بعد عشر سنوات من إصلاح قانون الأسرة المغربي، المعروف بين الناس باسم “مدونة 2004″، انزلقت قبضة حديدية داخل القفاز المخملي للقانون. وكان قد أطلق على هذا الإصلاح اسم “الثورة المخملية” حيث منح المرأة المغربية واحدًا من أكثر مواثيق الأسرة تقدمية في العالم العربي، من دون إثارة معارضة الأوساط المحافظة والإسلامية في البلاد. إلا أن ضغوط الجماعات المحافظة تتزايد الآن على المجتمع المدني المغربي في محاولة مستقلة لإلغاء المكاسب التي حققتها المرأة المغربية. 
تقول لطيفة بوشوا، من الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة (إل دي إف إف) – ومقرها العاصمة المغربية الرباط: “نمر بمرحلة حرجة الآن. لقد حققنا تقدمًا ملحوظًا بفضل المدونة وبعدها بفضل “ربيعنا العربي” والدستور الجديد – الذي يدعو إلى “المساواة الكاملة” بين الرجل والمرأة إضافة إلى أمور أخرى. لكن هناك أيضًا مقاومة شرسة للمساواة الحقيقية في النظام القانوني وعلى المستوى السياسي. إن الصراع الذي نعرف أنه يختمر الآن سوف يصل إلى ذروته في الأشهر المقبلة.”
لطيفة بوشوا واحدة من العديد من المشاركين في مؤتمر “مدونة الأسرة + 10: خبرات وآفاق” الذي نظمه “المركز الدنمركي لبحوث المرأة والنوع الاجتماعي” (كفينفو) في الرباط يومي 21 و22 نوفمبر 2013.
لطالما دعم مركز كفينفو بقوة جهود المجتمع المدني المغربي والمنظمات النسائية لضمان تطبيق مدونة الأسرة عمليًا. ووفقًا لذلك، فإن مؤتمر الرباط هو محاولة لتقييم الوضع بعد عشر سنوات من إقرار المدونة – ذلك القانون الذي ألغى إطاعة المرأة لزوجها، ومنح المرأة الحق في الحصول على الطلاق على قدم المساواة مع الرجل، ورفع الحد الأدنى لسن زواج الفتيات إلى 18 سنة، كما نظّم (إن لم يكن قد ألغى) تعدد الزوجات.  

عدم توازن سلطة تفسير القانون

على الرغم من ذلك، فإن كلمة القانون شيء؛ والطريقة التي يطبق بها القانون عمليًا شيء مختلف كلية. لقد أجمع المؤتمرون على أن الواقع يكون عادةً بعيدًا عن الوعود المدرجة في مدونة الأسرة. وقد أبرز تقرير أعدته للمؤتمر المغربية ليلى حنفي (وهي محامية دولية لدى مركز حل النزاعات الدولية (إيه آر بي إيه) ومقره واشنطن) كون السبب الأول لهذا الأمر هو حقيقة أن المجتمعات الريفية المعزولة بشكل خاص لا تزال غير مدركة للأحكام الجديدة المدرجة في مدونة الأسرة. 
لقد بذلت المنظمات النسائية المغربية جهودًا مضنية لنشر مدونة الأسرة والتعريف بها. ورغم ذلك، فقد أبرز العديد من المشاركين في المؤتمر ضرورة تكثيف العمل في المقاطعات الريفية؛ ففي تلك المناطق تكون النساء في الغالب أميات أو لا يتكلمن سوى لغة البربر الأمازيغية وبالتالي غالبًا لا يفهمن الحملات الإعلامية الناطقة باللغة العربية. 
الأسوأ من ذلك هو حقيقة أن العاملين في المنظومة القضائية لم يُعرَّفوا بتداعيات مدونة الأسرة الجديدة على النحو الصحيح – حتى أنهم يعملون، في بعض الحالات، ضد روح القانون، إن لم يكن ضد نصوصه.
تضيف ليلى حنفي موضحة: “هناك نقص واضح في الحملات التثقيفية التي تمولها الدولة بهدف توعية القضاة والموظفين القانونيين بالقواعد الجديدة. توجد حالات موثقة لعدم توازن السلطة في تفسير أجزاء معينة من المدونة، ليس أقلها القوانين الخاصة بزواج القاصرات.” 
تنص مدونة الأسرة على أن الحد الأدنى للسن القانوني لزواج الفتيات هو 18 سنة، لكنها تعطي القضاة الحق بعمل استثناءات بحيث يمكن للفتيات الزواج في سن أبكر. وهذا يشكل بالنسبة للعديد من المنظمات النسائية التفافًا متعمدًا حول روح القانون. وهو توجه آخذ في التصاعد.

