حقائق

www.blog-on.net

اليوم هو 5 أيار/مايو 2011. وها هي أفراح ناصر تقوم بجولة حول ساحة التغيير وسط صنعاء مع ثلاثة من الأصدقاء. وكانت الساحة، على مدى أربعة أشهر تقريباً، نقطة تجمع للاحتجاجات السلمية والتظاهرات الصاخبة ضد النظام والرئيس الحالي على عبدالله صالح. 
الساحة مليئة بالخيام والناس الذين أقاموا مخيماً للمشاركة في المحنة الطويلة للثورة. لكن الثورة اليمنية لم تحظ في وسائل الإعلام الدولية، في أي مكان، بشيء يقارب ما حظيت به ثورة ميدان التحرير المصرية في القاهرة.
على العكس من ذلك، حين يصل الأمر إلى القتال من أجل الحرية في اليمن تتجلى وسائل الإعلام العالمية بغيابها. ورغم ذلك، وبفضل المدونين من أمثال أفراح، كان في وسع العالم الخارجي متابعة الأحداث الجارية في اليمن. وقد أصبحت شهادات العيان التي تقدمها ضرورية للغاية لمتابعة الأخبار، كما أشارت قناة “سي ان ان” إليها كواحدة من أهم 10 مدونات في الشرق الأوسط.
“اعتدت المرور أمام هذا المقهى طيلة أربعة أعوام، ولم يخطر ببالي أن يكون في وسعي الجلوس هنا فعلا مع صديقاتي وشرب الشاي معهن. حتى بالنسبة لفتاة مثلي تدافع عن التغيير الاجتماعي في اليمن -وتدافع عن المرأة- فإن هذه تجربة تاريخية حقا.”
في هذا اليوم وبعد أن قضت أفراح وقتاً تتجول في أنحاء الساحة لمتابعة الأنشطة العديدة الجارية فيها اقترحت إحدى صديقاتها ذهاب الفتيات الأربعة إلى مقهى لتناول الشاي. وسرعان ما كانت الصديقات الأربعة يجلسن في المقهى يحتسين الشاي ويتحدثن معاً، مثل ملايين الفتيات في مختلف أنحاء العالم.
لكن ثمة فارق بسيط: في صنعاء، من غير المعتاد جداً رؤية أربع فتيات جالسات في مقهى يحتسين الشاي.
“اعتدت المرور أمام هذا المقهى طيلة أربعة أعوام، ولم يخطر ببالي أن يكون في وسعي الجلوس هنا فعلا مع صديقاتي وشرب الشاي معهن. حتى بالنسبة لفتاة مثلي تدافع عن التغيير الاجتماعي في اليمن -وتدافع عن المرأة- فإن هذه تجربة تاريخية حقا.”
لا يوجد في اليمن أي قانون رسمي يمنع النساء من الجلوس في المقاهي، لذلك ليس ثمة مشكلة أمام الفتيات داخل المقهى نفسه، حيث رحب بهن العاملون بلطف، رغم أن خروج النساء بهذا الشكل أمر غير مقبول ثقافيا.
“آسفة، لست خائفة من وضع اسمي الحقيقي هنا. آسفة لأنني انتهك القوانين. آسفة لأنني أكسر القوالب، آسفة لأنني لا أزيف الأمور. آسفة لأنني لا أخفي ما أفكر فيه وأحسه. آسفة لأنني لا أتظاهر بأنني شخص آخر. آسفة لأنني لست محافظة. آسفة لأنني لست صامتة. آسفة لأنني لن أسمح لك بأن تسكتني. آسفة لأنني قوية وما زلت أرفع رأسي عالياً. وسوف أواصل عملي كمدونة.”
بعد ذلك، وفي حالة تشبه النشوة، كتبت أفراح مدونة وأرسلتها عن تجربتها مزودة بالصور لها ولصديقاتها وهن جالسات إلى طاولة في المقهى.
وبعد ذلك فتحت أبواب الجحيم.
غرقت مدونتها بالتعليقات. “امضين قدما أيها الفتيات!” كتبت إحداهن )ويعتقد بأنها إحدى المدونات(. ودعم موقعها بالعديد من الفتيات الأخريات اللواتي رأين في هذه الزيارة إلى المقهى خطوة مهمة في معركة حصول النساء على حقوقهن في اليمن.
لكن أخريات لم يكنّ على هذا القدر من الحماس. فقد أعربت الكثيرات عن قلقهن من أن تكون هذه الخطوة قد تجاوزت الحد. فسألت إحداهن، هل هذا حقاً نوع الأشياء التي نريدها في اليمن الجديد؟ ألا تعتقدين أنه كان من الأجدر بك أن تكوني أكثر حرصا؟”
وكان هناك من اتهموا أفراح مباشرة، وبتعابير واضحة بأن هذا عمل لا أخلاقي وضد الإسلام. 

