عندما ذهب الأردنيون للاقتراع في انتخابات العام 2007 البلدية، برزت بشكل خاص إحدى المرشحات. كانت كوثر عبدالله بخيت الغويري إحدى أبرز الفائزات (كونها المرشحة التي حصلت على أعلى الأصوات في البلد كله) وانتخبت بشكل كاسح عضوا في المجلس البلدي لثالث أكبر مدينة في الأردن، الزرقاء. 
خلال الانتخابات المحلية خاضت كوثر عبدالله بخيت الغويري حملتها الانتخابية بمساعدة الأصدقاء وأفراد أسرتها الذين ساعدوا في توزيع النشرات ووضع الملصقات الانتخابية.
إلا أن هذه الطريقة لم تكن كافية بالنسبة لزميلة لها في مكان آخر من العالم. فعندما قررت الدنمركية برجيت فيند خوض الانتخابات البلدية في العام 2009 في فيجلي، تاسع أكبر مدينة في الدنمرك، كان عليها أن تبتدع فكرة تجذب انتباه الناخبين. لذلك قررت خوض مباراة في الملاكمة بينها وبين مرشح منافس بهدف جذب انتباه الصحافة وإيصال رسالتها إلى الناخبين.
على أريكة في كوبنهاجن، استوعبت قصص الانتخابات الأردنية، والمغربية، والدنمركية هذه بتفهم وانتباه.
نحن نحضر مؤتمرا في العاصمة الدنمركية كوبنهاجن، عن النساء العاملات في الحكم المحلي. هنا اتخذت النساء السياسيات  الثلاث- المغربية زكية مريني، والأردنية كوثر عبدالله بخيت الغويري، والدنمركية برجيت فيند- مقاعدهن على الأريكة لتبادل خبراتهن عن عملهن كنساء في الحكم المحلي.
رغم الاختلاف الكبير بينهن، فثمة شيء مشترك بين النساء الثلاثة- فقد دخلن معترك السياسة لأنهن يردن ترك أثر كبير.

رغبة في التغيير

الدنمركية برجيت فيند في الخامسة والأربعين من العمر وقد دخلت الآن عالم السياسة بعد أن خدمت لمدة عام واحد كعضو مجلس بلدي. 
قالت شارحة، “خضت الانتخابات لأنني لم أكن راضية عن سياسة الحكومة. كنت أعتقد أنها قصيرة النظر وفاشلة في معالجة بعض القضايا السياسية المهمة.”
عمر المغربية زكية مريني 51 سنة وهي تخدم لفترة ثانية. وهي في دوائر الحكم المحلي منذ سبع سنوات، وتشغل الآن منصب رئيسة بلدية مقاطعة جيلز في مراكش، ثاني أكبر مدينة في المغرب.
وتقول مريني، “كان لدي على الدوام إحساس قوي بالعدالة والإيمان بمحاربة التمييز وبسبب هذه القناعات أصبحت ناشطة سياسية خلال السنوات العشرين الأخيرة.”
على مدى سنوات عدة، شاركت زكية مريني في الحركة النسائية المغربية وهي مؤسسة ورئيسة لعدد من منظمات حقوق المرأة.
الأردنية كوثر عبدالله بخيت الغويري تخدم فترتها الثانية أيضا ولديها ثماني سنوات من الخبرة في الحكم المحلي. ودخلت المعترك السياسي لأنها تؤمن بأن السياسة المحلية في الأردن بحاجة لمساهمة المرأة.
وأشارت إلى أن “الرجال يسيطرون على المجتمع وهم صناع القرارات في العديد من المجالات. أما الآن، وبعد انتخاب خمس نساء في المجلس البلدي المحلي، فإن الأمور تتغير.”
في الدول الثلاث جميعها، يزيد عدد الرجال في الحكم المحلي عن النساء. وتختلف الطريقة التي تتعامل بها هذه الدول في دهاليز السلطة المحلية مع عدم التوازن هذا، اختلافا بينا. وتختلف أيضا الطريقة التي تتصور بها النساء الثلاث الوضع- هل أن هناك عدد أقل من النساء في دوائر الحكم المحلي لآن الحواجز الاجتماعية تعطي المرأة فرصا أقل لاكتساب نفوذ سياسي؟ أم أن نقص عدد النساء في دوائر الحكم المحلي راجع إليهن أنفسهن؟ 

