صندوق الحقائق

يقول معن عبد السلام الناشط السوري من أجل حقوق المرأة: “أنا لا أتصور أن يكون المستقبل قاتما بالنسبة للنساء في سوريا”. لقد تلقى تعليمه في الأدب الإنجليزي ودرس حرية الصحافة والديمقراطية في مختلف الجامعات خارج سورية.
معن عبد السلام هو مؤسس مجلة على شبكة الإنترنت تسمى “الثرى”، فهو يكتب عن الثقافة والأدب والبحث في المواضيع المتعلقة بالمرأة. وتقوم بإصدار هذه المجلة دار إيتانا للنشر، وهي منظمة غير حكومية لديها دار نشر خاصة، وهي تدعم النشاط في المجتمع المدني –والشباب بشكل رئيسي- والتي أسسها أيضاً معن عبد السلام.
وقد كان “إيتانا” أيضا إسم مقهى الكتاب الذي أصبح قاعدة للنشاطات الثقافية والأدبية، والذي قام معن عبد السلام بافتتاحه لممارسة أعماله ونشاطاته. المقهى مغلق اليوم، ومعن عبد السلام يعيش الآن في لبنان حيث منفاه.
وعلى الرغم من لهجته التي توحي باعترافه بالأمر الواقع، إلا أنه لا يزال متفائلا.
ويوضح قائلا: “لقد اكتسب الدور الذي بالفعل لعبته المرأة السورية في الثورة التقدير. إن جهودهن المبذولة مكنتهن من السعي للحصول على حقوقهن المشروعة للمشاركة في كل ما هو آتٍ.”
يقوم معن عبد السلام بزيارة الدنمارك للمشاركة في مؤتمر في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS). وفيما يتعلق بهذا، فإنه يقوم بزيارة كفينفو لتبادل المعلومات والخبرات. وقد أتيح لمنبر “حوار المرأة” في هذا المقام التحدث إليه.

تغير المواقف تجاه النساء

وفق ما يراه معن عبد السلام، فإن المرأة السورية كان لها دور في الثورة، وهي تواصل القيام بذلك بينما نجري هذا الحديث معه، على قدم المساواة مع الرجل، كمقاتلات نظاميات ومزودات للمؤونة، وكذلك حُماةً ويقدمن الرعاية الصحية. لقد كانت هناك أيضاً نساء متظاهرات. وعلى مدار الثورة بأكملها، كانت وجوه النساء في طليعة الظهور في وسائل الإعلام والوعي الشعبي.
ويُفسر قائلا: تلك المشاركة قد اسهمت في تحريك البنى الاجتماعية، وتغيير نظرة المجتمع للمرأة. وبعبارة أخرى، فإن الطريقة التي كان ينظر بها الرجال للنساء قد تغيرت.
ويؤكد معن عبد السلام قائلاً: “من الأمثلة على سبيل التحديد، تلك النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب من قبل القوات الحكومية، واللواتي أصبحن حوامل نتيجة لذلك. لا أحد يستطيع الحكم عليهن وازدرائهن، بل على العكس من ذلك فغالبية الناس تشعر بالقلق أكثر حول كيفية دعم ومساعدة تلك النسوة، وذلك تحول غير متوقع للأحداث، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره قبل الثورة. وفي عدد من المظاهرات، رأينا العديد، ومن كلا الجنسين، يسيرون رافعي الأعلام سوية، وهذه علامة أخرى على أن الرجال الآن يعترفون بحقيقة أن هناك تمييز مسموحٌ به قانونا”.

