يلعب الجنس دورا رئيسيا حينما يتعلق الأمر بالصحة العقلية. هذه الحقيقة أصبحت واضحة لعالم النفس الأميركي- اللبناني أنتوني كيدي خلال السنة الثالثة من دراسته لعلم النفس. وقد كانت الإحصاءات بشكل خاص ما لفت نظرهللموضوع، هذا ما أشار إليه أنتوني كيدي فيحديثه مع مركز كفينفو حول كيفية انخراطه في العمل في مجال النوع الاجتماعي والمساواة. 
يقول أنتوني كيدي، الذي يقيم الآن في لبنان، “حين ننظر إلى الإحصاءات المتعلقة بالاكتئاب، مثلا، فإن من الواضح أن نسبة احتمال إصابة الإناث بالاكتئاب هي ضعف نسبة الرجال. من جهة أخرى، حين يتعلقالأمر بالاضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع، والأمراض النفسية المتعلقة بالسلوك السيكوباتي وتعاطي المخدرات نجدالنسبة أعلى لدى الرجال.هناك إحصاءات أيضا تبين أن النساء أشد ميلا لمحاولة الانتحار من الرجل؛ إلا أن الرجال أكثر إقدامًا على الانتحار بالفعل.”
بدأ أنتوني كيدي، خلال فترة دراستهبالجامعة بتطبيق ما تعلمه عنالجنس والمساواة تطبيقًا عمليًاأثناءعمله النفسي الاجتماعي التطوعي مع رجال يعيشون في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين

للحرب والنزاعات تأثير سلبي

لعبت الحروب والنزاعات العديدة التي ابتلي بها لبنان منذ أواسط السبعينيات دورا مهما في تحديد الوضع الحالي للمساواة في البلد. وقد كان لتلك النزاعات تأثير سلبي للغاية على المساواة بين الرجل والمرأة، وهذا عامل يرى أنتوني كيدي أن من الواجب أخذه بالحسبان
ويبين أنتوني كيدي قائلا، “حسب قول العديد من النساء المهمات في مؤتمرات حول السلام، والأمن، والتنمية، لا يمكن أن يكون هناك سلام دون مساواة بين الجنسين. وكما أرى الأمر- وما تظهره الإحصاءات إلى حد ما- فإنه حين يسود النزاع أو العنف في المجتمع فإن ذلك يعمل كعدو طبيعي لحقوق الإنسان بشكل عام والمساواة بين الجنسين بشكل خاص. في اللحظة التي يدخل فيها العنف إلى الصورة، فإن قضايا الجنس لا تتراجع إلى الخلف وحسب، بل أن المجتمع يبدأ وبشكل طبيعي في انتهاك حقوق المرأة- ويصبحالحس المهيمن لدى الرجال أكثر تآلفا بكثير، من الناحية الاجتماعية، مع العنف.”
حين سأل مركز كفينفو أنتوني كيدي ما إذا كان يرى أن هناك علاقة ما بين علاقات القوة الاجتماعية والنزعة العسكرية في لبنان من جهة، والعنف الذي يشن ضد المرأة الفرد من جهة أخرى، قام كيدي برسم هرمين للقوة: واحد للمجال العام والآخر للمجال الخاص. ثم واصل ليبين كيف أنه حين يتعلقالأمر بامتيازات الرجل ودور الرجل كممسك بالسلطة فإن الهرمين ينعكسان ويؤثر أحدهما بالآخر.
“تطبق القواعد نفسها المطبقة في النظام العسكري: الرجال على رأس السلطة، رجال يتسلطون من خلال عقوبات من نوع ما ونساء خانعات يُطعن الرجال. ذلك هو وجه الشبه بينهما.” 
“الهرم الأول يحدث على المستوى الفردي- هكذا يتفاعل الشخص مع الآخرين، أو مع الأشخاص الكثر المختلفين في أسرته أو دائرته الاجتماعية. على المستوى الفردي مجددا فإن للأمر علاقة بالعادات الاجتماعية التي تعتبر الرجل رأس الأسرة وبالرجل الذي يفرض القواعد التي تقوم عليها الأسرة ويفرض تلك القواعد عن طريق العنف.”
“الهرم الآخر يحدث على المستوى الاجتماعي. هكذا يتصرف الرجال حينمايتعلقالأمر بالسياسة، والنظام القضائي- حينمايتعلقالأمر بطريقة تفاعلنا كمجموعات كبيرة في مكان عام. وحين نتحدث عن التحرش الجنسي في الشارع.” يقول أنتوني كيدي، مشيرا إلى أن هرم السلطة مسيطر بشكل خاص في الجيش
ويضيف، “السبب في أننا نتحدث دائما عن النزعة العسكرية هو أن الأخيرة مثال ممتاز على النظام الأبوي والعنف والطاعة الذي من الواضح أن الحركات النسائية والمساواة بين الجنسين تحاول تحاشيه. ولكي نحاول إعطاء مزيد من الناس القدرة على صنع القرار، وضمان أن يكون لدينا رجال ونساء في مراكز صنع القرار، فإن علينا البدء بالابتعاد عن استخدام العنف كطريقة لحفظ النظام في تلك البنية لأن وجود العنف في قلب أي شيء هو سبب المشكلة. نريد أن يكون الحوار جوهر كل شيء.” ويواصل ليبين أن هرم السلطة العسكرية وعلاقات القوة لهما تأثير على المستويين الاجتماعي والفرد

