القائمة المذكورة أعلاه، لضممت العديد من المدونات المدافعات عن المرأة من الذين تحدثت عنهم هنا. لأنهن هن من سيقمن، على المدى الطويل، بالتغيير والحشد بأكثر الطرق فاعلية من خلال وسيلة الإعلام الجديدة نيابة عن نساء العالم العربيات والمسلمات.”  
 التصوير: كيم أجيرستسن, المكتبة الملكية