ما السرّ الذي يكمنُ في لفظ “ثوريّ”؟:

  • تم في العالم العربي الإشارة إلى حركة الاحتجاج المصرية التي انطلقت في كانون الثاني من عام 2011م، وما تلى ذلك من تنحّي حسني مُبارك، وزوالِ حكومته، بـ"ثورة 25 يناير".
  • ومن الأسماء الأخرى لهذه الحركة، "ثورة الغضب"، و"ثورة الشباب"، و"ثورة اللوتس" أو "الثورة البيضاء". وقد أطلقت بعض وسائل الإعلام على تلك الأحداث اسم "ثورة الثمانية عشر يوماً".
  • المصدر: ويكيبيديا.

 

“أقولُ لكلّ من يقول –في هذا الوطن– إنه ينبغي على المرأة عدم الخروج للاحتجاج كي لا تتعرض للأذى، أنه ينبغي عليه أن يتمتع بشيءٍ من الشرف والرجولة ويأتي معي في الخامس والعشرين من كانون الثاني (…) إذا كنتَ تتمتع بشيءٍ من الشرف والكرامة، فبادر إلى المشاركة في الاحتجاجات، ودافع عنّي وعن الأخريات جميعهنّ. أما إذا ما آثرتَ البقاء في المنزل، فإنك – حينئذٍ – تستحق كلّ ما يحدث، أو ما قد يحدثُ لك (…)”.
بهذه العبارات الواضحة، خرجت أسماء محفوظ ذات السبعة والعشرين ربيعاً، عبر موقع “youtube ” لتحث أخواتها وإخوانها من المصريين لاتخاذ دورٍ فاعلٍ في مجريات الثورة المصرية المعاصرة. وبفضلِ دعوة أسماء، ودعواتٍ لا تُحصى من ثوريين آخرين، تجمهر الناس بأعدادٍ غفيرة لم نشهدها من قبل في شوارع القاهرة المُغبرّة، مُنادين بإسقاط نظام حكم حسني مُبارك، الرئيس المصري آنذاك.

ويجدرُ بنا القول إن أحداث هذه الثورة المصرية الحديثة لم تقع في ميادين المدينة وشوارعها فحسب. فبالرغم من أن المراقبين قد اختلفوا في الرأي حول إذا ما كانت وسائل الإعلام الاجتماعية قد قامت حقّاً بتحريك تلك الثورة، أم أنها كانت مجرد أداة تم استخدامها فيها، فقد اتفقوا جميعاً على أن تلك الثورة قد اندلعت باستخدام ترسانة من الأقدام، والأصوات، وأجهزة الحاسوب والهواتف الجوّالة.

الثورة التي اسمها “#Egypt#Jan25

تقع الثورة المصرية في فضاء الإنترنت تحت اسم (#Egypt#Jan25). في هذا الفضاء الواسع، تستطيع النساء التعبير عن آرائهنّ وما يجولُ في نفوسهنّ دون أن يكون هناك من يُراقب حديثهنّ. وهدفهنّ من وراء ذلك –بكلّ بساطةٍ– هو الحصول على المكانة الحقيقية التي تليق بهنّ.
“ينبغي على النساء المصريات أن يناضلن في كلّ يومٍ من أجل كلّ حقٍّ من حقوقهنّ: أولاً، حقهنّ في الولاية على أجسادهنّ؛ ثانياً، حقهنّ في المساواة الدينية؛ وأخيراً، حقهنّ في التمثيل السياسي”.
هذا ما قالته “إنجي غُزلان” في موقع “Twitter” حيث تظهر تحت اسم “EngyG” مع البيانات الشخصية التالية: “وُلدت وترعرعت في القاهرة، من جيل الثمانينيات، تُمضي حياتها في السفر، والقراءة، والأكل، ودراسة سلوكيات الناس، والمكوث عالقةً في أزمة المرور اليومية، وهي معنية بمجمل النسائية والتطوير”.
وتستطيع “إنجي” المشاركة في سبعٍ إلى عشرِ مدوناتٍ قصيرةٍ “tweets” في الساعة الواحدة. ويقوم آلاف القراء بالتعليق على مدوناتها والتفاعل معها، إما بشكلٍ مباشرٍ عبر الموقع، أو من خلال الشارع، وغالباً ما يتم التفاعل من خلال الوسيلتين معاً. ويُنظرُ إلى “إنجي” على أنها مثال جليٌّ للثورية الإلكترونية النموذجية: فهي تناضلُ من أجل إسقاط نظام حُكمٍ باستخدام وسائل اتصالٍ حديثةٍ، ليس من أجل الحشد والتنظيم فحسب، بل أيضاً من أجل الترويج لقضيتها وإيصال رسالتها إلى أبعد مدىً.