 

النشأة وفق القيم اللبنانية والغربية

أضطر والدا أنتوني كيدي إلى الهرب من لبنان في العام 1979 بسبب الحرب الأهلية، وقد ولد أنتوني كيدي نفسه ونشأ في مدينة روكفورد الصناعية شمال- غرب شيكاغو. وبالتالي تربى وفقًاللقيم الأميركية مثل الديمقراطية والحقوق المدنية علاوة على القيم التي استمدها من ثقافة أسرته اللبنانية العربية
رغم نشأته وفق القيم الأميركية اللبنانية، فقد شعر أنتوني كيدي حين بلغ الثامنة عشرة بأن لا شيء يربطه بخلفيته العربية لذلك قرر أن يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت، لبنان. هنا، لم تتح له الفرصة للدراسة في الجامعة الشهيرة عالميا وحسب، بل كان في مقدوره أيضا فهم خلفيته اللبنانية بدرجة أكبر. 
حين انتقل إلى بيروت خطط في البدء للبقاء أربع سنوات فقط، هي الفترة التي ستستغرقها دراسته. إلا أنه اليوم، وبعد ست سنوات من تخرجه، لا يزال يعيش في العاصمة اللبنانية. وهو يرأس هنا “برنامج إشراك الرجل” في “مؤسسة أبعاد”، وهيمركز موارد للمساواة بين الجنسين. وتعمل أبعاد، وهي إحدى شركاء مركز كفينفو في الشرق الأوسط، من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، والمساواة، وحماية الجماعات المهمشة داخل المجتمع

