صندوق الحقائق

• إن هدى لطفي هي إحدى أبرز الفنانين المؤثرين في مصر.

• ولدت بالقاهرة في مصر عام 1948 حيث تقطن وتعمل حاليا. 

• حاصلة على شهادة الدكتوراة في تاريخ الثقافة العربية من جامعة ماكجيل بمونتريال في كندا. 

• أقيم أول معرض فني لها في عام 1996 في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وتبعه عدد من المعارض الفردية والجماعية في الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا وألمانيا وفرنسا والبحرين وبلجيكا والسنيغال ومالي واليونان والدنمارك وغيرها من البلدان. 

• عاشت لمدة ثلاثة أشهر في ضاحية نوريبرو في كوبنهاغن حيث قدمت أعمالها في معرض (ماي وورلد إيميجيز) في مركز الفن المعاصر عام 2010. 

• يتضمن كتابها ستة فصول إضافية تتناول طيفا من المواضيع التي كتبتها بنفسها، وهي في أغلبها مقدمات قصيرة إلى مواضيع فردية متنوعة عن المطربة والنموذج القيادي المتمثل في شخص أم كلثوم، وعن النوع الاجتماعي بوصفة بناءً اجتماعيا، وعن الناحية الروحانية، وعن غيرها من المواضيع. ويحوي الكتاب في طياته وفرة من المواد الفوتوغرافية التي تدعم الموضوع الرئيسي لكل فصل من فصول الكتاب مما يسمح للقراء باكتشاف المواضيع المتخصصة في أعمالها.  

إن معرفتنا بالفن المصري محدودة جدا؛ فعند التفكير بالفن المصري تتجه أفكارنا مباشرة إلى القطع التي خلفها الفراعنة وإلى سيطرة الدولة الصارمة على التعبير الفني. لكن يوجد لدى الفن المصري ما هو أكثر بكثير من هذا المنظور المتقطع والمتحيز؛ فإلى جانب المشهد الفني الذي تهيمن عليه الدولة يتواجد مشهد فني مصري دولي نابض بالحياة والحيوية يبتعد عن كل ما هو مبتذل ويقترب من الاتجاهات الجديدة. كل هذا يبرز في كتاب هدى لطفي عن حياة الفنانة التي تحمل نفس اسم الكتاب، حيث نحصل فيه على منحى أكثر اتساعا عن الوضع الحالي للمشهد الفني المصري المعاصر وعلى صورة غاية في الروعة تصف لنا هذه الفنانة المثيرة للاهتمام. 
ويتألف جوهر الكتاب من فصلين أساسيين: أولهما تقدم فيه سميرة محرز – أستاذة الأدب العربي المعاصر المصرية- نظرة استشرافية مفصلة  في الترابط التاريخي والسياسي في الفن حيث تصف المكانة التي يحتلها الفن في الدولة. وهذا الفصل عبارة عن مقال ذو صلة وثيقة بفهم الواقع الذي تعمل فيه الفنانة هدى لطفي بوصفها فنانة في كل من القاهرة ومصر والعالم أجمع. وثانيهما فصل كتبته هدى لطفي نفسها حيث تخبرنا فيه عن خلفيتها وعن أصول وتكشفات مسيرتها الفنية، وحيث ترد فيه بعض الأوصاف الباعثة على التفكير لمجموعة من ردود الأفعال التي تلقاها فنها. 

التعريفات الجديدة لما هو “مصري” 

تتلمذت هدى لطفي في جامعة مونتريال في كندا وفي الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وقد بدأت النهضة الفنية لديها بالحصول على الاهتمام كمؤرخة ثقافية حيث قادتها فكرتها عن غياب المرأة الفنانة من تاريخ الفن العربي إلى التركيز على وجود المرأة ضمن حيز الفن. وقد تعرّض تعلمها ومنهجيتها تجاه تاريخ الفن لعدد من التحديات مما حدا بها إلى العمل كفنانة. وقد ابتدأت هدى -لعدد من السنوات- بالعمل في الفن التصويري (الكولاج) كوسيلة للتعبير، ومن ثم عملت بمواد كانت تجدها ملقاة في الشوارع. وتظهر الصور الغنية التنوع في كتابها مدى تعقيد وتنوع أعمالها

ومن المهم بمكان عند التحدث عن الفن المصري مناقشة من الذي يضع التعريف لما هو “مصري”. وهنا ينيرنا الفصل الذي كتبته سميرة محرز بهذا الخصوص؛ حيث أنها تشرح المكانة التاريخية للفن في الدولة بدءا من أيام الاستعمار البريطاني وانتهاء بالوقت الحاضر. ففي السابق كان الأمر غاية في البساطة –وحتى وقت قريب جدا– حيث كانت الدولة  تحتكر تحديد ما يمكن تصنيفه كمصري أو غير مصري. أما لاحقا فقد تدخل القيمون الدوليون على الفن بتعريفهم لما هو “فن مصري أصيل”، وإذا لم يتمكن الفنان من تلبية معايير أي من هذه التعريفات، أصبحت الأمور صعبة بالنسبة له، مما دفعه إلى إيجاد طريقه بنفسه. 
أما اليوم فقد غدا واقع المحيط الثقافي المصري جديدا ومختلفا، حيث تحرر الفنانون –بدرجة كبيرة- من احتكار الدولة وتضييقها على الفن، كما تمكنوا من التنقل ما بين المعارض والمؤسسات المملوكة للدولة وتلك المملوكة للقطاع الخاص. وقد ساعد هذان الأمران على تقييد هيمنة قبضة الدولة على الإنتاج الفني ودوره كراع وحيد، وفي نفس الوقت تمكنا من إحداث تأثير تثقيفي على أولئك العاملين في الدولة من خلال غرس منظور فني أكثر اتساعا في عقولهم، وفضلا عما سبق، فقد زادا من اهتمام الدولة بشمل المزيد من الفنانين العاملين في الأعمال الخاصة والدولية في مشاريع الدولة الفنية. 

