صندوق الحقائق

تبلغ آمال عبدالهادي من العمر 63 عاما. بدأت بدراسة الطب، وعملت لسنوات عديدة في مجال الصحة الإنجابية والجنسية للنساء بالإضافة إلى حقوق النساء، وعملت على وجه الخصوص في مجال العنف الجنسي ضد المرأة والمتمثل في الاعتداء الجنسي عليها وختانها.

وهي أيضا أحد العضوات المؤسسات لمؤسسة المرأة الجديدة (عام )1984 والتي تعنى بتعزيز حقوق النساء من خلال الأبحاث العملية ومناصرة قضايا النساء. وعلاوة على ذلك، فقد انخرطت هذه المؤسسة -بالتعاون مع أكثر من 70 ناشطة مصرية ومنظمة حقوق إنسان غير حكومية– في حملة كبيرة للمطالبة بحق التنظيم المستقل، كما دعمت كفاح النساء العاملات المصريات ضد الظلم الواقع عليهن في سوق العمل المصري. 

الروابط

سيبقى 25 كانون الثاني 2011 يوما مفصلياً في تاريخ مصر المعاصر، كما غدا مرادفاً للثورة المصرية عينها؛ إذ أنك لو ذكرت هذا التاريخ أمام أي شخص سيعرف بلا شك عما تتكلم عنه، فأنت تتكلم عن نهاية حقبة دكتاتورية سياسية وعن إمكانيات مفتوحة لتحقيق الديمقراطية وعن مستقبل واعد جديد. وتقول آمال عبدالهادي – الناشطة النسوية المصرية وإحدى العضوات المؤسسات لمؤسسة المرأة الجديدة- مصر الآن أمام فترة انتقالية لا بد من التحرك فيها الآن وخصوصا إذا أردنا تحسين حقوق المرأة بشكل جذري؛ فإرادة التغيير سرعان ما قد تذوي إلى زوال. 

الربيع العربي: تجربة غيرت حياتها بالرغم من أنها لم تتوقع حدوثه

سعت آمال عبدالهادي لإحداث التغيير السياسي وللنهوض بحقوق النساء طيلة حياتها. فمنذ اندلاع الانتفاضات الطلابية في السبعينات، شاركت أمال في التظاهرات والاحتجاجات السياسية. ولذلك كان من المتوقع أن تكون واحدة من أكثر من مليون مصري ومصرية اعتصموا في ميدان التحرير في نهاية شهر كانون الثاني هذا العام. وقد كان هذا بمثابة تجربة غيرت حياتها بالرغم من أنها لم تتوقع حدوثها في حياتها السياسية التي امتدت لست وثلاثين عاما. وتقول آمال عبدالهادي في ذلك “لقد أحسست بشعور غامر بالسعادة، فمجيء كل هؤلاء الناس من منطلق معارضتهم للنظام الحاكم يعد تجربة فريدة، وقد كان مؤثراً جداً أن نرى كيف أظهرت هذه التجربة أفضل ما عند المصريين؛ فكان الكل يدعمون بعضهم بعضاً ويعملون سوية ويتقاسمون ما كانوا يملكون تماماً كالمجتمع اليوتوبي حيث يأخذ الناس ما هم بحاجة ماسة إليه ويقدمون ما بمقدورهم أن يقدموه. 
 “(…)لقد أحسست بشعور غامر بالسعادة، فمجيء كل هؤلاء الناس من منطلق معارضتهم للنظام الحاكم يعد تجربة فريدة”