بطء وتيرة الإصلاحات

بطبيعة الحال فهو مدرك للمخاوف ويشاطره بذلك الآخرون، إستناداً إلى حقيقة أن المشاركة الفعالة للمرأة في دول عربية أخرى قد لا تؤدي إلى زيادة تمثيل المرأة في السياسة وغيرها من هيئات صنع القرار. لكن في سوريا، يعتقد معن عبد السلام أن الوقت هو العامل الأساسي للتغيير. كما أنه هو نفسه يقول: الثورة لن تنته بمجرد مغادرة الرئيس للبلاد أو تنحيه عن السلطة والتعهد بعدم ترشيح نفسه لإعادة انتخابه.
ويقول “إن تحقيق النتائج التي يتحدث عنها الجميع دائما تستغرق زمناً أطول من المتوقع. والناس سرعان ما ينسون. صحيح أن هناك خطر يتمثل في حدوث نسيان لدور المرأة في أي نشاط من نشاطات الثورة، لكن، ولهذا السبب تحديداً فإننا بحاجة إلى تذكير بعضنا البعض والحديث عن هذا الامر”.
لقد بدأ معن عبد السلام يتحدث عن حقوق المرأة منذ أكثر من عشر سنوات. وفي ذلك الوقت، كان قد اتخذ قرارا مفصلياً.

تغيير المسار

في احدى الليالي في بداية عام 2001، جمع معن عبد السلام جميع أصدقائه في مقهى دمشق. وقال أن لديه شيئاً هاماً يود قوله لهم.
وكان هذا الإعلان، الذي اجتمع الجميع معا لسماعه، وهو أنه يلتزم ومن تلك اللحظة فصاعداً بالكفاح من أجل تحقيق المساواة للمرأة والمناداة بحقوقها. وقد تسبب ذلك في ظهور ابتسامات استخفاف عفوية من بعض أصدقائه، بينما تفهم ذلك أغلبيتهم، وكان داعماً له في اتخاذ قراراه.
في مرحلة ما، عمل معن عبد السلام كمنتج للبي بي سي العالمية. وبما انه لا يستطيع تحمل تكاليف التخلي عن وظيفته، اختار أن يعمل بدوام جزئي حتى نهاية عام 2003 حين تكلل سعيه بالنجاح في الحصول على تمويل كاف لنشاطاته فأصبح قادراً على الاستقالة.
  

الشعور بالمسؤولية في ظل الحرية

ويقول معن عبد السلام: “شعرت بواجب المسؤولية. شعرت أنني في الواقع يمكن أن أُحدث فرقا، وأن أتمتع بحرية التصرف الكاملة. وأقصد بالحرية هنا، أنني أتفهم كلا الامرين، وهما الخوف ومعرفة معنى الظلم”.
لقد أصبح على دراية تامة بالظلم وذلك من خلال عمله مع بي بي سي العالمية عندما قاموا بزيارة نشطاء في حقوق المرأة وسجناء في السجون السورية وغيرها. في كثير من الأحيان كانت “هذه النوعية من القصص” هي ما أصبح يغطيه في النهاية، دون أن يكون ذلك نتيجة اختيار واع من قبله، أو لأن عمله تطلب منه ذلك. ببساطة، لقد كان ما كان.
لكنه اتخذ قراراً في عام 2001 بمكافحة هذا الظلم بطرق أخرى.

شاهد على التمييز

وكما يوضح معن: “من الصعب بالنسبة لي شرح ذلك. يمكنكم القول بأنني شعرت بأن لي علاقة شخصية بالقضية، ولم يكن لدي أية خبرة أو نشاط قانوني أو غيره في هذا الموضوع. ولم أكن أعرف شيئا على الإطلاق عن حقوق المرأة، ولكنني كنت أعرف شيئا عن التمييز”. 
يصف معن عبد السلام التمييز بأنه ما كان يتصرف ضده فيما مضى من قضايا مثل حقيقة عدم السماح للنساء السوريات بالسفر إلى الخارج دون الحصول على موافقة من أحد أقاربهن الذكور، وعدم استطاعتهن فتح حساب مصرفي، وفقط يرثن نصف تركة أزواجهن، وقد ترى النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب يشاهدن من اعتدى عليهن يطلق سراحه إذا تزوج من ضحيته. تلك هي حالات التمييز المسموح بها بموجب القانون.
وبين حالات الظلم تبقى حقيقة أن المرأة والثقافة، وفقاً لعبد السلام، هما أول من يعاني من أثر تعرض البلاد للنزاعات، لأسباب ثقافية وهيكلية. فالنساء اللواتي يفقدن أزواجهن (أو أن أزواجهن قد فقدوا القدرة على العمل بسبب الإصابة) يجدن صعوبة في العثور على عمل لأن المجتمع يعتبرالرجل فقط هو المعيل الرئيسي في الأسرة. وأيضاً هؤلاء النساء اللاتي يعانين من آثار الاعتداء يجدن صعوبة في الحصول على الدعم والمساعدة المطلوبة، مما يجعلهن أكثر عرضة للخطر.