الممارسة القانونية تظهر تحيزًا إلى المحافظين

تقول فوزية عسولي، رئيسة فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة: “لاحظنا في الفترة ما بين عامي 2010 و2011 زيادة عدد الزيجات دون السن القانوني. وما زاد الأمور سوءًا، ترفض وزارة العدل حاليًا وعلى نحو مفاجئ نشر أرقام تلك الزيجات، بحيث يصعب علينا توثيق هذا التطور. وينطبق الأمر نفسه على تعدد الزوجات، الذي يبدو أنه آخذ في الازدياد؛ فهناك الكثير من الأدلة التي توحي بأن القضاة يمتنعون عن تسجيل حالات تعدد الزوجات.”
بوجه عام، يبدو أن الممارسات القانونية للمحاكم قد بدأت في تشكيل نمط يوحي بأن هناك تفسير متشدد ومحافظ لمدونة الأسرة. وتشير ليلى حنفي إلى حقيقة أنه عند البت في حالات الطلاق، يميل القضاة إلى عدم منح النساء الطلاق إلا في حال إثباتهن حقيقة أن أزواجهن غير قادرين على القيام بواجباتهم كمعيلين للأسرة – وهو واجب يستمد جذوره من الشريعة الإسلامية، التي ما زالت أساس مدونة الأسرة. كما أوضحت أن الأسباب الأخرى، مثل إدمان الكحول أو العنف، لا تحظى بالأهمية نفسها لدى القضاة.  
لكن المثال الأوضح على أن مدونة الأسرة باتت أكثر انحيازًا للمحافظين يمكن رؤيته في الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا ابتداء من عام 2011 والذي ينص على أنه يجب إسقاط جزء من نفقة المرأة المطلقة إذا كانت المرأة هي من رفع دعوى الطلاق.
تقول السعدية وضاح عضوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب: “المبرر الكامن خلف قرار المحكمة العليا هو أن المرأة التي ترفع دعوى طلاق لا يمكنها الادعاء بأنها ضحية انهيار الزواج؛ وتبعًا لذلك، حسب وجهة نظرهم، فإنها تفقد حقها في نفقة المتعة. في الواقع، هذا يعني أنه تتم معاقبة المرأة لرفعها دعوى طلاق، رغم أن القانون ينص على أن في وسع النساء طلب الطلاق على قدم المساواة مع الرجال.”

مركز كفينفو يثقف قضاة الأسرة حول الوساطة

مع إصلاح المدونة، انتزعت تشريعات الأسرة من سيطرة رجال الدين وتتم الآن صياغتها من قبل لجنة تضم في عضويتها ثلاث سيدات، إلا أن مدونة الأسرة – بوصفها التشريع الوحيد في المغرب – ما زالت تستمد أصولها من الشريعة الإسلامية. أوضح العديد من القضاة الذين شاركوا في مؤتمر كفينفو حقيقة أن مدونة الأسرة يجب أن تستخدم، مثل روح الشريعة الإسلامية، كأداة لضمان استقرار الأسرة بوصفها أساس المجتمع. وهذه وجهة نظر يمكن أن تقود في أشد الحالات تطرفًا إلى امتناع القضاة عن أخذ حقوق المرأة في حسابهم عند النظر في قضايا الطلاق. 
ولهذا السبب بالذات، فإن المشروع الذي أطلق حديثًا يتفحص الطريقة التي يعالج بها القضاة القضايا وكيف يتعاملون مع جميع الأطراف المعنية. ويدعم هذا المشروع تطبيق مدونة الأسرة، وقد بدأه مركز كفينفو كمشروع تعاون دنمركي – مغربي ضمن إطار برنامج الشراكة الدنمركية – العربية (دي إيه بي بي). 
شارك ما مجموعه 280 قاضي أسرة في مشروع يهدف إلى تطوير سبل الوساطة بين الأطراف المعنية في قضايا الطلاق. ونتج عن المبادرة كتيب أعد بالتعاون بين إدارة الدولة الدنمركية والمعهد العالي للقضاء في المغرب، المسؤول عن إعداد وتأهيل القضاة. تنص مدونة الأسرة على أن يسعى القضاة للتوسط بين الأطراف؛ إلا أنه، كما تبين من ورش عمل المؤتمر، يبدو أن هناك توجهًا – خاصة في المناطق الريفية – إلى دفع النساء للعودة إلى منازلهن وأن يرضين بالأمر الواقع.
تقول إليزابيث مولر جينسن، مديرة مركز كفينفو: “بخلاف ذلك، كانت طرق الوساطة التي ساهمنا بنشرها تتضمن التأكيد على أن الحل في أي وساطة يجب ألا يكون مقررًا سلفًا. ويتعين على الأطراف أنفسهم أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون البقاء معًا أم لا، وإذا حصلوا على الطلاق أن يحاولوا الاتفاق على أفضل ترتيبات حضانة الأبناء، والتعويضات المالية وما إلى ذلك.”
وتضيف إليزابيث مولر جينسن: “نأمل في النهاية أن تؤثر تلك الأدوات والرغبة في الاستماع إلى كلا الطرفين في الموقف العام للقضاة تجاه حقوق المرأة. ويمكن رؤية مؤشر على تأثير هذا الأمر من حقيقة أن القضاة والمنظمات النسائية يجلسون اليوم في نفس القاعة التي يعقد فيها مؤتمرنا ويتحدثون مع بعضهم البعض. وهو أمر لم يكن في الإمكان التفكير فيه في بداية المشروع، وهذا الحوار حيوي بالنسبة للتغيرات التي يجب أن تحدث في البلاد.”
 