اختر موضوعاً واجهر به عالياً:

تستطيع – كثوريٍّ – في الثورة التي اسمها #Egypt#Jan25  في السنة 2011 أن تُدرج ما تشاء من موضوعات ذات علاقةٍ بالمساواة في الحقوق بشكلٍ عام، أو بحقوق المرأة بشكل خاصّ، دون أن تعوّلَ كثيراً على إمكانية العثور على وسيلة إعلاميةٍ إخباريةٍ مستعدة لتحمل مسؤولية إجراء مقابلةٍ معكَ كي تُطلق من خلالها صرخاتكَ الداعية إلى حشد الجماهير.
يستطيعُ أيّ شخصٍ – سواءً كان مُشاركاً في الثورة أو مُراقباً لها – أن يُدوّن ويتبادل ما شاء من الرسائل القصيرة من خلال موقع “twitter”، أو أن يُدرج لنفسهِ ملفاً شخصياَ ضمن موقع الـ “facebook”. ويستطيع المرءُ –من خلال هذه القنوات– أن يُثيرَ مناظراتٍ مباشرةٍ حول مواضيع من مثل النوع الإجتماعي، أو المساواة، أو الحقوق، أو أن يُتابع ما أثيرَ من مثل هذه المناظرات، سواءٌ في مصر القديمة، أو في مصر الثورة، أو في مصر الحديثة، بل حتى ويستطيع متابعة ما أثير من مناظرات في مرحلة الإعداد للثورة، وفي أثناءها، وفي الساعات الحاسمة التي تلتها. ويستطيع المرءُ أن يفعل كلّ هذا دون أن يضع قدماً واحدةً في ساحة المعركة، بل حتى دون أن يتصل اتصالاً مُباشراً مع أيّ شخصٍ من الموجودين في الميدان.

ثورة الإنترنت العامية:

يدفعُ المستخدمون لوسائل الإعلام الاجتماعية بمناظراتهم إلى خط المواجهة بطرقٍ جديدةٍ، غالباً ما تكون مباشرة وغير رسمية. إن صيغ التدوين المختلفة على موقع “تويتر” (140 حرف كحدٍّ أقصى) تُرسي بعض الضوابط بالنسبة الى التكوّن. على أية حال، فإن نبرة الفضاء الإلكتروني ومناخه، غالباً ما تكون من خلال اللغة الثورية الحديثة:
“سمعتُ ذات مرّةٍ أحد أعضاء الغد يقول: “إذا ما تورطت المرأة، في هذه الأيام، في جدالٍ مع زوجها، فإنها تهدده بالذهاب إلى ميدان التحرير”.
لولا موقع “تويتر”، ربما ما كان لهذه الطرفة أن تنتشر خارج مصر، وما كان العالم سمعَ بالمدونين الكوريين الذين اخترعوا مصطلح “المُباركية”، أي الشخص الذي لا يفهم تلمسحاً لطيفاً.
وإلى جانب هذه الرسائل الطريفة، يستطيع الباحث أن يجدَ سلسلة من الشعارات المثالية: “النساء لسنَ أقليات – والتقدم دون المرأة هو تقدم لنصف المجتمع”.
“سأعرف أن الثورة قد نجحت عندما تصبحُ مصر دولةً دستورية، دون قوائم الانتظار الخاصة بالنساء، والتي تفصل الرجال عن النساء”.

