“حينما ننظر للأمر من كل أبعاده، لن نجد سوى طريقة واحدة لمساعدة النساء الفقيرات في المناطق الريفية – وهي توفير دخل لهن”.
هذا ما تعتقده منال الأتير، صاحبة مشروع الريادة الاجتماعية المغربية ومؤسِّسة متجر التصميم “أناروز” على الإنترنت. اضطلعت “منال الأتير بأعمال الريادة (شركات هدفها الربح مع أهداف اجتماعية، المحرر.) خلال السنوات الخمس الماضية، وفي 2011 قامت بإطلاق مبادرة التصميم “أناروز”. هنا يمكن للنساء الفقيرات، غير الماهرات من الريف المغربي التعاون مع مصممين دوليين لإنتاج مشغولات يدوية مثل المجوهرات، والحقائب، والوسائد المطرزة؛ مثل هذه الشراكة توفر للنساء فرصة كسب دخلهن الخاص.
توضح منال الأتير قائلة،”لقد شاركت في الدفاع عن حقوق المرأة ورأيت الكثير من البرامج التعليمية، لكن الغرض الحقيقي في النهاية هو المال. من السهل علينا الذهاب إلى الريف وتثقيف النساء عن حقوق المرأة أو تنفيذ برامج تدريب، لكن النساء اللواتي نقابلهن يقلن الشيء نفسه: ‘هذه أشياء حسنة وجيدة، لكن لدينا منتجات نرغب حقا في بيعها’.” 
إن الفلسفة التي قامت عليها “أناروز” لا تركز فقط على الربح. بل على تغير التصور المتعلق بطريقة مكافحة الفقر، عن طريق النظر إلى المرأة بوصفها مصدر مبدع قادر على دفع عجلة التقدم لنفسها ولمجتمعها المحلي من خلال العمل والمبادرات- بدل النظر إليها كضحية لا حول لها ولا قوة. 
بالنسبة لمنال الأتير، التحول الاجتماعي لن يتحقق بفضل دراسة أخرى تحلل الأسباب الجذرية للفقر. التحول سيتحقق على المستوى الشعبي داخل المجتمعات وكجزء من الحياة اليومية للمرأة عن طريق تزويد النساء بأدوات محددة للعمل وفتح باب الفرص أمامهن.
الدخل يستثمر في التعليم
يوم 11 تشرين أول (أكتوبر) 2013، عقدت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة اجتماعاً استمر ثلاثة أيام لمناقشة المساواة بوصفها طريق متقدم لمحاربة الفقر. وحسب الأمم المتحدة فإن 70% من فقراء العالم من النساء – وبشكل خاص النساء اللواتي يعشن في المناطق الريفية. وفي أغلب الأحوال الخدمات الصحية والتعليمية التي تتوفر لهؤلاء النسوة تكون محدودة أو معدومة كما لا يتمتعن بأي وسيلة لكسب الرزق. ويقتصر عملهن عادة على العمل دون أجر في المنازل وغير ذلك من الأعمال المنزلية البسيطة. 
في الوقت نفسه، بينت دراسات الأمم المتحدة أنه حينما تزداد فرص المرأة في تحقيق دخل يتم استثمار المال المكتسب في العناية بصحة الأسرة (مثال ذلك، التغذية الأفضل) وفي تعليم الأطفال، بما في ذلك الفتيات.
هذا هو السيناريو الذي كانت منال الأتير تكرره وتعيده. زيادة دخل هؤلاء النسوة يمكّنهن من الحصول على الاستقلالية ويساهم في رفع مستوى معيشة الأسرة بشكل عام في عدد من المجالات الرئيسية.
“أولا، رأيت تغيراً في النساء أنفسهن. فحصولهن على النقود واستقلالهن مالياً، يكسبهن إحساسًا أكبر بالاستقلال. مثال ذلك، لم يعدن بحاجة لطلب إذن الزوج لشراء أشياء. فحتى الاستقلال في شراء الأشياء البسيطة، مثل الفوط الصحية، قد يكون له تأثير كبير. كما يتولد لديهن أيضاً إحساس جديد بالقوة في المفاوضات المنزلية. بمجرد أن يفهم الرجل أن المرأة تساهم مالياً وبشكل فعلي في نفقات الأسرة، وأنه يعتمد أيضاً على الدخل الإضافي الذي توفره، فسوف يكون لها كلمة مسموعة أكثر في اتخاذ القرارات ضمن الأسرة. وهذا يولد احتراما ويجعل من الصعب على الزوج التعدي على حرية زوجته.” 
علاوة على ما تقدم، تتغير الطريقة التي تدعم بها المرأة أسرتها وأطفالها. من الأمور التي تسعد المرأة أن تستثمر في التعليم. وتشرح منال الأتير الأمر قائلة، حين تحقق المرأة دخلاً للأسرة يكون من الأسهل عليها أن تصر على بقاء بناتها في المدرسة بدل خروجهن للعمل.