النوم وطائرات اف 16 تحلق بالأجواء 

اختارت آمال عبدالهادي أن تقضي عشية الرابع من شباط في ميدان التحرير وذلك بعد “واقعة الجمل” التي هاجم فيها المتواطئون مع النظام السابق المتظاهرين بالجمال والخيول ولكنهم انهزموا فيها. ووفقا لآمال، فقد كانت هذه الواقعة بداية النهاية للنظام السابق بالرغم من كل الشكوك والشائعات. 
” لقد تم عزلنا عن العالم الخارجي. ولقد خشيت من أننا قد نموت مع حلول صبيحة اليوم الثاني وأن الحكومة ستغطي على ذلك بقصة مفبركة”
من الممكن أن يحدث أي شيء
فى ذلك اليوم منع النظام المصري –في محاولة للامساك بزمام الأمور- أى بث مباشر من ميدان التحرير كل القنوات العربية كالجزيرة والعربية وغيرهما من القنوات العالمية مثل BBC وCNN.  
قالت آمال عبدالهادي “كان هناك شعور كبير بالتوتر، متى سيحدث شيء ما؟ حلقت طائرات اف 16 مقاتلة على ارتفاعات منخفضة مقلقة بهدير محركاتها هدوء السماء في المساء، وطافت طائرات هليكوبتر بالأجواء أيضا فوق الميدان. وقد أكد لنا أحد العسكريين أنه لن يحدث أي شيء، إلا أن تأكيداته المتكررة زادت من قلقنا. لقد خشيت أن نعيش أحداث ميدان تيان من  في عام 1989 فى الصين، لكنني لم أبرح مكاني بالرغم من شعوري بالخوف- لقد كانت مفارقة. لقد تم عزلنا عن العالم الخارجي. ولقد خشيت من أننا قد نموت مع حلول صبيحة اليوم الثاني وأن الحكومة ستغطي على ذلك بقصة مفبركة. ولكن عندما بزغ الفجر وكان كل شيء مسالما، شعرت أن الأمر يستحق المحاولة، وبدأ المتظاهرون الشباب بتنظيف الميدان استعدادا لصلاة الجمعة، وحل الشعور بالوحدة والتعاون من جديد.” 
وقد فرحت آمال عبدالهادي على وجه الخصوص بانخراط النساء المصريات في الثورة على كافة مستوياتها. فأضافت: “إن أول أمر جدير بالذكر هو أننا لم نتعرض لأي شكل من أشكال التحرش الجنسي بالرغم من وجود أكثر من مليون متظاهر. فكان هذا بحد ذاته أمراً جللا وشعوراً رائعاً. وقد شاركت النساء في كل ما كان يحدث، مما خلف في نفسي الأمل بتغير النظرة إلى دور المرأة، ففي نهاية المطاف لن يطلب أي أحد هنا من أي امرأة تسعى للتغيير وإسقاط النظام بأن تعود إلى بيتها”.
 ولكن عندما بزغ الفجر وكان كل شيء مسالما، شعرت أن الأمر يستحق المحاولة، وبدأ المتظاهرون الشباب بتنظيف الميدان استعدادا لصلاة الجمعة، وحل الشعور بالوحدة” والتعاون من جديد.” 

