صندوق الحقائق

إبي إبراهيم

ولد إبي إبراهيم في الولايات المتحدة عام 1987 لوالدين دبلوماسيين، ونشأ في اليمن، وليبيا، والعراق، والإمارات العربية المتحدة. ورغم اعتماد الكثير من أعمال إبراهيم على تجاربه الشخصية، فإنها تتناول أيضًا قضايا خلافية ينظر إليها على أنها من المحرمات في المجتمع اليمني التقليدي المحافظ الذي انحدر منه. تتناول أعماله مواضيع تتراوح ما بين الجنس والنوع الاجتماعي إلى التقاليد، تسببت في خلافات وأشعلت نقاشات حامية حول النتائج الاجتماعية والثقافية للتوجه المحافظ واسع الانتشار الذي أخذ ينمو بسرعة في مختلف أنحاء المنطقة خلال الأربعين سنة الماضية.

في طفولته، سعى إبي إبراهيم للهروب من العالم باللجوء إلى طابق التسوية في منزل والديه، حيث كان يمضى الوقت بالنظر إلى صورهم المطبوعة باللونين الأبيض والأسود. في المرة الأولى التي يمسك فيها بكاميرا وجهها إلى نفسه؛ واليوم، لا يزال يستخدم نفسه كموضوع للكثير من صوره. استخدامه لصورته كموضوع له يتحدث الكثير عن نمطه في الفن. قيام هذا الشاب اليمني البالغ من العمر 26 عاما، بتصوير ضعفه وميوله الجنسية، وضعه في مواجهة مع المجتمع الذي ترعرع فيه، وهو مجتمع ازداد تحفظًا خلال الأربعين سنة الماضية حيث يعتبر جسد المرأة، وأكثر من أي وقت مضى، ملكية خاصة للرجل.   
 
 تتكون أعمال إبي إبراهيم من أجزاء متساوية من الصور الذاتية وصور شبان وشابات، غالبًا ما تطبع بتركيبة من اللونين الأبيض والأسود والتي غالبًا ما تشكك أو تتحدى المُثل العليا التقليدية الإسلامية. وهذا هو سبب حظر أعماله في اليمن. على أية حال، لقد عاد الآن إلى الوطن بعد سنوات من الإقامة في الولايات المتحدة ليضغط على البنية القائمة ضمن ثقافة يرى أنها طريق ذو اتجاه واحد من الرقابة والأوامر الزجرية. 

يقول إبي إبراهيم، حين أتصل به مركز “كفينفو” عبر سكايبي في أثناء تحضيره لإقامة معرضه التالي في دبي، “أنا أحاول شن معركة ضد الرقابة. فإن لم أفعل شيئاً فلن يتغير أي شيء، وأشعر بأن من واجبي عرض القضية.” 
أقام إبو إبراهيم أول معرض منفرد له، ممثلا بمعرض جام دبي في معرض لندن للفنون في آذار 2014. بعد خمس سنوات من العمل كمحترف للتصوير الفني، وهو أكثر من راض عن عمله:
“أول معرض منفرد كان بالفعل حدثًا رائعًا. فلم نكن نتوقع حضور عدد كبير من الجمهور، ليتبين حضور 900 شخص، لقد كان الازدحام شديدًا.” 
نُصح إبراهيم ألا يدعو أي شخص من السفارة اليمنية في لندن، ‘حتى لا يتم الإبلاغ عن المعرض’. وفي هذا مثال جيد على الرقابة المتفشية في اليمن وتجعل من السهل إصابة المشاهدين اليمنيين بالدهشة. 
“في اليمن ينظر إلى أعمالي على أنها تحريضية. ولا يوجد أي معرض فني في البلد، لذلك فإن الناس غير معتادين على مواجهتهم بالفن المعاصر. لهذا السبب يشعر اليمنيون بالإهانة عندما يشاهدون صوري: أنا أقتبس أشياء من تاريخهم وحياتهم اليومية وأقوم بجمعها بشكل يتجاوز الحدود، بالنسبة لهم.”  

 الملكة المنسية

أحد أعمال إبراهيم التي سببت غضبًا عارمًا في بلده هو سلسلة صور بعنوان “الستارة”. يتكون هذا العمل من ثلاث صور لامرأة تتلفع بقماش عليه نقوش حمراء، وتتكئ بأناقة على العشب، في مرج تغمره أشعة الشمس. في الصور الثلاث الأخيرة تتخلى عن ردائها تمامًا ولا يرى المشاهد سوى ساقاها العاريتان تقفان على القماش فوق العشب. الستارة، هي قطعة قماش كبيرة نابضة بالحياة كانت فيما مضى رداء النساء اليمنيات، وهي مهمة من الناحية التاريخية ، كما يبين إبراهيم: 
“كانت الستارة الرداء التقليدي للمرأة اليمنية قبل إدخال العباءة السوداء إلى البلد من السعودية.” 