“سأواصل العمل في مدونتي”

لكن الأمر يتطلب أكثر بكثير مما تقدم لإسكات أفراح ناصر وإبعادها عن لوحة مفاتيح كمبيوترها؛ فقد سبق وأن تعرضت للتهديد. والذين ينتابهم أي شك في موقفها لم يقرأوا رسالتها على مدونتها بتاريخ 27 نيسان/أبريل هذا العام، قبل أسبوع من زيارتها للمقهى. 
“آسفة، لست خائفة من وضع اسمي الحقيقي هنا. آسفة لأنني انتهك القوانين. آسفة لأنني أكسر القوالب، آسفة لأنني لا أزيف الأمور. آسفة لأنني لا أخفي ما أفكر فيه وأحسه. آسفة لأنني لا أتظاهر بأنني شخص آخر. آسفة لأنني لست محافظة. آسفة لأنني لست صامتة. آسفة لأنني لن أسمح لك بأن تسكتني. آسفة لأنني قوية وما زلت أرفع رأسي عالياً. وسوف أواصل عملي كمدونة.”
“لقد وصلت إلى ما وصلت إليه لأنني في مهنتي كصحفية لم أشعر أبداً بالخوف- ولا حتى ليوم واحد. لقد حضرت مؤتمرات لم يكن فيها إلا الرجال -وهو أمر غير مقبول اجتماعياً في اليمن- لكنني لم أشعر بالخوف لجلوسي هناك. حتى الآن، حين أكتب أشياء على مدونتي أعرف أنها ستثير عاصفة من التعليقات من قبل الرجال، ليست خائفة. هكذا كنت دائما، كنت دائما ثائرة.”
“لقد وصلت إلى ما وصلت إليه لأنني في مهنتي كصحفية لم أشعر أبداً بالخوف- ولا حتى ليوم واحد. لقد حضرت مؤتمرات لم يكن فيها إلا الرجال -وهو أمر غير مقبول اجتماعياً في اليمن- لكنني لم أشعر بالخوف لجلوسي هناك(…)”
ومع ذلك فإن من غير المنصف القول أنه كان في سلوك أفراح  أي شيء استفزازي أو عدائي. فهي امرأة ضئيلة الحجم ونحيلة، منفتحة ومرحة. وهي إيجابية ومتفائلة بخصوص التطورات التي تمر بها بلدها، ويتلقى كل من يعلق على مدونتها كلمة شكر- بما في ذلك الذين يعاملونها بتعال وسلبية. فترد عليهم قائلة، “أشكرك لأنك كلفت نفسك بالتعليق”، على أية حال يحق لكل شخص إبداء رأيه.
لا غرابة أن الدكتور مارتن لوثر كينج ونيلسون مانديلا يظهران على قائمة أشخاص تعتبرهم قدوة لها وتستمتع بمشاهدة أشرطة اليوتيوب لبعض أعظم قادة العالم، والناشطين السياسيين، والمقاتلين في سبيل الحرية.
وتضيف مبتسمة، “ومادونا أيضا!” النساء القويات وغير العاديات أيضا، يظهرن أيضا على قائمة من تعتبرهن قدوة لها- كل من ساروا ضد التيار.

جمال العمل في مدونة 

أفراح موجودة في الدنمرك حالياً للمشاركة في مؤتمر “الفعالية الإلكترونية: هل تُغير العالم؟” وخلال انعقاد المؤتمر ذاته (الذي يعقد في مبنى “الماسة السوداء” – المكتبة الملكية في كوبنهاجن)، بعثت بعدة رسائل على مدونتها.    
 