تحدي المطالبة بالمساواة

أين يمكن للنساء في مصر أن يفهمن أن الثورة تواجه واقعاً جديداً من تحديات تنظيمية وجداول أعمال جديدة؟ ترى آمال عبدالهادي أن الأسباب كلها تدعم التفاؤل بما يحدث لكن في نفس الوقت دون الانجراف كثيرا وراء ذلك. وفي الوقت الراهن، تمر مصر بنقلة من مصر الثورة إلى مصر المستقبل الديموقراطي. ويجب وضع الأسس لبناء هذا المستقبل الديموقراطي الآن وأن تكون الأعمال سريعة. فالكثير قد تغير ولهذا يجب أن نتحرك بسرعة قبل أن تزول إرادة التغيير.  
وبناء على ما سبق، تعمل آمال عبدالهادي حالياً على إدراج حقوق المواطن الأساسية ومبادئ المساواة في الدستور القادم.
“كنا قلقين منذ أول يوم في الثورة من أننا لا نملك أي بديل سياسي قوي، ولم نقدم أية أسماء لأي أشخاص ليقودوا الحكومة الجديدة. هذا هو جوهر مشكلة الثورة المصرية”
أما بالنسبة لتونس والتي مهدت الطريق للثورة في مصر، فقد أقرت مؤخراً قانون “المناصفة”، والذي يعني بدوره أنه يجب أن تكون هناك امرأة بين كل مرشح وآخر على ورقة الاقتراع في الانتخابات البرلمانية الحرة الأولى في تونس. لكن من ناحية منطقية، ترى آمال عبدالهادي أن عمل مثل هذا الإجراء في مصر يعد معركة شرسة وطويلة الأجل؛ وأحد الأسباب وراء ذلك أن الجماعات الإسلامية المحافظة –والتي تعد من أكثر الأطراف تنظيما- تحاول أن تقتص من أية مكاسب حظيت بها النساء في السنوات السابقة لقولها أنها مما فرضته إدارة مبارك على النساء المصريات.  
وكما هو الحال في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي شهدت العديد من الثورات الشعبية أو التي تناضل الآن من أجل تحقيق الديمقراطية، فقد أضعفت سنوات الديكتاتورية السياسية (مثل تلك التي عاشتها مصر) نمو وبروز أي بديل سياسي منظم.  
“كنا قلقين منذ أول يوم في الثورة من أننا لا نملك أي بديل سياسي قوي، ولم نقدم أية أسماء لأي أشخاص ليقودوا الحكومة الجديدة. هذا هو جوهر مشكلة الثورة المصرية، ولم نكن جاهزين للتغيير. لم يتوقع أي أحد أنه ستكون هناك ثورة –حتى أولئك الذين نادوا بعمل ثورة مصرية كنظيرتها التونسية.”

القلق من تناسي المساواة في خضم المفاوضات 

تقول آمال عبدالهادي أن أحد أكبر المخاطر هو تناسي المطالبة بالمساواة في المفاوضات السياسية الحالية والتي تتعلق بالتغييرات الشاملة في الدستور.
“يعد حق كل فرد بالتعبير عن نفسه عماد أي نظام ديموقراطي. لكن أولئك الذين يتمتعون بالسلطة والمال والمساجد التي يخاطبون من خلالها الناس وأولئك الذين يتمتعون بصوت مسموع سيعملون على وضع أفكارهم أولا. فموضوع الكوتا النسائية لم يكن مطروحا أصلا في استفتاء تغيير الدستور  ولربما يعزى ذلك إلى أن الجماعات الإسلامية على درجة عالية من التنظيم، وغياب دور الشرطة في أي مكان والفوضى تعم المكان في الوقت الراهن، ويجري استخدام التحرش الجنسي من قبل بعض الجماعات لإخافة النساء وردعهن.”  
وبذلك ترى آمال عبدالهادي –واضعة هذا الأمر نصب عينيها- أنه من الضرورة بمكان أن تؤسس مصر دولة مدنية لا يميز فيها ضد أي مصري بسبب دينه أو جنسه، وبهذا يصبح من الممكن مع مثل هذا التشريع فقط النهوض بحقوق النساء في السنوات القادمة.  
“يعد حق كل فرد بالتعبير عن نفسه عماد أي نظام ديموقراطي. لكن أولئك الذين يتمتعون بالسلطة والمال والمساجد التي يخاطبون من خلالها الناس وأولئك الذين يتمتعون بصوت مسموع سيعملون على وضع أفكارهم أولا”
“نحن بحاجة إلى دستور مبني على فكرة عدم التمييز بحق أي مواطن مصري وعلى توفير المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان لجميع فئات المجتمع: رجال أو نساء، مسلمين أو أقباط. وفي خضم الوضع الحالي، تحتاج قضيتنا إلى دعم الجماعات الأخرى ولهذا السبب عملنا على صياغة أهدافنا بشكل عام، فعلى سبيل المثال إذا استطعنا إقرار مادة فى الدستور تجرم التعذيب أو المعاملة المهينة أو الحاطة بالكرامة ، يمكننا استخدامها فى المستقبل لمواجهة العنف ضد النساء. وفي نفس السياق، إذا تمكنا من وضع مادة فى الدستور حول المساواة وعدم التمييز، فسيعزز هذا من مساواة المرأة بالرجل في سوق العمل على المدى البعيد. 