القدوة توفر إلهاماً وشعوراً بالثقة بالنفس

يوجد حالياً حوالي 100 امرأة يعملن لدى “أناروز”، مقسمات على عدد من الجمعيات التعاونية. هؤلاء النسوة يعملن وفق شبكة مدرب – ومتدرب يدعمان بعضهما أثناء سير العمل ويبتدعان معاً الشكل الذي ستتطور عليه رابطتهما المهنية. في الوقت نفسه، تعمل “أناروز” على تعزيز المهارات القيادية للمرأة عن طريق برنامج تدريب أوسع تقابل فيه المديرات العاملات مع نساء قائدات من عالم الشركات.
تتم المقابلات حين تشارك النساء برحلة مع قافلة “أناروز” – وهي رحلة تغطي جميع أجزاء المغرب تعتبر بالنسبة للكثيرات من النساء تجربة تغير حياتهن.
تقول منال الأتير، “يكاد السفر أن يكون تجربة سحرية. النساء اللواتي يعملن معنا ليس لديهن عادة العديد من الفرص للسفر، وبالنسبة للكثيرات منهن هي المرة الأولى التي يغادرن فيها قريتهن. في المقام الأول، تعطيهن الرحلة مجالاً للتعبير عن أنفسهن؛ يمكنهن أن يعشن تجربة مشتركة وأن يتحدثن بثقة مع بعضهن. ثانياً، يقابلن نساء أفادوا أنفسهن. إن مواجهتهن بالنجاح الذي حققته نساء أخريات يُحدث أثراً عظيماً ويعيد لهن ثقتهن في قدرتهن على تحقيق النجاح. رحلة القافلة تعزز بالفعل الثقة في النفس لدى هؤلاء النسوة. وفي الوقت نفسه، نسعى على الدوام لضمان أن تكون الرحلة ممتعة، وهذا أيضاً يعزز ثقة النساء في أنفسهن، ناهيك عن توليد إحساس قوي بالتضامن ضمن المجموعة. حين نعود إلى ديارنا، نواصل العمل مع ورش عمل. في تلك الورش نعمل على تطوير احتياجاتهن الفردية، وطموحاتهن، وأهدافهن.”

