يحكي الكتاب الجديد ومعرض الصور الذي يطلق عليهما اسم “سيفن” قصص نساء يعانين من سوء المعاملة ويتعرضن “لعتبة الألم القانونية” هذه التي تدوم لمدة سبع سنوات. أين نتخطى حدود الألم الخاصة بنا؟ تتسائل الكاتبة كيرستن ثوراب (Kirsten Thorup) ) المشهود لها في التمهيد لهذا الكتاب.
بقلم كيرستن ثوراب

سبعة

لقد سلطت المروجة الثقافية أوزما أحميد (Uzma Ahmeed) والمصورة تينا إنغهوف (Tina Enghoff) الضوء على واحدة من أكثر القضايا الإنسانية الحساسة في الدنمارك من خلال مشروعهما التصويري الخاص الذي يحمل العنوان "سيفن" (سبعة). فلقد وضعتا عبر نشر كتاب وإقامة معرض كبير في المكتبة الملكية في الدنمارك "قاعدة السبع سنوات" الخاصة بالدنمارك في الصدارة؛ وقاعدة السبع سنوات هذه هي جزء من التشريعات المثيرة للجدل والتي تؤثر في المقام الأول على النساء المقيمات في الدنمارك واللاتي تم جمع شملهن مع أزواجهن. ولقد كتبت كيرستن ثوراب  (Kirsten Thorup)، وهي أحد أشهر الكاتبات الدنماركيات، مقدمة الكتاب. ولقد أثارت ثوراب في مقدمتها تساؤلات عن غياب "حدود الألم" الخاصة بالدنمارك عندما يتعلق الأمر بهؤلاء النساء اللاتي يجدن أنفسهن محاصرات بين حياة يعانين فيها من سوء المعاملة أو الترحيل.

ويعني هذا التشريع الدنماركي أنه يتحتم على أي امرأة أتت إلى الدنمارك لكي يتم لمّ شملها مع زوجها أن تبقى "مرتبطة" بزوجها لمدة سبع سنوات قبل أن تتمكن من التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة بشكل مستقل. في ربيع عام 2010، تم تغيير هذه القاعدة بخفض المدة التي يجب أن تبقى خلالها المرأة مرتبطة برجل ما إلى أربع سنوات قبل أن تصبح مؤهلة للحصول على الإقامة الدائمة. ولكن من ناحية أخرى، جلب هذا التعديل معه شروطاً أكثر صرامة في قضايا مختلفة مثل العمل وإتقان اللغة الدنماركية والتعليم. فضلاً عن هذا، تم إدخال "قاعدة السنتين" التي تسمح للمرأة أن تقدم طلباً للإقامة بعد مرور عامين إذا كان باستطاعتها إثبات أن سبب انهيار الزواج هو الإساءة والإيذاء الجسدي مع قدرتها على تقديم دليل واضح على ارتكاب الإيذاء الجسدي.

الإحصاءات

لا توجد أرقام وإحصاءات تبين عدد النساء الموجودات في الدنمارك من ضحايا العنف. كما أن هناك خلافاً كبيراً بشأن عدد النساء الأجنبيات اللواتي حضرن إلى الدنمارك للانضمام الى أزواجهن ويعشن خفية عن أعين السلطات وهن ضحايا العنف والاعتداء الزوجي.

أن الغالبية العظمى من النساء القادمات إلى الدنمارك من الخارج لجمع شملهن مع أزواجهن متزوجات من مواطنين دانماركيين أو اسكندنافيين. وتظهر إحصاءات تأشيرات الزواج لعام 2009 أن 3043 تأشيرة زواج من أصل 3662 أُصدرت لأزواج متزوجين من مواطنين دنماركيين أو اسكندنافيين (دائرة الهجرة الدنماركية، 2010). إن أكثر الدول التي تم منح مواطنيها تأشيرات زواج هي تايلاند وتركيا والفلبين. وتبين التقارير السنوية التي تصدرها مآوي النساء في الدنمارك أن حوالي 40% من ما يقارب 2000 امرأة تلجأ سنوياً إلى مآوي النساء من خلفيات عرقية غير الدنماركية.