يعطي كل ما لديه من أجل الديمقراطية

ومنذ العام 2001 وحتى اليوم (وحيث أنه لا يستطيع العيش في دمشق، فهو يعيش حالياً في بيروت حيث منفاه)، فإن معن عبد السلام يقف خلف تكوين مجموعة متنوعة من الأنشطة والمشاريع الرامية إلى تعزيز حقوق المرأة والمساواة. فالمؤتمرات والمواقع وحلقات العمل وتدريب الطلاب والصحفيين ومجموعات الدراسة والمكتبة ومقهى الكتاب ليست سوى بعض من المبادرات التي كان يقف وراءها، وجميعها تم بدعم من العديد من المانحين الدوليين.
إن اهتمامه يتركز اليوم ليس على حقوق المرأة فحسب، بل أيضاً على حقوق الأطفال والشباب، فضلاً عن حقوق الإنسان بشكل عام. إن جميع هذه المساهمات هي من أجل إنشاء ديمقراطية سليمة، وهو الهدف العام بالنسبة لمعن عبد السلام. 
وفي محاولة أخرى لتحديد السبب الرئيسي لاختياره العمل في موضوع حقوق المرأة في المقام الأول، ومع قليل من المعرفة المسبقة في هذا المجال، يوضح قائلاً: “الحقوق هي عنصر أساسي في أي مجتمع ديمقراطي، وفي الواقع، هذا صحيح بالنسبة للمرأة والأطفال والأقليات جميعاً. ولكنني أعتقد أن تغيير التشريعات التي تعمل على التمييز هي التي سوف تؤثر في المجال الديمقراطي”.

الحقوق يعني أن تعطي، لا أن تأخذ فقط

يرى معن عبد السلام بأن التغيير هو عملية تحدث حالياً بالفعل داخل مجتمع يمر بثورة من هذا النوع للمرة الأولى في التاريخ. ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تتم فيها مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل، إلا أن معن عبد السلام ما زال يعتقد أن هذه المرة ستكون مختلفة، وستؤدي إلى شيء أفضل.
ويقول: “صحيح أن المرأة قد شاركت في الثورات والمظاهرات في وقت سابق من التاريخ، على سبيل المثال، ما كان ضد القوى الاستعمارية. وكانت هناك ومضات مضيئة عبر التاريخ السوري في جميع أنحاء البلاد عندما كانت النساء تتمتع بحرية العمل، والتحدث، والكتابة، والتنقل وارتداء ما يرغبن به. ولكن السبب في أن ذلك لم يؤد إلى مساواة طويلة الامد إنما هو عودة الدكتاتوريات التي أعقبت ذلك. وذلك ما أحدث الفرق. والآن هناك فرصة أخرى – فرصة نحن بحاجة لانتزاعها بكلتا يدينا. نحن بحاجة للتحدث إلى الناس وإقناعهم”.
يتوقف معن عبد السلام عندئذٍ مؤقتا للتفكير مرة أخرى. وبينما بدا التوتر يتلاشى من عضلات وجهه، قال:
“نحن بحاجة إلى التحدث اليهم حول ما تعنيه كلمة (حقوق). انها كل شيء يتعلق باعطاء الفرصة – وليست في الأخذ واستمرارالمطالب”.