يتحرك الباص الصغير لمجموعة المسرح أبطأ قليلا من غيره من السيارات خلال رحلته بالتنقل في متاهات الدواوير في جميع أنحاء العاصمة الأردنية عمان. وقد وجهت الدعوة إليَ للذهاب الى الرصيفة وهي تقع في منطقة الزرقاء شمال شرق عمان، حيث يقوم مسرح العرائس دفا بأداء مسرحيته. حسام عابد هو الرجل الذي يجلس في مقعد الراكب في الجزء الأمامي من السيارة، وهو محرك الدمى ومؤسس المجموعة. فمن خلال انتاجه، والذي يقوم بتأديته في أي مكان سواء في مخيمات اللاجئين أو في مكاتب الاتحادات والنقابات، فإنه يبادر بالخوض في المناقشات التي تدور حول موضوع النوع الاجتماعي.
وعلى المقعد الخلفي تجلس السيدة ميادة قشوع، وهي التي تصنع دمى الظل والتي تتحكم بها في مجموعة دفا.

حكايات ورعب

يتطرق موضوع المسرحية اليوم إلى كل ما يخص النوع الاجتماعي والمساواة بين الاجناس – في السياسة، وفي المجتمع وفي الأسرة – والمسرحية جزء من مشروع مدعوم بين مؤيدي أخرى من قبل كفينفو. كانت الدعوة قد وُجهت للجمهور من قبل جمعية المرأة العاملة، وهي منظمة مدنية للمرأة المحرومة اجتماعيا. وقد تمت دعوة جميع الضيوف بصفة شخصية.
ويريد بذلك حسام عابد انه المسرحية تجعل النساء يفكرن، وجعلهن يتحدثن في نهاية المطاف. إنه يريد تحويل الأقوال إلى أفعال. هذا هو السبب في عمله بالدمى.
فيقول “آمل أنه حتى مع وجود عدد قليل من أولئك الذين يشاهدون مسرحياتنا أن يقولوا: ” ليـــس علـــيَ التــــزام الصمت، ويمكننــــــي أن أتكلـــــم”. فإن خالتي وجدتي كنَ ينتمين إلى مجموعة النساء اللائي بقين صامتات”، لقد كان يشرح ذلك خلال أدائه مع وقفات مؤقتة عميق التفكير. 
يتعمد حسام عابد من خلال عمله الاستفادة من الفجوة بين الأجيال لخلق شيءٍ إيجابي. إنه يُبرز الفرق بين النساء الشابات والنساء الأكبر سناً من حيث يعتقدن أن المجتمع ينظر اليهن كنساء، وأنه يعتقد أن النساء الأصغر سناً بحاجة إلى قصص معبرة من النساء الأكبر سناً من أجل دفعهن للتفكير والتأمل. وبناء على ذلك، قامت فرقة المسرحية بجمع شخصيات من النساء من جميع الأعمار لرواية قصصهن في ورش العمل. هنالك تبادلت المشاركات قصصهن مع بعضهن البعض، وبعدها تحولت تلك القصص إلى مسرحيات. 
مسرحية اليوم هي عن رجل يحلم بالهجرة مع عائلته. حيث يقوم بجميع الاستعدادات اللازمة، ويحضَر جميع الأوراق اللازمة ويضع الخطة. لكن زوجته وبخفية عنه – كانت تخطط لخوض الانتخابات المحلية المقبلة.
ويقول حسام عابد: ” كانت ردة فعله الفورية الخوف “.
لقد أصاب الدمية التي تمثل الرجل في المسرحية غضب. حيث أخذ يصيح ويصرخ، وتباعدت أطراف محركي الدمى من أجل إظهار الايماءات وحركات الرجُل العنيفة. وبعد ذلك ينهارعاجزاً وتعيساً. منفطرالقلب منتحباً، ويهبط جسده الشريطي اللين مكومة من النسيج فوق خشبة المسرح. 
يقول حسام عابد وهو ينظر بانتباه من خلال الزجاج الأمامي: “إنه يشعر بأنها تتحداه وحسب. ويخشى من تحول في ميزان القوى في العلاقة بينهما، إن ذلك شعور طبيعي”، قال ذلك بينما كانت الحافلة تقترب من المنطقة التي ستقوم الفرقة بالعمل فيها.