 ولهذا السبب بالذات اختار استخدام الستارة في أعماله: 
“في اليمن اليوم، جسد المرأة ملك للأسرة. أردت عمل سلسلة من الصور لتذكيرنا كيف كانت المرأة اليمنية. لقد مضى زمن كانت فيه المرأة تحكم اليمن -ملكة سبأ- لكن حين تفكر في المرأة اليمنية اليوم، فإنك تفكر في إنسان مظلوم، عرائس ما زلن في مرحلة الطفولة وغير متعلمات يجبرن على الزواج، الستارة تستحضر صورة الماضي والملكة المنسية، التي تتعارض تمامًا مع الوضع الذي تواجهه المرأة اليوم- وضع ينظر فيه إلى المرأة على أنها شيء مليء بالخطايا يجب تغطيته بقماش أسود.” 
كما أنه ليس صدفة أن تكون العارضة في الصورة عارية تحت الستارة. 
ويضيف إبراهيم متحسرًا، “إنها حيلة متعمدة: أردت أن أثير النساء اليمنيات وأذكرهن كيف كن في يوم من الأيام. الأعشاب تمثل الحرية. الوضع اليوم مختلف تمامًا وجسد المرأة لم يعد ملكها. إنها مأساة.” 

 آليات تنظيم الذات

وفقا لإبراهيم شهدت الأربعون سنة الماضية تزايد تحول المجتمع اليمني نحو السلوك المحافظ. ففي حين أن النساء من جيل والدته لم يكن يرتدين الحجاب، فإن معظم النساء اليوم يغطين أنفسهن.  
يقول إبراهيم، الذي يعتقد بأن آليات التنظيم الذاتي تعمل على قدم وساق في البلد، “أنا موجود في اليمن منذ ما يقارب العام الآن، ورغم أن الحرارة في الخارج تصل إلى 40 درجة مئوية فإن النساء يرتدين القفازات. لا أحد يحارب هذا الأمر.” 
“الناس يقلقون مما قد يقوله الجيران عنهم وعن اسمهم وسمعة أسرتهم الطيبة أكثر من قلقهم من الدين. المرأة غير مجبرة على ارتداء الحجاب، ورغم ذلك تلبسه- ربما لأنها لا تريد أن يتكلم الناس بالسوء عنها. الأمر نفسه حين يصل الأمر إلى الذهاب إلى المسجد- الأمر هو أن تظهر للجيران ولأسرتك أنك مسلم صالح. من وجهة نظري، هذا الأمر أخطر مما لو كانت الحكومة تضع القوانين.”  
وتبعًا لذلك، يسعى إبراهيم إلى تذكير الناس، من خلال أعماله، بأن ثقافة الشرق الأوسط كانت ذات يوم أكثر تقبلاً وانفتاحًا للتغيير مما هي عليه اليوم. 
“أصبح المجتمع محافظًا أكثر فأكثر بالتدريج. لو عرضت أعمالي في سبعينات القرن الماضي لما أحدثت كل الضجة التي أحدثتها اليوم. إنه لأمر محبط أن أرى كيف أصبح بلدي- المجتمع الذي كان ذات يوم رائدًا في مجالات مثل الفن، والطب، والدين- يبدو متخلفًا إلى هذا الحد.” 
في عمل آخر لإبراهيم، بعنوان “لقاء فتيات”، نرى أرضية إحدى الشقق. في أعلى الصورة تجلس امرأة ترتدي الستارة مع سيجارة وكأس من النبيذ في يدها. الأرضية أمامها مغطاة بالآلات الموسيقية، والتفاح، وزجاجة مشروبات كحولية، وأوراق نقد، وصور، ورسم لامرأة عارية الصدر، يشرح إبراهيم الصورة قائلاً: 
“توفر هذه الصورة لمحة عما يحدث حين تخرج المرأة للالتقاء بأخرى. وهي من وحي صداقاتي الشخصية مع فتيات يمنيات يحببن أن يدخن ويشربن، ولهن اهتمام بالفن والثقافة ويستمتعن بلفت أنظار الرجال، مثل الفتيات في كافة أنحاء العالم.” 