“نعم نستطيع”: أساس للتفاؤل 

لا تشك آمال عبدالهادي في أن الثورة (والتي كانت نتاج سنوات عديدة من الإحباطات المتكررة بسبب قمع نظام السادات للمعارضة وغطرسة نظام مبارك السياسية) قد أحدثت تغييراً في عقلية الشعب المصري، فهذه أول مرة يشعر فيها الناس بأن لهم فرصة في إحداث تأثير حقيقي والتحديد الديموقراطي المشترك للقرارات.  
“شارك عدد غفير من المصريين في استفتاء مارس /آذار، وبالرغم من أننى صوت بلا للتعديلات الدستورية، إلا أن رؤية الصفوف الطويلة من الناس في أماكن الاقتراع قد أثر فيّ بعمق؛ فقد اصطف الرجال والنساء من كافة الأعمار بصبر بالغ حتى يحين دورهم للإدلاء بأصواتهم. لقد شعروا أن صوتهم سيحدث فرقاً كبيراً، أنهم –كأفراد- يمكنهم إحداث فرق.” 
 “لم يستخدم الكثير منا -بما فيهم أنا- حقنا في التصويت من قبل. لقد كنت نشطة وتحدثت كثيرا عن الكوتا المبنية على النوع الاجتماعي ولكن لم أصوت قط لأنني كنت أرى الأمر غير ذى جدوى فى ظل تزييف الانتخابات المستمر، ولذلك هذه هي المرة الأولى التي أدلي فيها بصوتي أيضا”. 
الوضع في مصر تماماً كشعار أوباما: “نعم نستطيع” .. تجربة جديدة في المجتمع المصري
تقول آمال عبدالهادي “لم يستخدم الكثير منا -بما فيهم أنا- حقنا في التصويت من قبل. لقد كنت نشطة وتحدثت كثيرا عن الكوتا المبنية على النوع الاجتماعي ولكن لم أصوت قط لأنني كنت أرى الأمر غير ذى جدوى فى ظل تزييف الانتخابات المستمر، ولذلك هذه هي المرة الأولى التي أدلي فيها بصوتي أيضا”. 
ومن الأشياء الأخرى التي تعطي آمال عبدالهادي تفاؤلا في النظرة هو أن مستقبل مصر يكمن في شبابها. ففي أثناء الثورة، رأت كم كان الشباب أقوياء ومتطلعين قدما ونشطين في الشوارع وكافة المنابر الاجتماعية. وهي تشهد الآن كيف أنهم لا يزالون يواصلون نشر الأخبار والمعلومات بنفس حماسهم الذي ما انطفأ. فتردف قائلة “إن تفانيهم ومعرفتهم وطاقتهم مصدر للإلهام، مما يمنحني راحة في البال حيال مستقبل مصر. وأتذكر نفسي عندما كنت في ميدان التحرير عندما كنت أفكر: حتى لو انتهى الأمر الآن بعد ثلاثة أسابيع وألقوا بنا جميعاً في السجن، فقد تغير البلد على أي حال لأن هؤلاء الشباب سيمضون قدماً دون النظر إلى الوراء”. ونتيجة لذلك، لا تزال آمال عبدالهادي مصرة على التفاؤل بالرغم من كل التحديات والعمل المضني الذي سيأتي لاحقا. كما تضيف “وُلدت متفائلة، يجب علي أن أكون كذلك، فاسمي آمال!! ولا يمكن لي أن أكون متشائمة، ولو لم أكن متفائلة ما كنت لأبقى إلى الآن”.