التغيير السلوكي في الرجل- وسيلة لزيادة المساواة

باختصار، يعمل أنتوني كيدي و”مؤسسة أبعاد” معا لإيجاد درجة أكبر منالمساواة بين الجنسين بالتركيز على الرجال وأدوارهم، علاوة على أمور أخرى، ويشمل عملهما مبادرة تتعلق بالعنف ضد المرأة في العلاقات الشخصية الوثيقة، مع عيادة استشارات نفسية للرجال تديرها “مؤسسة أبعاد”. ويهدف العمل مع الرجال ومن أجلهم لأن يكون وسيلة لتحسين مكانة المرأة وحقوقها. ويشمل مجال آخر يتم التركيز عليه تفكيك التصورات التقليدية حول أدوار الرجل بالنظر في أشكال السلوكيات التي يتوقعها الناس من “الرجل الحقيقي”. 
ويقول أنتوني كيدي، “خلال دراستي لنيل شهادة الماجستير، بدأت التركيز بقدر أكبر على الذكورة وكيف أن الدور التقليدي المفترض والمهيمن لجنس الذكور يضعف الصحة العقلية للشخص.”
كان الهدف الأول للعمل هو دفع الرجال لاستبدال السلوك السلبي العدواني بنهج إيجابي يبدون فيه تفهما، وصبرا ويكونواقادرينعلى معالجة التوتر والأزمات الشخصية دون أن يضطروا للجوء إلى للعنف.
العملية ليست سهلة وتحتاج لقدر كبير من الوقت نظرا لأنها تتطلب تحطيم البنى الاجتماعية التي اعتاد الناس اتبعاها على مدى مئات السنين. التصورات التقليدية راسخة في الأسرة، وفي الهياكل الثقافية، وفي المجتمع بشكل عام، وتلعب دورا رئيسيا في الطريقة التي تتم تنشئتنا اجتماعياتبعًا لها.   

العنف يولد العنف- أو الخوف

ويشرح أنتوني كيدي الأمر، دون أن يرى أي بديل آخر، “حتى في هذه الأيام، من الصعب على الرجل أن يظهر ضعفه. حين أبدي أنا شخصيا ضعفا، فإن لدى الكثير من الرجال رأيا حيال ذلك، مثال ذلك، ‘أوه، حسنا، لماذا يفعل ذلك؟’ أو ‘لماذا يبكي؟’ أو قد يقول شخص ما ‘هل تمزح معي؟ هل تريدني أن أبكي الآن؟ وكيف سيحل ذلك أي شيء؟’”
ويواصل أنتوني كيدي شارحا، “في نهاية الأمر، ينبغي عليك أن تدرك بأن البديل هو على الدوام سلبي. فليس للعنف سوى ردين: المزيد من العنف أو الخوف.”

 

خبرات من تحوله الشخصي الكامل

أنتوني كيدي تلك الرسائل بمعارف جيدة التوثيق فحسب، بل أنه يعمل كقدوة. فهو شخصيا قد قام بتحول في حياته بمقدار 180 درجة.
يقول أنتوني كيدي، “تعاملت، بطرق عدة، مع قضايا مختلفة في حياتي أو في علاقتي بالآخرين.كنت شخصا  عنيفا للغاية- حتى في طفولتي. نشأت في فترة كان للعصابات تأثير فعلي في العديد من المجالات في الولايات المتحدة- وخاصة في المكان الذي نشأت فيه. ورغم أنني لم ألتحق بعصابة بشكل رسمي، فإن العديد من أصدقائي كانوا أعضاء في العصابات وكنت مستعدا لأن أفعلمعهم الكثير من الأشياء التي تتسم بطبيعتها بالعنف الشديد. وكان لدي طريقة تتملكني في التفاعل مع الآخرين. فإذا اتخذت الأمور منحى سلبيا، فقد يصل الأمر إلى العراك البدني. ومع أنني لم أكن عنيفا قط مع الإناث، فإن الأمر قد يفتح عينيك حقاعلى مدى العنف العاطفي والنفسي الذي يمكن أن تصل إليه. وهو شيء كان له بالتأكيد صدى في نفسي.”

“لا أريد التحدث عن ذلك” 