نقاش الكوتا

ليس لدى المغربية زكية مريني أدنى شك، حين يتحول النقاش إلى أسباب عدم التوازن في المعاملة بين الجنسين في الحكم المحلي، تبتسم وتهز رأسها قائلة، “ليس في وسع الرجال والنساء التنافس وفق شروط متساوية.” 
وتؤكد قائلة، “ثمة عدم توازن واضح بين الجنسين على كافة المستويات. أنظر إلى الأرقام- فهي تتحدث عن نفسها.”
اليوم، 12% فقط من مسؤولي الحكم المحلي المنتخبين في المغرب هم من النساء. وهذه النسبة تأخذ في حسابها حقيقة أنه بعد ضغوط من الحركة النسائية المغربية، أدخل نظام الكوتا في الانتخابات المحلية الأخيرة- وهي كوتا للنساء حددت عند 12 بالمئة. عدد النساء اللواتي يترأسن بلديات أقل من ذلك.”
وقد شهدت مراكش، حيث ترأس زكية مريني نفسها بلدية مقاطعة جيلز، انتخاب أول رئيسة للبلدية في الانتخابات الأخيرة- وهي أول امرأة تنتخب رئيسة لبلدية في البلد. المحامية البالغة 33 عاما من العمر احتلت عناوين الأخبار في مختلف أنحاء العالم عندما أسقطت رئيس البلدية الذي احتل المنصب على مدى سنوات عدة، وتعرضت لهجوم شديد من النقاد الذين شككوا في قدرتها ونفوذها السياسي وما إذا كانت تستطيع قيادة واحدة من أكبر مدن المغرب. كما غضب الكثيرون لحقيقة أن المغرب قد أدخل نظام الكوتا الذي يحدد عدد النساء المنتخبات لدوائر الحكم المحلي.
وتقول زكية المريني، “لم يتقبل النظام السياسي اعتماد نظام الكوتا بشكل حسن. فقد رأى الكثيرون أنه ليس أكثر من التخلي عن مقاعد في المجالس المحلية للنساء.”

أولوية عالية من القمة

لم يكن الوضع على هذا النحو عندما خاضت كوثر عبدالله بخيت الغويري الانتخابات البلدية في العام 2007. فقد كانت تلك الانتخابات الأولى التي تجري بعد تبني قانون جديد للكوتا يعطي النساء 20% من المناصب في المجالس المحلية. ولم يقابل نظام الكوتا هنا بأي اعتراضات.
في الانتخابات، انتخبت 215 امرأة لتلك المجالس: 195 منهن نتيجة لنظام الكوتا. وكانت كوثر عبدالله بخيت الغويري واحدة من العشرين امرأة الباقيات اللواتي فزن بمقاعدهن في المجالس المحلية بناء على الأصوات التي حصلن عليها بأنفسهن.
وتبدي كوثر عبدالله بخيت الغويري اهتماما واضحا في التأكيد على أن الغالبية العظمى من مناصب رئاسة البلدية مازال يحتلها الرجال. ولا يوجد في الأردن اليوم سوى امرأة واحدة رئيسة لبلدية. 
وتبين كوثر عبدالله بخيت الغويري بأن “المساواة بين الرجال والنساء في المناصب القيادية ما زالت بعيدة المنال. لكن لهذا الوضع علاقة بالنساء أيضا. فمعظم النساء لا ينتخبن نساء أخريات- بل ينتخبن رجالا. كما أن النساء لا يعملن ربما بجهد مثل الرجال للوصول إلى القمة. لذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق النساء أنفسهن.”

