شادية بنيس هي المديرة لإحدى شركات  المبيدات في المغرب. في أحد الأيام، عندما كانت تقوم بزيارة أحد العملاء، حان موعد تناول وجبة الغداء. ولكن، فجأة تغير الجو العام للجلسة وأصبح محرجاً ومربكاً قليلاً.لقد أراد العميل بالفعل أن يدعو المديرة لتناول وجبة غداء لطيفة في منزله، كبادرة طيبة من أجل دعم وتوثيق شراكة العمل بينهما. ولكن، كانت هناك مشكلة. إن المديرة  امرأة. ولم يكن العميل متأكداً من رد فعل زوجته عندما يعود إلى المنزل وبصحبته امرأة غريبة. وبناء على ذلك، تم تناول الغداء  في أحد المطاعم بدلاً من منزل العميل.
عندما تروي شادية بنيس هذه القصة، تفعل ذلك مع ابتسامة مرسومة على شفتيها. إنها معتادة على حقيقة أن عملاء الشركة يواجهون تحدياً في كون المديرة امرأة. في المغرب، يسيطر الرجال على القطاع الزراعي بدرجة كبيرة؛ وبنيس هي المرأة الوحيدة التي تتبوأ منصب عضو مجلس إدارة منتدب في هذا القطاع في كافة أنحاء المغرب. ولا يعتبر هذا الأمر مشكلة عند التعامل مع موردي الشركة الأجانب، والذي يصادف أيضاً أن جميعهم رجال. ولكن، فيما يتعلق بعملائها من أبناء بلدها، فالوضع مختلف تماماً.
وتوضح بنيس، “يجد العديد منهم صعوبة في التعامل مع حقيقة أن المديرة امرأة. ولهذا السبب، أصطحب معي دائما أحد الموظفين الذكور الذين يقومون بدور الوسيط بيني وبين العميل. ولا يعود السبب في هذا إلى أنهم قد رفضوا في أي وقت مضى التعامل معي؛ ولكن، اسمحوا لي أن أوضح المسألة، في مثل هذه الحالة لا يمكن حقاً تطوير وبناء علاقات مع العملاء”.

الانطلاق بسرعة قصوى إلى الأمام 

بنيس هي واحدة من سيدات الأعمال الناجحات في المغرب اللاتي يعملن بنشاط وفاعلية لوصول مزيد من النساء المغربيات إلى مناصب الإدارة العليا. وهي عضو فاعل في منظمة (AFEM)، وهي منظمة لسيدات الأعمال الرائدات والمدراء التنفيذيين من النساء في المغرب. 
وهي أيضا إحدى المرشدات الجدد في منظمة (AFEM) اللاتي يقمن بدعم وإلهام غيرهن من النساء. وبالنسبة لبنيس على وجه الخصوص، فلن يكون هناك أي مشكلة في قيامها بإنجاز هذه المهمة حيث تعتبر امرأة غير عادية حقاً.

ان كرات الدهان هواية من هوايات شادية بنيس وتعتبر معضمها غير التقليدية لامرأة ولكن كلها متضمنة في التوازن بين الاسرة والعمل والانشطة التي من اجل الترفيه والوحى فقط 
إن شادية بنيس ليست المرأة الوحيدة التي تتبوأ منصب المديرة في القطاع الزراعي في المغرب فحسب، بل هي سائقة سباق السيارات (الرالي) أيضاً كما وتلعب لعبة كرات الدهان-  وهذه النشاطات والممارسات ترتبط في العادة بالرجل. فضلاً عن ذلك، تمارس بنيس أيضاً اليوغا والتاي تشي وتمثل على المسرح. وهي عضو نشط في جمعيات مختلفة بدءاً من نادي الروتاري إلى منظمة (AFEM). حاليا، تدرس بنيس لتصبح مدرباً، جنبا إلى جنب مع وظيفتها كمديرة. وتستطيع بنيس أن تدير جميع هذه المهام والنشاطات والهوايات إلى جانب كونها زوجة وأم لطفلين يبلغان 11 سنة و 15 سنة. 
تقول شادية بنيس، “لدي تعطش حقيقي للمغامرة وقدراً كبيراً من الطاقة. كوني شخص منفتح يعني الكثير بالنسبة لي، وكذلك الأمر خارج العمل. ولهذا السبب أرغب في أن أفعل الكثير من الأشياء الممتعة مع أصدقائي وأن أشارك المشاركة في شبكات ومنظمات ملهمة وخلاقة. وبالطبع أحتاج أيضاً إلى “وقت مخصص لنفسي”، ولكن يوجد دائما توازن. وبالنسبة لوالدي، فهما لا يوافقان دائماً على ما أفعل ويتهماني باستمرار بأنني لا أقضي وقتاً كافياً مع عائلتي”. 

المساواة دائماً في المنزل

بالنسبة للعديد من بنات بلد شادية بنيس، تعتبر حياتها أمراً مستحيلاً. ورغم أن عدد النساء ممن يتعلمن ويثقفن أنفسهن يتزايد باضطراد، إلاّ أن فكرة أن دور المرأة في الحياة يقتصر على الزواج وإنجاب الأطفال ورعايتهم والاهتمام بشؤون المنزل، لا تزال سائدةً في المغرب.
هذه هي الأفكار والمفاهيم التي تواجهها شادية بنيس أحياناً عند لقائها عملاء الشركة ذوي التفكير التقليدي. ولكن هذا الأمر لم تتعرض له بنيس في أي وقت مضى في المنزل.
وتوضح بنيس، “في الغالب، لا يوجد أشخاص كثيرون مثلي. لقد نشأت في منزلٍ مع والد منفتحٍ جداً لم يعامل أبناءه بشكل مختلف عن بناته أبداً. لقد كانت ثقته بي كبيرة جداً وباستمرار”. 