هناك شيء قاتم ورهيب في دولة الدنمارك؛ في جوتلاند وشمال زيلاند وكوبنهاغن الكبرى، وفيونن ولانغلاند. قد تكون هاته النساء المجهولات الهوية في الصور الفوتوغرافية للمصورة تينا إنجهوف (Tina Enghoff ) وكذلك السبع نساء اللاتي تحدثن في المقابلات المطبوعة جاراتنا في ضواحينا أو يسكن على الجانب الآخر من الجدار في الشقة المجاورة، حيث يعشن في واقع حياة يومية يتخللها وابل من التهديدات المستمرة المتمثلة بالإيذاء الجسدي والنفسي مع ألفاظ مذلة وضرب وركل واحتمال التعرض للاغتصاب.
نعلم انهن موجودات، ولكن من النادر أن يجري تذكيرنا بوجودهن. فهن يعشن هناك وراء الأفق، وقد تحول وجودهن إلى مجرد ظل في ظلمة القمع. في معظم الوقت، ننسى هاته النساء وكل ما يتعلق بهن والمحن المؤلمة التي يعانين منها ونعيش قربهن كالثقوب السوداء في وعينا.
إن مصائر النساء التي تجلت بوضوح في الصور والكلمات الواردة في هذا الكتاب المحدث للتغييرات ليست سوى غيض من فيض. فهن يمثلن عدد غير معروف من النساء الأجنبيات اللاتي يعشن وراء الجدران السميكة والأبواب المغلقة في ظروف لا تليق بالبشر. لقد تم جمع شملهن مع أزواجهن ويسكنّ في الوقت الحاضر في الدنمارك وفقا للقانون تماماً. ومع ذلك، فهن لا يتمتعن بالحماية من قبل الضمانات القانونية المعمول بها ولا يحصلن على الحقوق الأساسية للإنسان. القاسم المشترك لهؤلاء الناس هو أنهم نساء قادمات من دول تقع خارج الدول الغربية مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا. إن الجمع بين كونهم أنثى ومن أصول غير غربية يعرضهن لجرعة مضاعفة من التمييز في النظام الاجتماعي الدنماركي.
لماذا لا تتم مقاضاة مرتكبي جرائم العنف سواء كانوا أزواجاً دنماركيي الأصل أو من أصول غير دنماركية؟ لماذا لا يتم القبض على هؤلاء وتوجيه التهم إليهم وفي نهاية المطاف معاقبتهم بعدما تقوم أجهزة الشرطة بنقل زوجاتهم اللاتي تظهر عليهن آثار الضرب والدماء من الشوارع أو من درج السلالم  إلى مراكز الأزمات أو المستشفيات؟
أحد الأسباب التي تفسر ذلك هو أن عبء الإثبات يقع على عاتق المرأة (على سبيل المثال، يُشترط على المرأة أن تحصل على شهادة من طبيب)، على الرغم من أن هاته النساء في الغالب منقطعات تقريباً عن العالم الخارجي ويعشن فعلياً في عزلة تامة، من دون  أي فرد من أفراد العائلة أو الأصدقاء. وعلاوة على ذلك، من المحتمل جداً أنهن لا يعرفن اللغة الدنماركية أو لديهن معرفة قليلة جداً، كما قد يجهلن كيفية سير الأمور والإجراءات هنا في الدنمارك، لا سيما وأن الزوج العنيف غالباً ما يقف في طريق مشاركة زوجته في دورات تعلم اللغة الدنماركية. وما دامت الشرطة تقف مكتوفة الأيدي وتعجز عن التحرك بشكل فعال باتجاه حل جرائم العنف، وطالما أن المرأة لا تملك دليلاً سوى جسدها المليء بالكدمات، سينجو مرتكبو هذه الجرائم بأفعالهم.
في السنوات القليلة الماضية، تسابقت الحكومة وحزب المعارضة فيما بينهما وتجاوزا بعضهما الآخر بشكل دوري من خلال اقتراح التدابير التي تفرض عقوبات أكثر صرامة من شأنها أن تضع كابحاً للعنف في المجتمع وتُفعل رعاية أفضل لضحايا العنف إضافة إلى رفع مستوى فكرة العدالة لدى عامة السكان. ومع ذلك، فمن الواضح أن العنف الذي يجري داخل المنازل الخاصة للناس، وتحديداً عندما تكون المرأة من بلد غير الدول الغربية، لا يتم اعتباره. عندما يتعلق الأمر “بإعادة توحيد” ولم شمل المرأة الأجنبية مع زوجها، توضع الرعاية والاهتمام بضحايا العنف في وضع الاحتياط. هذه مسألة لها صفة الاستعجال والأهمية بالنسبة للسياسيين ممن لديهم نية حسنة وعزم باتجاه التصحيح، الذين يظهرون بين الحين والآخر في وسائل الإعلام ويقدمون وعوداً عن الرغبة في العمل نحو تحقيق المساواة للنساء المهاجرات المظلومات والمضطهدات.