تقول أفراح ناصر، “قليلون هم الذين تصوروا أن الانتشار العالمي للهواتف الذكية والكاميرات رخيصة الثمن وشبكات  3G يمكن أن تغير الوضع في اليمن. بهاتف ذكي وشبكة اتصالات، تستطيع أن توثق كل ما يجري أمام عينيك وإشراك العالم كله به في غضون ثوان. هذا يعني أن تدفق المعلومات يمكن أن يصبح شيئاً ديمقراطياً، رغم الأنظمة التي تمكنت من البقاء بفضل الرقابة على جميع قنوات المعلومات.
 
تلك هي روعة المدونات. يتعين أن تكون سريعا في توزيع المعارف التي لديك. ويفضل أن تكون أسرع من الآخرين. وهذا ما فعلناه في اليمن. هناك مدونون يجلسون في مقاطعات أخرى في اليمن يوزعون ما لديهم من معارف. وخلال بضع ثوان أعرف ما يحدث هناك. تشجعنا حقيقة أن في وسعنا الحصول على هذه المعرفة على الفور، والشعور بهذا التشجيع يجعلنا نكتب على فيسبوك والتحدث أكثر فأكثر، ولن نتوقف. الأمر لا يتعلق بالثورة فقط. فسوف نواصل ذلك بعدها. نحن نأخذ أفضل ما في وسائل الإعلام الاجتماعية لإحداث تغيير إيجابي في العالم الحقيقي.
“تلك هي روعة المدونات. يتعين أن تكون سريعا في توزيع المعارف التي لديك. ويفضل أن تكون أسرع من الآخرين. وهذا ما فعلناه في اليمن”

وسائل الإعلام الاجتماعية تعطي معلومات، لكن الثورة الحقيقية مكانها الشوارع

تعرضت فيسبوك وتويتر للكثير من النقد للمبالغة في تبسيط العالم وخلق جيل يركز على الترويج لنفسه برسائل بمعدل 140 حرفاً. وهم متهمون بدفع الناس إلى الادمان على تيار من الابتذال في عالم من التفاعل الاجتماعي المصطنع. لكن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبين أن لدى فيسبوك وتويتر إمكانات إنقلابية أكبر بكثير؛ إمكانات لم يتنبأ بها حتى مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك.
“وسائل الإعلام الاجتماعية جمعتنا معا كما لم يحدث من قبل. من الصعب عادة السفر بين مختلف المحافظات اليمنية، لأنه يتعين عليك المرور على نقاط تفتيش عند كل نقطة حدودية. لكن بفضل وسائل الإعلام الاجتماعية، نحن على اتصال أكثر من أي وقت مضى. لا توجد نقاط تفتيش على الإنترنت. وهذا يتيح لنا تبادل الآراء والأفكار؛ ويتيح لنا رؤية أن الأوضاع التي تؤثر بي هي الأوضاع نفسها التي تؤثر بك. وهذا ما خلق رابطا من التضامن والوحدة.” 
“من خلال فيسبوك، عرف عدد ضئيل من الناس متى وأين ستجري الاحتجاجات. ومع تطور الأمور، بدأ جميع الناس الذين لا يستخدمون الإنترنت يرون بأن ثمة أمر يجري ويتساءلون عما يحدث. كان الأمر أشبه بكتلة جليدية متدحرجة. بدأ الناس يتحدثون إلى بعضهم، ويوماً بعد يوم تجمع الناس- وهكذا بدأت الثورة.”
في اليمن، شجعت صفحة واحدة، بشكل خاص، على فيسبوك الناس على التجمع للاحتجاج في ساحة التغيير. وأطلقت سلسلة من ردود الفعل، تمخضت في النهاية عن جمع آلاف الناس معا.
“من خلال فيسبوك، عرف عدد ضئيل من الناس متى وأين ستجري الاحتجاجات. ومع تطور الأمور، بدأ جميع الناس الذين لا يستخدمون الإنترنت يرون بأن ثمة أمر يجري ويتساءلون عما يحدث. كان الأمر أشبه بكتلة جليدية متدحرجة. بدأ الناس يتحدثون إلى بعضهم، ويوماً بعد يوم تجمع الناس- وهكذا بدأت الثورة.”
هنا تلمس أفراح ناصر صلب الموضوع المتعلق بوسائل الإعلام الاجتماعية والثورة العربية: في حين يمكن القول أن وسائل الإعلام الاجتماعية تستطيع نشر المعرفة وحشد الناس، فما زال الشارع هو المكان الحقيقي للثورة.