أثبت حادثةوقعت أيام دراسة أنتوني كيدي أن لها،بشكل خاص، دورا محوريا.
“كنت في الولايات المتحدة اتصفح الكتب في إحدى المكتبات حين التقطت كتابا لمؤلف اسمه تيرانس ريد. كان عنوان الكتاب ‘لا أريد التحدث عن ذلك’. مر في خاطري ‘أن هذا ما أقوله دائما’. حين أكون مرهقا- أو تحت ضغط- فإنني إما أن أقول أنا متعب أو أتحجج بأعذار. أو قد أقول ‘نعم، لا أريد التحدث عن ذلك’.”
“يركز الكتاب كثيرا على الأمور التي كنت أتحدث عنها- نشأنا وفق تصور أن إبداء التأثر هو نوع من الضعف. وأن الرجل يجب ألا يظهر ضعفه. يجب أن يكون قويا على الدوام. وأن يكون واثقا بنفسه. أن يكون هو الجاهز لمساعدة الآخرين وألا يحتاج هو نفسه للآخرين.”
يصيف أنتوني كيدي، “اشتريت الكتاب… ولم أستطع التوقف عن قراءته. وقد حملني للتفكير كثيرا في نفسي وفي علاقاتي الشخصية.”
وهو يعتقد بأن هذا أحد الأسباب التي تمكنه من أن يكون قدوة حسنة.
يقول أنتوني كيدي، “ربما أن في وسعي التحدث عنه بمزيد من الحماس لأنه صادر عن منظور نظري. فقد جاء من مكان شخصي للغاية من حيث أتذكر كيف كنت أشعر، وأنا أكثر سعادة بكثير الآن.”

استراتيجية متعددة الأوج

الاستراتيجية التي يستخدمها أنتوني كيدي و”مؤسسة أبعاد” تدور على عدة مستويات. الرسائل المرسلة عبر منصات مختلفة، تشمل الإنترنت، والإعلانات التلفزيونية، والتعاون مع منظمات أخرى غير حكومية أو مع زعماء دينيين. لكن العنصر الأكثر أهمية هو الدخول في حوار مع الرجال. إحدى القنوات المستخدمة هي عبر عيادة المشورة في علم النفس حيث يأتي الرجال طلبا لمساعدتهم في معالجة سلوكهم العدواني. الهدف هنا، هو تزويد الرجال بوسائل تساعدهم على التعامل مع تحدياتهم.
حين يكونون في الغرفة فإن المسألة الأهم هي تشريح الجانب المتعلق بالجنس وأن نبين لهم كم سيستفيدون في حياتهم بتغيير الكثير مما فرضت عليهم تنشئتهم الاجتماعية الاعتقاد دائما بأنه الصحيح.”
كجزء من هذا الحوار، يؤكد أنتوني كيدي بشدة على أن يبين للرجال كيف أن زيادة المساواة بين الجنسين ومنح المرأة حقوقا أفضل هو وضع فيه مكسب للطرفين. وهو يقوم بذلك باستخدام أمثلة محددة كأن يبين لهم بأن الرجال أكثر عرضة للموت بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية وأن العمر المتوقع للرجال أدنى بكثير من النساء. كما يبين لهم بأن الرجال يبدون مستويات أعلى من السلوكيات الخطرة.
“من المهم جدا تبصرة الرجال بهذه الأمور. وحين يرون إلى أي مدى يستفيد الآخرون أيضا، فإن ذلك يعزز العملية أكثر بالنسبة لهم. ويرون شخصيا أن حياتهم قد تغيرت إلى الأفضل.”

 