أو كما كتب آخر قائلاً:
“إن مُفردة “التمكين” بحد ذاتها، تُشكلُ مُعضلة، خاصةً فيما يتعلق بالنساء. إذا كنت لا تستطيع أن ترى ذلك، فإنه سيكون من الصعب شرح ذلك في 140 حرفاً”. 
وتُشيرُ المصرية “مُنى الطحاوي” – التي تقيم في نيويورك وتعمل كاتبةً ومُعلقةً دوليةً في الـ “نيويورك تايمز” – إلى خاصيةٍ أخرى من خصائص الثورة، وهي أن هذه الثورة في جوهرها ثورةٌ عالمية، وأنها تستطيع بسبب ذلك استقطاب دعمٍ أخلاقيٍّ، ونشر الوعي والمعرفة إلى ما وراء الحدود، ودونما قيود.
قامت تسع منظمات نسائيةٍ بولندية بإرسال رسائل تضامنية إلى العناوين التالية:
#Feminists in #Egyptreplying @fatmaemam solidarity call thru @WLUML-viva #Feministsin #Jan25 

قضية المساواة بين الجنسين على المستوى الشعبي:

يستطيع المراقبون الذين يقيمون بعيداً عن موقع الثورة، أن يلحظوا –من خلال خبرتهم– وجود وعيٍ طالما تاق الناس إليه، غير أن هذا الوعي باتَ الآن يعبّرُ عن نفسهِ بطريقةٍ مختلفة تمام الاختلاف. انظر، على سبيل المثال، هذا الحوار على موقع “Twitter” والذي يجري بين ياسمين الرافعي والمُتنبّئ، وذلك من خلال الرسائل القصيرة “Tweets”:
ياسمين الرافعي: هل هناك من يعرف كم تضمُ اللجنة الشبابية المكونة من 12 عضواً، والمنبثقة عن ثورة 25 يناير، في عضويتها من النساء؟ 
المُتنبّئ: أية لجنة شبابية؟ 
ياسمين الرافعي: أولئك الذين انتخبهم الشباب للتفاوض باسمهم مع الحكومة. 
المُتنبّئ: بسطحيتها! .. هل هنالك من رابطٍ يقود إلى ذلك؟ 
ياسمين الرافعي: كلا، فأنا نفسي أبحث عن رابطٍ. غير أنني سمعتُ في نشرة الأخبار بالأمس…
وقد لاحظ أحد المدونين في أثناء بحثه في موضوع انتشار التحرش الجنسي في مصر، كما لاحظ آخرون، أن مستوى التحرش الجنسي قد انخفض بشكلٍ ملموسٍ خلال الثورة.
قال صديق لي: لم نكن لنصدق أن في مقدور المرأة أن تخرج إلى الشوارع وتبيت ليلتها هناك، دون أن تتعرض للتحرش بطريقةٍ او بأخرى! (…).

نتيجة إضافية: مناظراتٌ أكثر، وأوسع نطاقاً:

لقد أدّى وضع قضية المساواة بين الرجل والمرأة إلى نتيجة هامّةٍ أخرى. لقد قامت منتديات الحوار المتعددة والمتنوعة بإنشاء مواقع جديدة لعقد المزيد من المناظرات العامة، مناظراتٌ ما كان لها أن ترى النور في يومٍ من الأيام لولا الظروف القائمة. لقد باتَ اليوم في مقدور المرء أن يتابع شتى أنواع الحوارات المكثفة حول المرأة، والإسلام، والنسائية الإسلامية، والحجاب ودوره داخل الثورة وخارجها: عناصر نبثقت كلّها من تداعيات الظرف الراهن، غير أنها تعودُ في جذورها إلى ما قبل الثمانية عشر يوماً الأولى من شهر كانون الثاني من عام 2011م.
فتمى إمام، مدوّنة مصرية، وواحدة ممن يعملن في مجال تنظيم حملات الدفاع عن الحقوق، تقولُ في مدونتها الرابطة بموقع “Twitter”:
“حين أبدت إحدى النسويات دهشتها من الدور الذي لعبته المرأة المُحجبة في الثورة، الأمر الذي دلّ على تحطيم “التابو” الاجتماعي والديني، شعرتُ بالإهانة، ذلك أنها كانت تعبرُ عن وجهة نظرٍ شرقيةٍ حول قضية المرأة، أي أن الحجاب قد يشكلُ عائقاً حين يتعلق الأمر بخيارات المرأة، وليس بعاطفتها وتربيتها الجنسية. وقد شعرتُ أيضاً بالإهانة عندما سألتني إحدى الصحفيات في مقابلةٍ صحفية فيما إذا كنتُ أرتدي الحجاب ام لا كنسائية إسلامية.”
 