اتخذت إجراء في الحياة الحقيقية أيضا

حذر الكثيرون من المبالغة في تبسيط الربيع العربي بالقول أنه “ثورة وسائل الإعلام الاجتماعية”، كما فعلت مثلا الصحفية المصرية لينا عطالله في مصر خلال مؤتمر “الماسة السوداء”. كانت الثورة تلوح في الأفق منذ فترة طويلة- سواء على المستوى السياسي، في الشارع ومن خلال تشكيلة من الأنشطة، أو في نطاق المدونات. وكان دور وسائل الإعلام الاجتماعية مجرد المساهمة في الاتصالات غير المرئية سابقاً وتوثيق محتمل لعملية كانت ستحدث على أية حال، حتى من دون ظهور الفيسبوك.
“مع كل الاحترام للدماء التي سفكت هنا في اليمن، فهذه لحظة رائعة بالنسبة لبلدي. لقد اكتسبنا إحساسا قوياً بالتضامن والمساواة. النساء احتلوا المشهد وصار لهن صوت، وهن ممثلات في الحلقات الدراسية التي تتناول الوضع السياسي، وهناك أيضا طبيبات في الوحدة الطبية الصغيرة في ساحة التغيير”
وتحمل أفراح ناصر أيضا ذلك الشعور بأنه رغم توفير وسائل الإعلام الاجتماعية لأداة اتصال رائعة، إلا أن لها حدودها.
“أدركت أنه يتعين علي القيام بعمل في الحياة الحقيقية أيضا. أريد استخدام قدراتي وشعبيتي لإيجاد شيء ملموس. أفكر في إقامة جمعية أو تجمع من النساء والمدونين. لست متأكدة بعد من الشكل الذي ستتخذه، لكني مستعدة للقيام بالخطوة.”
خلافاً للكثير من الأصوات الناقدة في اليمن التي تخشى تزايد قوة المتطرفين الإسلاميين في البلد بعد الثورة، فإن أفراح ناصر متفائلة. فقد أظهرت الأشهر الأربعة الماضية أن التغيير الاجتماعي بات في متناول اليد- على الأقل بالنسبة لنساء اليمن.
“مع كل الاحترام للدماء التي سفكت هنا في اليمن، فهذه لحظة رائعة بالنسبة لبلدي. لقد اكتسبنا إحساسا قوياً بالتضامن والمساواة. النساء احتلوا المشهد وصار لهن صوت، وهن ممثلات في الحلقات الدراسية التي تتناول الوضع السياسي، وهناك أيضا طبيبات في الوحدة الطبية الصغيرة في ساحة التغيير. نحن نظهر يمناً جديداً متحضراً- لم نشهده سابقاً في وسائل الإعلام الدولية.”

شخص واحد يمكن أن يحدث فرقا

هناك سببان لتفاؤل أفراح: فتح الإنترنت المجال أمام نقاش حر لا يخضع للمراقبة؛ وكما أعطى النشاط الاجتماعي اليمنيين وعياً جديداً لحقيقة أن الفرد يمكن أن يحدث فرقاً. 
“أنا مقتنعة بأن الثورة ستتبعها ثورة صغرى، تتناول القضايا الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. الناس سيرغبون في المشاركة السياسية أكثر في المستقبل. سنرى الكثير من الحوار والكثير من الجماعات، والمنظمات، والجمعيات التي ستركز على قضايا مثل حقوق المرأة. كما أن فرص التمويل الصغيرة ستكون متاحة وتبدأ في الانتشار.”
“لقد بدأنا بالفعل في إقامة تحالف صغير من النساء، يقوم بالإعداد لطريقة معالجة العواقب في حال وصول حكومة إسلامية متشددة إلى السلطة.”
لكن يبقى سؤال واحد. هل تتصور أفراح ناصر نفسها داخل المعترك السياسي بعد الثورة؟
ردت قائلة، “كلا، أريد حرية أكثر للعمل. من الأفضل لي أن أكون ناشطة.”
 التصوير: كيم أجيرستسن, المكتبة الملكية