التغيير الاجتماعي والتغيير داخل الفرد

يتركز الكثير من عمل أنتوني كيدي و”مؤسسة أبعاد” على التوعية بالعنف الذي يرتكبه الرجال ضد النساء- ليس بين الرجال وحسب بل ضمن المجتمع ككل أيضا. لكن هل هذا كاف للقضاء على العنف؟
يقول أنتوني كيدي،”إذا كانت التوعية آلية نفسية أو اجتماعية قوية بما يكفي لإحداث تغيير بذاتها فسوف فحينها سنكون نحيا في عالم مثالي. ولهذا السبب بالتحديد نحن نسعى من أجل إحداث تغييرات مجتمعية، على شكل تشريعات أو إدراج قضايا المرأة والنوع الاجتماعي في مناهج المدارس والكليات، على سبيل المثال.” يبينذلك مشددا على أهمية التواصل مع الأطفال والمراهقين في سنواتهم التكوينية.
“بغض النظر عن التغييرات المجتمعية التي نريد إحداثها، فلكي ينجح النظام حقا يجب أن تحدث جميع التغيرات بشكل طبيعي على مستوى الفرد.”
“التشريعات رائعة على الدوام. لكن لدينا الكثير من القوانين في لبنان لا يتبعها أحد.”
يقول أنتوني كيدي، “يمكن للنوع الاجتماعي والمساواة أن تكون جزءا من المنهج المدرسي، لكن مسألة إتباع المدرس للمنهج من عدمه سيكون قرارا فرديا. ومسألة تجاوز فصل أو فصلين من المنهج هو قرار فردي أيضا.  كما أن مسألة تطبيق ضابط الشرطة أو القاضي للقانون بحذافيره هو قرارفردي. ومسألة قيام شخص ما برفع قضية عن عنف منزلي سمع أنه يحدث في المنزل المجاور- يبيح القانون الآن فعل ذلك- أو إتباعه للعادات الاجتماعية السائدة وأن يكتفي بالقول ‘ما يحدث في بيتهم بين أفراد الأسرة يجب أن يبقى داخل ذلك البيت- ذلك الرجل يقوم بما يتوجب عليه القيام به كرجل’- فذلك قرار فردي. لذلك لا أعتقد أن في وسعك النظر إلى الأمر على أنه قضية المجتمع أو الفرد. إنه يشملهما كلاهما.”

توجهي الجنسي أصبح موضع تساؤل

حين يكتشف الناس أن أنتوني كيدي يعمل في مجال المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة، يتسبب ذلك في العديد من ردود الفعل من قبل الأشخاص المحيطين به.

“على المستوى الشخصي، يصدم الناس دائما. وفي بعض الأحيان يتساءلون عن توجهي الجنسي، ما يعطيك منظورا رجوليا. ولماذا يكون لدى رجل يعمل في مجال الجنس توجها جنسيا مختلفا؟ لأن هذا، مجددا، شيء يعمل ضد الدور التقليدي للجنس.”

يقول أنتوني كيدي، مبينا كيف وجد أن وضعه مختلف عن وضع زميلاته، “هناك عادة الكثير من الانتقادات أو الكثير من السخرية. لكن هناك الكثير من الدعم أيضا. ويكون الأمر محبطا في بعض الأحيان، حيث ينبغي عليك أن تؤهل نفسك لشيء فيه من الجمال وما هو طبيعي بقدر ما في العمل في شيء كهذا. لكنني أدركت أيضا أن كوني رائدا يخط شيئا جديدا لن يكون سهلا أبدا. لذلك ما عليك إلا أن تشرح الأمر، وأنا في الواقع أحب الحديث عن هذا الشيء، كما ترى. ولا أمانع في شرحه. لا أمانع في التحدث إلى هؤلاء بالطريقة نفسها التي قد أتحدث في أي جلسة لزيادة الوعي أو مع أي رجل قد يسأل عن سبب قيام رجل بالمشاركة في الدعوة للمساواة بين الجنسين أو في حقوق المرأة. أنا أنبه كثير إلى مقدار الضرر الذي يلحقه الرجال بأنفسهم نتيجة تقيدهم بالأدوار التي يفرضها المجتمع على الجنسين. فلماذا يقومون بها؟ علاوة على أننا، وفوق كل شيء، نؤذي المرأة بتلك الأدوار التي يفرضها المجتمع. ونؤذي المجتمع أيضا حين نفشل في الاستماع لمنظور المرأة المتعلق بالسياسة والسلام وأشياء مشابهة. نحن حرفيا نأخذ نصف عدد السكان ونصف المجتمع ونسكته.”