غادرت اليمن ممتلئًا بالأسى والغضب

كطفل لعائلة دبلوماسية، عاش إبراهيم في عدد من الدول المختلفة، من ضمنها ليبيا، والعراق، والولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة. هذه الخلفية فتحت عيناه على العديد من القيود والإجراءات القمعية المنتشرة هذه الأيام على نطاق واسع في الشرق الأوسط.
 “كنت محظوظًا بالنظر لحقيقة أنه أتيح لي الإطلاع على العديد من الثقافات. ولا شك أن هذا هو ما غرس فيّ النهج الناقد للأشياء ورسخ إحساسًا قويًا من حب الاستطلاع.” 
في سن الخامسة عشرة، بدأ إبراهيم في شراء ما هو متاح من كاميرات رخيصة- فالكاميرا الخاصة بالأسرة لم تكن مخصصة لاستخدام الأطفال- وبدأ تجاربه مع التصوير. ثم شيئاً فشيئاً بدأ حبه لهذه الوسيلة يتبلور. 
إلا أنه، مازال هناك حدود لتساهل الوالدين وانفتاحهم، فعلى الرغم من رغبته، لم يسمح له بمجرد الحديث عن دراسة الموسيقى أو الفن. فقد اتخذ القرار بأن: عليه أن يدرس التسويق. 
“في النهاية، كبرت فيما كان يعتبر بيتًا يمنيًا عاديًا. حين أنظر إلى الوراء إلى السنين التي أمضيتها في الشرق الأوسط أدرك حجم الفرصة التي أضعتها.” 
في العام 2009، يوم كان إبراهيم في الثانية والعشرين من العمر، شارك في معرض جماعي في اليمن. وعرض صوره تظهر شابان يقفان بجانب بعضهما. الطريقة التي وقفا بها توحي بأن أحدهما يمسك بيد الآخر، رغم أن ذلك لم يكن واضحًا تمامًا. أحدثت الصورة ضجة لدى الجمهور، وكان رد الفعل سلبيًا بشكل عام، كما يخبرنا إبراهيم. 
“من الطبيعي جدا رؤية رجال في الشرق الأوسط يمسكون بأيدي بعض، لكن تعابير وجه الرجلين في الصورة توحي بأن هناك أكثر من مجرد صداقة بريئة بينهما. الجمهور الذي فهم القصد من الصورة كان رد فعله قويًا.”

رغم أن تلك الأعمال اعتبرت مستفزة للغاية، فقد كان رد فعل أسرته هو ما أجبره على مغادرة البلد- لم يدعموا طموحه الفني وحاولوا جعله يتخلى عن التصوير كلية. 
“لقد شعروا بالخجل مما أفعله، وغادرت اليمن ممتلئاً بالأسى والغضب. صعب جدا أن يكون أقرب الناس إليك أقلهم تفهمًا لك.” 
انتقل إبراهيم إلى الولايات المتحدة حيث اكتشف مرابع الفن ومعارض الفنون الكثيرة في المدينة. وسكن في حي ويليامزبيرج العالي في بروكلين، وبدأ تجاربه بتصوير أصدقائه وأي ممثل يلتقيه. أمضى ثلاث أو أربع سنوات يعمل في مجال التصوير بالأبيض والأسود، مركزًا على مواضيع مثل الشباب، والفردية، والأمور الجنسية، وحرية التعبير- التي تعتبر من المحرمات في الشرق الأوسط. 
يقول إبراهيم، “أريد أن أرسم المقاومة التي أمثلها أنا والفنانين الذين نشؤوا في مجتمعات إسلامية محافظة في الشرق الأوسط.”