وتتبوأ بنيس منصب المديرة للشركة التي أسسها والدها. في البداية، قام والد بنيس بتوظيفها في الشركة في منصب المدير المالي عندما حصلت على شهادة في الاقتصاد من إحدى الجامعات الفرنسية. بعد مرور  17 عاماً في هذا المنصب، تولت شادية بنيس منصب المديرة في عام 2005. ولكن، لم تكن عملية الانتقال سهلة. لقد عانت بنيس تأنيب الضمير في ما يتعلق بأطفالها الصغار.

الأم مقابل المدير 

عندما تولت بنيس منصب المدير المالي، قضت ساعات طويلة في وظيفتها، وعرفت أنه عند انتقالها إلى منصب المديرة فإنها ستضطر إلى قضاء المزيد من الوقت في العمل. وكان هذا احتمالاً لم ترغب به بنيس وزجها على وجه الخصوص. 
وتقول بنيس، “لقد وجدت الأمر صعباً  لا سيما فيما يتعلق بإبني الذي كان يبلغ ستة أعوام فقط. إنني أم جيدة. أريد أن أقضي بعض الوقت مع أولادي واستثمر وقتي فيهما. لذلك شعرت بأنني كنت أضحي بإبني لصالح وظيفتي”. 
وثمة مشكلة أخرى ألا وهي زوج بنيس. فهو طبيب أشعة ولديه وظيفة شاقة جداً ويترتب عليها متطلبات كثيرة. لقد كان زوج بنيس مؤيداً وداعماً لها في حياتها المهنية باستمرار، ولكن في هذه المرّة كان لديه شكوك كثيرة. فمن أجل الحفاظ على التوازن في المعادلة، سيكون لزاماً عليه أن يقضي ساعات إضافية في رعاية الأطفال عندما تكون والدتهم غائبة عن المنزل تعمل بوظيفة المديرة. 

بحثت شادية بنيس عن المساعدة من خلال مساق التدريب الذي كانت تدرسه في ذلك الوقت. فقامت بتعليم نفسها وزوجها كيف يتم التعامل مع هذه المشكلة من زاوية مختلفة. 
“ساعدتُ  زوجي في إدراك الفوائد التي سيجنيها من الاقتراب من أبنائه. كما وأدركتُ أنه لا يوجد أي منفعة لي من تأنيب الضمير. وهذا أمر منصف، حيث سيتوفر لدي وقت أقل لقضائه مع ابني، ولكن هذا لا يعني أن نوعية وقتنا سوياً سوف تتأثر بسبب ذلك. أما بالنسبة لابنتي، التي كان عمرها 10 سنوات في ذلك الوقت، فسأكون بمثالة النموذج الجيد لها لتقتدي به”. 

الشجاعة الضرورية اللازمة 

اليوم، تشعر الأسرة بأكملها بالسعادة والرضى. لا يستغرب أي أحد، سواء أصدقاء شادية أو أصدقاء زوجها ومعارفهم، من هذه المرأة غير التقليدية. وهذه مجموعة  تتضمن العديد من الرجال والنساء “التقليديين” كما تطلق عليهم بنيس. 
وتضيف بنيس، “يسألني كثير منهم عن حياتي، ولكن لم يتم رفضي من قبل أي منهم. إنني أيضاً كتومة ومتحفظة جداً بهذا الخصوص”.
في بعض الأحيان، يعتقد والدا بنيس أن لدى ابنتهما الكبرى عدداً كبيراً جداً من الهوايات والاهتمامات الخارجية. ومع ذلك ، تحصل بنيس على دعمهما الكامل وهما فخوران جداً بها. 
وكذلك الأمر بالنسبة لشادية بنيس؛ فهي راضية ومسرورة لتحليها بالشجاعة لمتابعة مسيرتها المهنية لأن هذا الأمر كان مهماً جداً بالنسبة لها. وتنوي بنيس الآن تمرير وإيصال هذه الرسالة من خلال دورها كمرشدة في منظمة (AFEM).
هذا، وتنتظر المديرة بفارغ الصبر حلول فصل الربيع،  موعد سباق السيارات (الرالي) الذي سيجري هذا العام. وسيكون هذا الرالي خاصاً بالمرأة حيث سيتم خلاله توقيت قيادة شادية بنيس، وعدد من سيدات الأعمال، حول المغرب. وبخلاف سباق السيارات (الرالي) للرجال، فإن التركيز هنا ليس على سرعة القيادة والوصول إلى خط النهاية، بل على كيفية القيادة وتخطيط المسار أثناء ذلك. العملية نفسها هي الأمر المهم في هذا.  وهذه الفلسفة في حد ذاتها هي الرسالة الموجهة من المديرة ذي خبرة واسعة  إلى المديرات الطموحات الجدد في عالم الأعمال المغربي. 
  الصور: أولريكى موستغارصور خاصة