النساء لا يُنصت إليهن مطلقا

يبين أنتوني كيدي شارحا، “في كل مرة أتحدث فيها مع زميلاتي، لا يمكنني أن أتصور مدى صعوبة الحياة بالنسبة لهن. لا يمكنني أن أتصور مدى صعوبة معالجة الكثير من القضايا- خاصة أنني، كرجل، أتعرض للانتقاد من الرجال والنساء على حد سواء لتكلمي بهذه الطريقة. لكن في بعض الأحيان لا يتم حتى الاستماع للنساء لمجرد أنهن نساء. الناس يستمعون إلي حتى وإن كانوا لا يتفقون معي- وفي أسوأ الحالات ينتقدونني ويكونون سلبيين معي. ليس دائما، ولكن الكثيرين من زملائي لا يتم الاستماع إليهم أيضا.
وردا على سؤال طرحة مركز كفينفو حول ما يرى أنه أكبر تحد تواجهه المساواة بين الجنسين في لبنان اليوم، عاد أنوني كيدي إلى قضية التنشئة الاجتماعية.
أجاب قائلا، “لهذا السبب يتركز الكثير من عملنا على عملية التنشئة الاجتماعية. مثال ذلك، حين نسمع أن المرأة يجب أن تبقى خانعة في المنزل، فإن هذا يؤثر في كيف أنه ليس لدينا قوانين وأنظمة تجرم العنف المنزلي ضد المرأة في لبنان. وإذا نشأنا ونحن نعتقد بأن النساء يجب ألا يكن قياديات وأنهن بلا منطق وعاطفيات وبالتالي لا مكان لهن في السياسة، فإن هذا يؤثر بالطبع في عدد النساء اللواتي قد يؤخذن على محمل الجد حين يتعلق الأمر بالقضايا السياسية. ويؤثر أيضا في عدد النساء اللواتي قد يخترن الخوض في شيء له علاقة بالسياسية عند اختيار مهنتهن أو مسارهن التعليمي.” 
وهو مقتنع بأنه ما أن تتغير عقلية أو طريقة تفكير الفرد أو المجتمع فلن يبدو غريبا أن تقود الأمة امرأة.
ثم واصل مؤكدا أن هذا هو رأيه الشخصي وأنه لا يتحدث نيابة عن “مؤسسة أبعاد”، “ثم أن من الطبيعي أن نتابع القوانين، والسياسيين، والهياكل السياسية، والمجتمع، والتغيير في هيكل الأسر لدينا.” 

التجارب الإيجابية تضخ طاقة متجدد

رغم المعارضة التي واجهها طيلة مسيرته، يبين أنتوني كيدي بأن العديد من التجارب الإيجابية التي حظي بها تجعل من مواصلة عمله في مجال المساواة بين الجنسين قضية تستحق الاهتمام. 
“لا أستطيع أن أخص بالذكر تجربة بعينها. فهناك الكثير منها. قد تكون على مستوى صغير للغاية حيث تعمل مع فرد واحد في مركز الرجال أو في ورشة عمل. أو قد تأتي بعد إلقاء خطاب في مؤتمر ويسمع شخص ما، رجل كان أم امرأة، شيئا لأول مرة وكان يعرف بالحدس أنه صحيح ثم يبدأ في الحديث.” 

يختتم أنتوني كيدي بالقول، “تنطوي كل تجربة من تلك التجارب على شيء مبهج ورائع. لأن هذا هو بيت القصيد. إن كل خطوة صغيرة- كل خطوة صغيرة سوف تدفعنا إلى الأمام. الانجازات الكبيرة يجب الاحتفال بها، ومن الضروري الاحتفال بالإنجازات الصغيرة أيضا. ولأن تغيير المجتمع عملية طويلة، فحين تمارس هذا النوع من العمل، فإنك بحاجة للتمتع بكل نصر صغير. وهذا ما أفعله. في بعض الأحيان تكون حتى المفاوضات والمناقشات مع رجال يقاومون التغييرشيئا رائعا بحد ذاته. معنى أن يتحدثوا إليك عنها هو أنهم يفكرون فيها.”