اقتصاد مستدام بدل أعمال الإغاثة

الثقة بالنفس والاستقلال هما عنصران أساسيان في عمل منال الأتير مع النساء. ويجب أن لا تصبح “أناروز” العكاز الذي لا تستطيع النساء البقاء من دونه.
تبيّن منال الأتير، “من المهم أن لا تنظر إليّ النساء على أننا منظمة غير حكومية جاءت فقط لمساعدتهن. أنا شريكتهن في العمل. ما نريده هو أن يتطورن ليصبحن سيدات أعمال مستقلات. إذا كنت تنتجين أشياء وترغبين في بيعها فأنت سيدة أعمال بالفعل. هدفنا النهائي هو تشجيعهن لتحقيق اقتصاد مستدام وتزويدهن بالأدوات اللازمة لتسويق منتجاتهن – حتى من دون “أناروز” هؤلاء النساء قويات بالفعل! أنا اعتقد بأن الطريقة التي تعامل بها الناس مهمة. فإذا عاملتهم على أساس أنهم غير قادرين على فعل أي شيء فلن يتقدموا إلى الأمام قط”.
تحظى منال بدعم من “يامنة القيراط علامي” من جامعة الرباط، وهي تقوم علاوة على أمور أخرى، بتدريس أعمال الريادة الاجتماعية.
تقول علامي، “إن المنظمة غير الحكومية تكون مقيدة، غالباً، بسبب العلاقة التي تربطها بمناحي المساهمات المالية، الذين غالباً ما تكون رؤيتهم مختلفة بالنسبة لمشروع المساعدة عن المنظمة غير الحكومية نفسها. بعكس ذلك، يتعاون القائمون بأعمال الريادة الاجتماعية مع داعمي الأعمال التجارية. الفكرة ليست أن نقدم مساعدة لحل إحدى المشكلات أو حل مشكلة إحدى المجموعات؛ الهدف هو كسر العزلة وخلق نوع من التآزر. إحدى الطرق للقيام بذلك هي التأكيد على الجانب التجاري من المشروع، وهنا أيضا، الاستدامة هي كلمة السر. إنها مسألة خلق نموذج عمل يركز في المقام الأول على تحسين الفرص أمام مجموعة اجتماعية محددة تعمل معها، وفي الوقت نفسه تعطي ربحاً مادياً يمكّن المشروع من أن يدير نفسه بشكل مستقل على المدى الطويل.”  
وتؤكد “يامنة القيراط علامي” على نقطة أن فرصة الحصول على دخل بالنسبة للمرأة الريفية في المغرب هي أكثر من مجرد الحصول على كسب مالي.
وتضيف، “إن هؤلاء النسوة لا يمتلكن أي حقوق أساسية. وهن أمّيّات ويجهلن حقيقة أن الأمور يجب أن تكون مختلفة. ويعتقدن بأنهن لا يستطعن مناقشة وضعهن من دون مخالفة الإسلام. ويعتمدن مالياً على أزواجهن، وبالتالي فإن حصولهن على حرية مالية يعطيهن القوة للتحكم بحياتهن.”

أكثر من شراء أغراض بأسعار معقولة

النساء العاملات مع “أناروز” من خلال مؤسساتهن التعاونية هنّ نساء اعتدن على العمل في مجال الحرف اليدوية المغربية التقليدية، لكن كان واضحاً بالنسبة لمنال الأتير منذ البداية بأن ذلك ليس كافياً إذ أريد “لأناروز” أن تنجح في كسب موطئ قدم في السوق العالمي. وهذا هو السبب في أن نساء “أناروز” يعملن مع مصممين عالميين لإيجاد تشكيلة من التصاميم الحديثة مستوحاة من التقاليد المغربية. الزبائن المستهدفين ليسوا متسوقين يتطلعون لشراء أغراض بأسعار معقولة، بل نساء عصريات ثريات تعودن على شراء السلع الفاخرة من الإنترنت.
إلا أن إقامة متجر على الإنترنت لم يكن من دون تحديات.
أولا، كان هناك تحدي ضمان إنتاج سلع عالية الجودة. وكان على النساء التكيف مع متطلبات جودة مختلفة كلية، بدل إنتاج سلع متدنية التكلفة للسوق المحلي، ويعني هذا، غالباً، تغيير المواد الأساسية المستخدمة، وتطوير تقنيات جديدة، أو حتى تغيير التصميم كله لأنه لا يتماشى مع السوق الجديد.
هذه العملية دفعت إلى السطح تحدياً آخر: فرغم أن لدى منال الأتير الكثير من الخبرة في إنشاء شبكات العمل وبناء العلامات التجارية، فإنها تفتقر إلى الخبرة في الانخراط في هذا العمل على مستوى الإنتاج.
“إذا كنت تبني علامة تجارية، فإن الزبائن يتوقعون الحصول على منتج معين. وهذا شيء يجب أن ترتقي إلى مستواه. حقيقة أنك تساعد امرأة فقيرة ليس سبب شراء ذلك المنتج. نحن لا ننتج أغراض لبيعها بأسعار معقولة؛ نحن نقدم علامة تجارية معينة – والمُنتج يجب أن يكون في مستوى تلك العلامة.”
تنهي منال الأتير حديثها بالقول، “لدي الكثير من الخبرة في تطوير العلامات التجارية وبناء شبكة دولية كبيرة – الأمران مفيدان حقاً. لكن الوقوف على أرضية الإنتاج وأن تكون جزءاً من سلسلة الإنتاج أمر مختلف تماماً. أمر فيه تحد بطرق مختلفة كلية، وقد كان ذلك منعطفاً تعليمياً طويلاً.”