المساواة

بالنسبة لحسام عابد فإن المساواة كالضوء ينتشر ويطغى على جميع الاشياء – في القصص والروايات الشخصية التي تتعامل مع السياسة والانتخابات، وفي الظروف الاجتماعية، وفي الهجرة. إن المساواة هي من السمات التي تلعب دوراً كبيراً في حياته – المساواة بين الفئات العمرية والفئات الاجتماعية والجنسيات والأجناس، وبين الرجل والمرأة. 
وهنا كان يدرك جيدا أنه إذا كنت تريد إحداث تغيير فلا يكفي مجرد إشراك مجموعة والتي هي “الأقل على قدم المساواة”. 
ويقول: “قبل كل شيء، من المهم أن تُغير طريقة التفكير لدى الرجال”، ويضيف موضحاً “لا أحد هنا في الأردن تقريبا يعمل مع موضوع المساواة وحقوق المرأة  مع التركيز على الرجال.
  

المسرح والمسرحية

بعد أن تتوقف الحافلة ندخل غرفة كبيرة مضاءة وعلى أحد الجوانب هناك رفوف من الكتب على طول الجدار ونوافذ على الجانب الآخر. وتقوم امرأتان من جمعية المرأة العاملة بترتيب الكراسي والمناضد البلاستيكية، ويبدأ أعضاء فرقة المسرحية بجلب المعدات والعمل على تعتيم الغرفة. هناك بعض البرودة في الجو، على الرغم من كون الشمس مشرقة على الجانب الآخر من النوافذ المتسخة.
يختبر أعضاء فريق المسرح الإضاءة والصوت وتعليق اللافتات. ويبدأ الضيوف القادمون بالجلوس على مقاعدهم في صفوف أمام المسرح الصغير. هناك نساء من جميع الأعمار، مع بعضهن أطفال، والبعض يرتدين الحجاب، وأخريات لا يرتدين وثالثات منقبات بالكامل.
يتم إطفاء الأنوار، ويوجه قسمٌ منها على الدمى. يتطلع الرجل الذي في المسرحية إلى الوراء مستذكراً حياته، في حين أن زوجته تريد شيئاً آخر في حياتها غير الذي كان يتصوره ويخطط له. إنه يشعر وكأنه قد احتُجز في الظلام مما يشعره بالخذلان، وإنه لا يفهم تماما لمَ يحدث ذلك.

أسئلة وأجوبة ومناقشات

بعد المسرحية، يتم إشعال الأضواء مرة أخرى بينما لا يزال الجمهور جالساً على المقاعد ويتقدم أعضاء فرقة المسرحية خطوة إلى الأمام -وجميعهم من الرجال، باستثناء ميادة قشوع– ليس طلباً للتصفيق، ولكن للسؤال والاستماع.
واحدة من أول الأسئلة قادمة من امرأة من الجمهور وهي سألت ، إلى أي مدى يكون للمرأة الحق الطبيعي أن تشارك في الانتخابات.
تقول امرأة أخرى “نعم، هذا بالطبع حق مدني”، وتوافق على ذلك امرأة ثالثة.
وتتساءل امرأة أخرى موجودة في الجمهور: “إنني أخطط للترشح للانتخابات المحلية المقبلة. فأنا متعلمة تعليما جيدا ومؤهلة على كل المستويات. ولكني أعلم أنه سوف يكون هناك مقاومة من قبل أولئك الرجال الذين لديهم النظرة التقليدية للأمور. كيف يمكنني التغلب على هذه العقبات التي أعرف أنني سوف أواجهها؟”.
يخيم سكون لفترة قصيرة على أجواء الغرفة، ولكن سرعان ما تعود بعض الهمهمة. وتقوم امرأة أخرى قائلة: “يجب أن تقف – ودون خوف. نحن بحاجة إلى التمسك بحقوقنا”.
وتقول امرأة أخرى: “أنا ضد المساواة التامة، هناك فرق بين الرجال والنساء ولكل منهم مكانه”.
اقترح أحد أعضاء فرقة المسرحية إلى التصويت برفع الأيدي، فكان رفع الأيدي يظهر توافقا في الآراء على نطاق واسع. فتحدثت النساء عن حياة العمل وحياة الأسرة وتقاسم العمل في الممارسة العملية الفعلية.
وفي ملاحظة تعكس الحياة اليومية، بتسليط الضوء على المهام النموذجية للمرأة الأردنية: “نحن النساء من يأخذ الأطفال إلى المدرسة ونذهب الى العمل بأنفسنا، ونقوم بالتسوق، ونعيد الأطفال مرة أخرى الى البيت، ونساعد الأطفال في الفروض المنزلية، ونطبخ، ونقوم بكل أعباء المنزل الأخرى”.
يومىء حسام برأسه وينظر إلى أولئك الذين يتحدثون وأولئك الجالسون فقط. ويبدو أنه مسرور – وهذا مهم بالنسبة له. فعلى الناس أن يتناقشوا ويفكروا مليا في ما شاهدوه.