المطالبة بإصلاح مدونة الأسرة

 إلا أنه، وكما تُبين ليلى حنفي في تقريرها، فإن تلك التفسيرات المحافظة للمدونة نتجت عن الصياغة الغامضة لمدونة الأسرة. 
وتضيف ليلى: “هذا يعطي القضاة هامشًا غير مقبول من التفسيرات.” 
ولهذا السبب تحديدًا، ترددت العديد من الدعوات من أجل “إصلاح الإصلاح” طيلة فترة انعقاد المؤتمر.
تقول فوزية عسولي: “لقد حان الوقت لإصلاح المدونة؛ مثلاً، يجب حظر تعدد الزوجات تمامًا، بدلاً من مجرد تنظيمه كما هو الحال اليوم.”
وتضيف فاطمة الزهراء بوقيسي، وهي محامية وأخصائية بمدونة الأسرة من مدينة الرباط: “ما زالت هناك أحكام تمييز ضد المرأة.”
وتؤكد فاطمة الزهراء بوقيسي: “مثال ذلك، إذا تزوجت المرأة مجددًا فقد تفقد حق حضانة أطفالها إذا تجاوز عمرهم 12 سنة – وهو قانون لا ينطبق على الرجل. قرار من سيتولى الحضانة يجب أن تحكمه رفاه الطفل، وليس سنه.” كما تشير أيضًا إلى أن مدونة الأسرة لا تنطبق إلا على النساء المتزوجات. فالنساء غير المتزوجات- والأمهات غير المتزوجات بشكل خاص- ما زلن يخضعن للممارسات الدارجة التقليدية التي تنكر عليهن أي حق في تقرير المصير.  
تعتبر قوانين الميراث عقبة أخرى في طريق المساواة، حيث إنها وفقًا للشريعة تعطي النساء الحق في نصف ما يحق للرجل. مؤخرًا، ألقت المنظمات النسائية الضوء على حقيقة أن مدونة الأسرة لا تنص على حد أدنى لسن الزواج يمكن أن يمنع السماح بزواج الفتيات اللواتي تقل أعمارهن عن 15 سنة. وتطالب عدة منظمات بالإلغاء الكامل للبند الذي يمنح القضاة حق السماح بزواج من تقل أعمارهن عن 18 سنة.
وقد طرح حزب الحكومة الإسلامي، حزب العدالة والتنمية، اقتراحًا مخالفًا بخفض سن زواج الفتيات إلى 15 سنة، مع الإعلان رسميًا عن المنع التام لزواج الفتيات الأصغر من ذلك. لكن المنظمات النسائية اعتبرت ذلك هجومًا عدوانيًا على مدونة الأسرة. 
“علينا التمسك بأن مكان الفتيات اللواتي يبلغن 15 سنة هو المدرسة- وليس بيت الزوجية،” كما تقول فوزية عسولي.