النساء اللاتي ظهرن في العديد من الصور وغيرهن الكثير يعشن يوما بعد يوم تحت ظروف من العنف الوحشي الذي يمكن تشبيهه في طبيعته المنهجية والثابتة بالتعذيب. يمارس العنف الجسدي من قبل الزوج، وفي بعض الحالات من قبل عائلته أيضاً. ولكن غالبية التشريعات الدنماركية (  Folketinget)  قدمت لمرتكبي الجرائم أداة تستخدم بدأب، وفقا لأقوال النساء اللواتي أجريت معهن المقابلات هنا، كأداة لإطلاق التهديدات وكأداة للسيطرة على النساء لحملهن على الانضباط والطاعة والخضوع؛ هذه الأداة القانونية هي قاعدة السبع سنوات، وهي شرط إلزامي  يحتم على الشخص أن يكون مقيماً في الدنمارك لمدة سبع سنوات على الأقل قبل أن يحق له/ لها أن يتقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة.
وطالما لم تستوف المرأة الوضع الذي من شأنه أن يمنحها حق الإقامة الدائمة، فإنها تواجه عادة احتمال طردها من الدنمارك في حالة اتخذت قراراً بترك زوجها العنيف. في كثير من الأحيان، يتم ترحيل المرأة وإعادتها إلى موطنها، إلى الواقع المظلم حيث قد تعيش حياتها هناك كعاهرة، منبوذة من قبل عائلتها، مع احتمال تعرضها إلى تهديد مباشر يودي بحياتها.
تخضع هاته النساء اللاتي قد تعرضن إلى سوء المعاملة إلى ” عتبة ألم  ” قانونية تستمر لمدة سبع سنوات. أين نتخطى حدود الألم الخاصة بنا؟ وإلى متى يمكننا التعايش مع حقيقة أن النساء اللاتي يملكن حق الإقامة في الدنمارك بصفة قانونية منذ سنوات يتم إجبارهن في بعض الأحيان على العيش في ظروف مخزية ومذلة ومدقعة؟ هل يتحتم علينا، كمواطنين في دولة ديمقراطية، أن نقبل ببساطة أن تعيش النساء اللواتي تم “إعادة توحيد أسرهن” وانتهى المطاف بهن في زواج يمتاز بالعنف، أن يعشن هنا كالمنبوذين من دون أية حقوق قانونية؟ وأنه يتم إعادتهن إلى بلدانهن الأصلية كما تُلقى القمامة عندما لا يعدن قادرات على التعايش مع العنف الزوجي اليومي ومواجهته؟ أو عندما يتخلص منهن الزوج الذي وجد امرأة أخرى جديدة وشابة من أحد بلدان العالم الثالث ويمكنه أن يمضي في حياته ببساطة من دون مواجهة أي خطر فعلي ويستمر في هجماته العنيفة؟
إن أحد الصفات التي تجعلنا بشراً هو التعاطف مع الآخرين والقدرة على الشعور معهم وفهم محنهم والقدرة على الشعور بالبهجة أو المعاناة معهم والإحساس مع بعضنا الآخر. ومع ذلك، فإن مجرد تخيل الكابوس الذي تعيشه كل واحدة من هاته النساء اللواتي يتعرضن للضرب وتصور شعور الفزع والحزن والألم الذي ينتابهن لهو أمر لا يطاق.  ويبدو أن الاحتقار الصارخ والسخرية القاسية لحياة الإنسان التي تتجلى وتتجسد بوضوح في التشريع الدنماركي الوارد في المادة 11، الفقرة 3 من قانون الأجانب (دمج) رقم 945  الصادر في 1 سبتمبر/ أيلول 2006، وتطبيقه، هو أيضا أمر لا يطاق.
إلى متى يمكننا التعايش مع حقيقة أن التعددية الحاكمة في التشريع الدنماركي في قصر كريستيان سبورج تقوض جذور ديمقراطيتنا وتعمل على تآكل مجتمعنا بالاستناد إلى سيادة القانون، والتي تعتبر مهمتها الرئيسية حماية الفرد من خلال التشريع الذي يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة (1) التي تنص على أنه: “يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”.