الثورة غيرت شيئاً ما

ومع ذلك، عاد إبراهيم إلى اليمن منذ عام. ويصعب عليه شرح سبب عودته، إلا أن أحد الأسباب هو حقيقة أن موطنه كان المكان الذي وجد فيه توجهه الفني وإلهامه. 
“شعوري بالإحباط والغضب- العديد من أعمالي كانت انعكاس للمشاعر التي تملكتني خلال نشأتي وخلال السنة الأولى من ممارستي الفن. لهذا السبب أنا بحاجة لأن أكون هنا.” 
 يبين إبراهيم: “الثورة التي نشبت في اليمن في كانون الثاني 2011 والتي قادت إلى تنحي الرئيس السابق على عبد الله صالح كانت من عوامل عودتي.” 
“الثورة غيرت شيئاً ما. الشبان ممن هم في مثل سني لم يعودوا يخشون ارتداء ما يرغبون أو يقولون ما يريدون. لقد تعب الناس من تكميم أفواههم. إنها خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة لمجتمع محافظ مثل المجتمع اليمني. أرى فتيات أكثر صراحة، يقدن السيارات ويسيطرن على حياتهن. لقد تغير الكثير في اليمن خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، وأريد أن أكون هنا لأشهد هذه التغيرات وأن أؤثر في التطورات. وفي حين يعمل الآخرون كناشطين إنسانيين، فإنني أحاول المساهمة بقدر ضئيل من خلال فني- أريد أن أهز  هياكل المجتمع قليلاً.”                                                                                                                           
لكن إنشاء فن مثير للجدل في بلد مثل اليمن لا يمكن أن يكون بلا مخاطر. فقد تلقى إبي إبراهيم تهديدات بالقتل وبشكل منتظم. 
يقول إبراهيم: “تلقيت تهديدات بالقتل وأتعرض لإساءات لفظية بسبب أعمالي. أنا لا ألوم الشعب اليمني بل وزير الثقافة في البلد. كيف يتوقعون أن يصبح العالم ملمًا بالفن اليمني الحديث إذا كانوا لا يدعمون أي فنون معاصرة.”  
ثم يضيف: “ثمة مفارقة، ففي حين أن هناك اهتمام كبير  بفن الشرق الأوسط في مختلف أنحاء العالم نجد أن لا شيء جديد أو مهم يحدث على الجبهة الفنية في اليمن. فقط الفنانين الذين ترى الحكومة أنهم غير مؤذيين هم من يحصلون على الدعم ويسمح لهم بعرض أعمالهم.” 
معظم الهجمات الموجهة إلى إبراهيم يشنها رجال ولها علاقة بصوره أو بالنساء في أعماله. وهو أمر يؤكد إدعاء الفنان البالغ من العمر 26 عاما بأنه ينظر إلى جسد المرأة على أنه ليس ملكًا لها بل ملك للرجل- “سواء كان هذا الرجل زوجها، أو أباها، أو أخاها، أو حتى شقيقها الأصغر.” 

لحظات زمنية حقيقية

‘الحميمية’ و‘الضعف’ هما الكلمتان اللتان غالبًا ما يستخدمهما إبراهيم حين يتحدث عن الفن، حيث أنه يقول: “نحن نكشف ذواتنا الحقيقية حين نكون في موقف ضعف.” 
يعرض إبراهيم في عدد من الصور التي التقطها لنفسه جوانب ضعفه الخاصة. أحد الأمثلة هي سلسلة صور “من دونك”، التي يظهر فيها مستلقيا على السرير مع شهوة واضحة لشخص آخر.

يقول إبراهيم، “الصور الذاتية توثق لحظات زمنية حقيقية. الهدف منها تذكيرنا بأننا جميعا متشابهون. أي شخص يستطيع التواصل معي بواسطة صورة، بغض النظر عن العمر أو المنشأ- الأمر يتعلق بحقيقة أننا جميعًا بحاجة إلى شخص آخر، نحن لم نخلق كي نبقى وحيدين.” 
وفي عمله “هزة الجماع اليمنية” المكون من ثلاثة أجزاء، نرى إبراهيم منحنيًا على سياج خشبي رأسه مائل إلى الخلف ويقبض بيده اليمنى على عضوه التناسلي. وفي حين يمكن تفسير المشهد على أنه تعبير عن الألم أو الحزن، إلا أن عنوان العمل وموضع يده لا يترك مجالاً للشك حول المقصد الحقيقي للعمل: 
“الأمر يتعلق بأن تكون لديك القوة على اكتشاف هويتك الجنسية. لا أعلم لماذا أشعر بخوف شديد من الحديث عن هذا الموضوع.” 

 ينهي إبي إبراهيم حديثة قائلاً: “أحب التعامل مع المواضيع الحساسة في عملي، واعتقد أن السبب هو عدم وجود فنانين آخرين في اليمن يفعلون هذا. أشعر بأني مجبر على إيجاد فن يتناول المجتمع اليمني المعاصر. وهذا أمر لا يمكن تأجيله لوقت لاحق- الآن يتعين علي أن أمرر رسالتي، قبل أن ينسى الناس الثورة التي ضحى فيها شبان وفتيات بأرواحهم من أجل مجتمع بتمتع بكامل الحرية وحقوق الإنسان.”