سلطة جديدة، لكن مع نفوذ أكبر للإسلاميين

بعد عشر سنوات من إقرارها، تواجه إصلاحات مدونة الأسرة خطر أن تصبح موضوع معركة سياسية جديدة. فقد أدت المحاولة الأولى لإصلاح مدونة الأسرة الأصلية في عام 2000 إلى انقسام المجتمع المغربي. وحين تم الإصلاح بنجاح في عام 2004، كانت البيئة السياسية مواتية بالنسبة للمنظمات النسائية، التي استمدت دعمها من رغبة الملك محمد السادس بتحديث المغرب – من خلال تحسين وضع المرأة في المجتمع على الأقل. كما أن الهجوم الذي شنته القاعدة في مارس 2003 في الدار البيضاء وأودى بحياة 41 شخصًا أجبر المعارضة على البقاء بعيدة عن الأنظار. 
بعد عشر سنوات، نجد أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي (الذي نظم مظاهرات حاشدة ضد إصلاح مدونة الأسرة في عام 2000) متواجد في الحكومة مع حزبين آخرين.
على الرغم من ذلك، شهد المغرب خلال السنوات القليلة الماضية عددًا من المبادرات ساعدت على رفع مكانة المرأة في المجتمع. يمثل دستور عام 2011 الجديد، الذي تنص المادة 19 منه على “المساواة الكاملة بين النساء والرجال”، إحدى هذه المبادرات. إلا أنه تبع تلك النقطة نصًا يقول بأن المساواة “تبقى ضمن حدود المبادئ غير القابلة للتغيير في البلاد” – وهو بند للتهرب يمكن الاستشهاد به للحد من أي تطورات في مجال المساواة.
تقول لطيفة بوشوا، من الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة في الرباط: “نحن قلقون من هذه المادة في الدستور، لكننا نؤمن بأن لدينا بعض سبل الضغط من خلال المعاهدات الدولية التي وقعتها المغرب، من ضمنها “اتفاقية اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ ﻤﻴﻊ أﻜﺎل اﻟﺘﻤﻴﻴ ضد اﻟﻤأة” الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)؛ والتي تخلى فيها المغرب عن جميع شروطه السابقة، وكانت رسالة الحكومة إلى الأمم المتحدة هي أن المغرب سوف يفي بجميع التزاماته. هذا هو المجال الذي يتعين علينا إجبار الحكومة فيه على الالتزام بكلمتها.”   
لكن المعركة لن تكون سهلة، كما تخشى نائبة البرلمان المغربي وعضوة اللجنة المختارة لحقوق المرأة، فاطمة الضعيف.
تقول فاطمة الضعيف: “يزودنا الدستور الجديد بفرص جديدة كلية. لكن الأحزاب الإسلامية المشاركة في الحكومة تحاول بوضوح إلغاء مدونة الأسرة، في البداية باقتراحهم خفض سن الزواج – وهو اقتراح نواصل عرقلته في مجلس النواب. كذلك لا يتمتع الإسلاميون بالأغلبية، بينما يتمتع المجتمع المدني بدعم الأحزاب التقدمية في البرلمان. كما أن هناك العديد من المؤشرات التي توحي بأننا مقدمون على مواجهة عنيفة مثل التي شهدناها في عام 2000، حين وقف مؤيدو ومعارضو حقوق المرأة في مواجهة بعضهم البعض. لكن في وسعنا أن نأمل بالوصول هذه المرة أيضًا إلى حل وسط، كما حدث عند إصلاح مدونة الأسرة في 2004.”

دعم مركز كفينفو المتواصل للمجتمع المدني المغربي

الأمور كما هي حاليًا، تبين أن الصراع يدور أولاً وفي معظمه داخل المجتمع المغربي. القضية الرئيسية هنا هي نشر معلومات عن مدونة الأسرة وتغيير المواقف – وهذا أمر يواصل مركز كفينفو دعمه. 
تقول كاترينا بلومكويست، رئيسة دائرة الشرق الأوسط في مركز كفينفو: “هدف المؤتمر بالتحديد هو رؤية المدى الذي وصلنا إليه حتى الآن، ومناقشة المشاكل العالقة، ودمج النتائج التي تم التوصل إليها في البرنامج الجديد الذي سيحل محل البرنامج الذي سينتهي نهاية هذا العام. من الواضح أننا بحاجة إلى استخدام خبراتنا في مجال التوسط في النزاعات. المجال الآخر الذي يجب التركيز عليه هو حقوق المرأة في القرى الريفية الصغيرة.” 
في كل عام يخصص برنامج كفينفو للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما مجموعة 4.5 مليون كرونا دنمركية (حوالي 600.000 يورو) للمغرب، وهو ثاني أكبر بلد متلق بعد مصر. ويدعم البرنامج أيضًا مشروعات في الأردن ولبنان واليمن، علاوة على دعم مبادرات إقليمية أصغر.