الافتقار إلى الثقة بالنفس

خلافا للمغرب والأردن، لا يوجد نظام كوتا على مستوى الحكم المحلي في الدنمرك. ومع ذلك سجل رقم قياسي في عدد  النساء اللواتي فزن في الانتخابات البلدية الأخيرة وصل إلى ثلث المناصب تقريبا، 32% من مقاعد المجالس المحلية فازت بها النساء. في الوقت نفسه، حققت الدنمرك أكبر عدد من النساء اللواتي انتخبن كرئيسات للبلدية بلغ مجموعه 14 امرأة، ما يعادل 14%
وكانت برجيت فيند واحدة من السياسيات المحليات اللواتي انتخبن. ورغم أنها ترى بأنه ما زالت هناك حواجز تعترض طريق النساء الدنمركيات في السياسات المحلية، لكنها تعتقد بأن تلك الحواجز آخذة في الزوال.
وتقول، “كانت السياسات الدنمركية في الماضي يسيطر عليها الرجال وكانت معاييرهم وقيمهم هي السائدة. النساء يفسحن المجال للآخرين- أما الرجال فلا يفسحون المجال بالقدر نفسه. لكن تغيرت أشياء كثيرة الآن. ويمكن رؤية ذلك على المستوى الوطني، هناك أغلبية نسائية في أوساط قادة الأحزاب في البرلمان الدنمركي “الفولكتنجت”.”
وحسب قول برجيت فيند، فإن العائق الأكبر أمام النساء اليوم هو النساء أنفسهن.
وتضيف، “الكثيرات منا يعتقدن أن ذلك ليس في مقدورهن، كما أننا لم نربى على التعاطي بالسياسة. وفي الوقت نفسه هناك ازدواجية: من جهة، نحن نعتقد أن إدخال المرأة معترك السياسة أمر مهم؛ ومن جهة أخرى، الغالبية العظمى من النساء تقول ’لا أريد أن انتخب لمجرد أنني امرأة بل لأنني قادرة على النهوض بأعباء هذه الوظيفة‘.” 

دور وسائل الإعلام

عند نزول الساحة السياسية من الصعب تجنب أضواء وسائل الإعلام- أيا كان المكان الذي يسكن فيه المرء. فمن خلال وسائل الإعلام تحديدا يُظهر المرشحون أنفسهم للناخبين ويوصلون رسائلهم. لكن ما هي فكرة وسائل الإعلام عن النساء العاملات في السياسة؟ هنا أيضا تختلف تجربة النساء الثلاث.
تقول زكية المريني، ” في المغرب، كانت هناك ردود فعل متباينة على إدخال نظام الكوتا وعمل النساء في السياسة.”
وتضيف “القطاعات الإعلامية التي كانت تتعامل بإيجابية مع الحركة النسائية أبدت اهتماما قويا. في حين قدمت القطاعات المعارضة لنظام الكوتا تغطية سلبية. من الصعب التواصل، وجذب الصحفيين للحضور، عندما نستضيف، مثلا، أناسا لمناسبة ما.”
وتبين برجيت فيند بأن من الصعب أن يكون للمرء كلمة في الصحافة الدنمركية- سواء بالنسبة للسياسيين من الرجال أو للنساء. وتقول، “نظرا لكوني جديدة في هذا المجال كان من المهم بالنسبة لي الحصول على تغطية إعلامية. لكن الصحفيين غير مهتمين بسماع أراء عن أمور مثل السياسات التعليمية- فهم يريدون قصصا تروج صحفهم.”
ولهذا السبب خرجت بفكرة إجراء مباراة في الملاكمة مع سياسي ينافسها في مجال السياسة التعليمية، كان من نتيجتها جذب انتباه الصحافة.
بالنسبة لكوثر عبدالله بخيت الغويري، كان هذا تكتيكا لم تكن النساء الأردنيات بحاجة للاعتماد عليه خلال الانتخابات، فقد كان موقف وسائل الإعلام الأردنية إيجابيا تجاه المرشحات.
وتضيف، “بشكل عام، كانت وسائل الإعلام إيجابية للغاية. ربما لأن الحكومة تسيطر على الصحافة. لقد رسمت صورة إيجابية للنساء في السياسة.”
نتيجة لذلك، تتوقع كوثر عبدالله بخيت الغويري بأن يدخل المزيد من النساء حلبة السياسة المحلية في الجولة المقبلة من الانتخابات. فقد ساعدت وسائل الإعلام في أن تظهر للناس بأن النساء العاملات في السياسة المحلية مهمات وعلى درجة من الكفاءة.
إنها مسألة تقديم نماذج قوية وجيدة- وهو أمر فعلته النساء الأردنيات، والمغربيات، والدنمركيات. ثلاثة منهن يجلسن على هذه الأريكة هنا في كوبنهاجن.