ويستمر الحوار المفتوح على الـ”facebook”، حيث أدى نشر مثل ذلك الحوار في الصفحة الخاصة بالنساء المصريات إلى جذب الكثير من الاهتمام، كما اشتملت تلك الصفحة على 30 تعليقاً حول هذه القضية وحدها.
“لقد باتَ الحديث عن الخوف من الإسلام والجماعات الإسلامية يحتلّ موقع الصدارة في وسائل الإعلام الغربية. وإذا ما كان لأيّ شخصٍ استفسارٌ حول الإسلام، أو الثقافة الإسلامية، أو كيفية ارتباط ذلك بالمرأة، فإنني أعلنُ من هنا أنني أفتحُ الحلبة لحوارٍ جادٍّ، قائم على التفاهم والاحترام. تستطيع أن تطرح اي سؤال الذي تشاءه”.
وفي موقعٍ آخر من الصفحة ذاتها، يوجد 47 تعليقاً حول قضية أخرى ذات علاقةٍ بالحجاب والقهر والقمع. ويوجدُ في موقع “Twitter” روابط لمُدَوَّناتٍ لبعض النساء اللواتي لم يسبق لهن ممارسة أي نشاطٍ سياسيٍّ، حيث أصبحنَ، الآن، يتحدثنَ بانفتاحٍ عن مشاركتهنّ في الثورة، وعن الدوافع التي جعلتنهنَّ يأخذنَ دوراً فيها.

هل نستطيع أن نشق طريقنا نحو تغيير حقيقيّ من خلال وسائل الإعلام الإجتماعية؟:

لقد نجحت أسماء محفوظ، و EngyG وزملاؤها من المدونين، إضافةً إلى عددٍ من المُستخدمين الآخرين لوسائل الإعلام الاجتماعية، في إثارة موضوع النوع الإجتماعي، والمساواة بين الرجل والمرأة، وإدراجهما في أجندةٍ ثابتةٍ، كما نجحنَ في تنمية الوعي حول هذه القضايا. أما الآن، فقد باتَ هؤلاء يواجهون العقبة التالية: عقبة رسم خطوطها الرئيسة باحثو وسائل الإعلام. ويُعدُّ البروفيسور جون داونينغ، أستاذ الدراسات الإعلامية في جامعة “إلينويز الجنوبية” الواقعة في مدينة “كاربونديل”، واحداً من هؤلاء الباحثين.
ويُعدُّ البروفيسور “داونينغ” من بين أولئك الذين كانوا يؤمنون أن وسائل الإعلام الاجتماعية قد عملت بشكلٍ مُنفردٍ كأداةٍ لتحريك الثورة، وكان هو من أثار التساؤل حول مدى قدرتنا على شق طريقنا نحو تمثيلٍ وتأثيرٍ حقيقيين، سواء كان ذلك على مستوى المرأة، أو الأقباط، أو الشيوعيين، أو أية طائفةٍ اجتماعية أخرى تم تهميشها ومنعها من أن يكون لها دور اجتماعيّ مؤثر. وقد أنهى البروفيسور مُقابلةً ضمن برنامج “Horisont” حول الشؤون الدنمركية الجارية، بطرح التساؤل التالي، الذي انطوى على شيءٍ من البلاغة والتشكك:
“لقد أزلنا مُبارك، أو أحمدي نجاد، أو أيّاً كان، لكن ما الذي ينبغي أن نفعله بما تبقى من بنية النظام؟ وما مدى الفائدة التي يمكنُ لمواقع مثل “Twitter”، و”facebook”، و”Youtube”، وغيرها من مواقع التدوين الأخرى، أن تحققها لنا إذا ما أردنا إرساء قواعد لنظام حكمٍ جديد؟.. هذه أمورٌ ينبغي علينا النظر فيها”.