الفتيات والفتيان والتعليم

حتى لو ترشحت المرأة للانتخابات، فلن يتم انتخابها على أية حال، لأن الناس -بمن فيهم النساء- لديهم ميل للتصويت للرجل، كما تقول امرأة أخرى في الجمهور. هنا يومىء العديد من الحضور بالموافقة.
وتقول امرأة أخرى: “ولكن ليس ذلك فحسب، بل إن العشائرية والروابط القبلية تحدد فوق ذلك من الذي سيتم انتخابه”.
إنهم يتحدثون عن مجتمع يهيمن عليه الرجال. وعن كيفية التفريق في تعامل الأسر بين الفتيان والفتيات. فالأسر تشجع الأولاد للحصول على التعليم، في حين يسمح للفتيات بالتعليم، ولكن في كثير من الأحيان لا يسمح لهن بالاستفادة مما تعلمنه بعد ذلك.
ويأتي تعليق آخر من الجمهور فتقول احداهن: “أنا واحدة منهن – واحدة من تلك النساء اللواتي تلقين تعليماً جيداً، ولكن بعد ذلك بكل بساطة تم تزويجهن. بالطبع يسمح للمرأة بالتعليم، ولكن في نفس الوقت يجب عليهن انجاز واجباتهن، ورعاية المنزل ومن ثم الزواج “.
هنا تضج القاعة بالحديث. القليل فقط من بقي صامتاً. فالغالبية لديهم ما يريدون مشاركته مع الجميع في القاعة أو من بجوارهم.

 

شخص وحيد كان راضياً

في طريق العودة بالسيارة، كان حسام عابد ومايا قشوع يقرؤون بشغف رزمة من الأوراق. كانت تلك هي الاوراق التي تخص ذلك الجمهور بالتحديد، وهي تبين تفاصيل مكتوبة حول توقعاتهم قبل وبعد المسرحية. حيث تفاجأت الأغلبية، بينما الكثير منهم كان راضياً.
يقول حسام عابد: “نحن نفعل ذلك في كل مرة. نوزع الاوراق وأقلام الرصاص على الحضور ونطلب منهم ان يتوقعوا ما يمكن أن يواجههن ثم يصفون تجربتهم عن واقع ما حدث. وكقاعدة عامة، عادة ما يكون هناك تباين كبير. فالناس يعتقدون أنهم سيجلسون ويحصلون على الترفيه دون المساهمة بأي شيء من جانبهم، ولكن من الصعب القول أن هناك من كان غير راض بما حصل عليه.”
إن لدى ميادة قشوع وهي العضو الأنثوي الوحيد في المجموعة، ما تريد قوله. فتقريبا كل المعارف لديها من الذكور وهي تعيش وحدها، حتى وإن كانت شقة متصلة بمنزل عائلتها. هذه الأمور غير عادية وصعبة على الفهم بالنسبة للكثير ممن تلتقيهم. ولكن ليس لدى ميادة قشوع أي حل آخر. انها تعمل من أجل لقمة عيشها من خلال توفير خدمات الطعام من منزلها، حيث تتقن عمل الكعك والحلويات.
وتشرح قائلة: “إن وضعي لا يتلاءم مع توقعات معظم الناس عن المرأة الأردنية. فالناس يعتقدون أنني يجب أن أخرج وأن أعثر على زوج، ولكن أنا سعيدة جداً ببقاء الامور كما هي”.
ذلك واحد من الأسباب التي تجعلها سعيدة جداً وهو كونها جزءٌ من مجموعة المسرح. فهي تريد أن تستمر في إعطاء النساء الأردنيات الأخريات الشجاعة والفرصة لاتخاذ قرارات لتحديد طرق حياتهن بأنفسهن.