الانتقال من أكاديميين إلى فنانين ممارسين للمهنة

عندما بدأ الفنانون بالتواصل مع المشهد الفني الدولي وشق طريقهم إليه من خلال تثقيف أنفسهم بمختلف المدارس الفنية في كل من باريس ولندن والولايات المتحدة الأمريكية، أصبحوا أنفسهم قادرين على تعريف فنهم، كما ساهم نمو سوق الفن في منطقة الخليج –وعلى وجه الخصوص في كل من البحرين ودبي- في تعزيز هذا الوعي المتنامي. 
وهنا تبرز هدى لطفي كأنموذج فني؛ فمن عدة نواحٍ تعتبر هدى لطفي فنانة غير اعتيادية في مصر لأنها تفتقر إلى التعليم الفني الرسمي من مدرسة فنية تديرها الدولة، في الواقع هي مؤرخة للفن. ومع هذا فهي معروفة عالميا كفنانة قديرة وتكتسب الكثير من الاحترام والعرفان في وطنها.

تدنيس المقدسات

عرضت هدى لطفي عملها أول مرة في معرض للجامعة الأمريكية بالقاهرة. ومنذ ذلك الحين وهي تنتقل إلى أروقة المعارض الخاصة الأكثر رقياً في القاهرة وحتى في المشهد الفني الدولي بما في ذلك دبي. وقد قادها العرفان والتقدير اللذان اكتسبتهما على صعيد المعارض الخاصة والدولية إلى علو نجمها كفنانة في وطنها. وهي اليوم إحدى الفنانين الذين تدعوهم الدولة إلى المشاركة في مشاريعها الفنية بالرغم من أن الدولة لا تزال تواجه بعض التحديات الدورية مع الشكل الذي تتبناه هدى لطفي في التعبير عن فنها. ومن الأمثلة على ذلك هو ما وصفته في الفصل المعنون الشهادة حيث تصف كيف أن عملها المتمثل في قالب صانع الأحذية (القالب المستخدم في إعطاء الشكل للحذاء) المطلي باللون بالفضي والمغطى بنصوص صوفية قد شكل محور خلاف لسنوات عديدة، وكانت النتيجة فرض الرقابة/ الرقابة الذاتية. 

وقد كان السبب الذي دفع الدولة إلى الاعتراض على هذا العمل بالذات أنه وفقا لتعاليم الإسلام تعتبر كتابة النصوص الصوفية على حذاء تدنيسا للمقدسات – بالرغم من أنه في هذه الحالة لم يكن حذاء وإنما القالب الذي يشكله. وقد عرض هذا العمل في تاون هاوس جاليري الذي يعد أحد أبرز المعارض بالقاهرة. وقد عرض الملصق الذي روج للمعرض هذا العمل المحتوي على قالب صانع الأحذية، وبينما كان يعلق في الأماكن العامة أصبح محط اهتمام المارّة. وكنتيجة لهذا فرضت السلطات إجراءات صارمة حيث أمرت بإنزال جميع الملصقات من الشوارع، كما أنه لا يمكن رؤية المعرض إلا بترتيبات مسبقة مع الفنانة التي كان من اللازم أن تكون حاضرة فيه. وقد بقي النزاع على عرض عملها على المستوى الدولي مستمرا لمدة عام كامل. وإلى اليوم لا يزال العمل مصادرا لدى دائرة الجمارك. 

الخلاف مع السلطات

بوصفها فنانة، تتعامل هدى لطفي مع قضايا عدة مثل النوع الاجتماعي (الجندر) والثقافة وخصوصا أنها تعمل بهدف تعزيز مدى وضوح مدارك المرأة وأدوارها المختلفة. وهي تحقق هذا من خلال خلق دمىً تتحدى من خلالها إدراك ما هو أصيل في وقت أصبحت فيه حتى صناعة الدمى المصرية التقليدية تتم في الصين. كما أنها تضفي الطابع الموضوعي على هذه الدمى عن طريق الكتابة؛ فهي تزودها بعبارات مثل “لا للحرب!” وليس هذا لأن العبارة مثيرة للجدل، بل لأن السياق الذي تندرج فيه يجعلها مثيرة للجدل. وفي هذه الحالة كان السبب هو حرب العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر. ودائما ما يضطلع السياق بدور في كيفية فهم فنها، ولهذا تبقى هدى لطفي –بوصفها فنانة- مثيرة للجدل وعلى خلاف دائم مع السلطات.  

وتنبع إحدى مواطن القوة لدى هدى لطفي من خلفيتها في دراسة تاريخ الفن. وهي تجسد في فنها ثقافة كل يوم –وهو أمر مثير للجدل في وطنها بدرجة تتعدى فهمنا كأفراد متفرجين من الخارج. ومن خلال استخدامها للمواد التي تجدها ملقاة في شوارع وأزقة وأسواق القاهرة، تنقل هدى لطفي ثقافة محلية باعثة على الصدمة إذا ما كان علينا النظر إليها أكثر مما لو كان علينا تخيلها – وبخاصة عندما تعثر على دمى محطمة في الشوارع ومن ثم تقوم بعرضها، وعندما تعمل أيضا مع صور الرموز من النساء ومن ثم تلفت نظرنا إلى نماذج الأدوار النسائية القائمة حاليا في مصر. وهي تقول إنه ليس بالأمر الذي يتطلب منها أن تخترعه بقدر ما هو موجود ومتوارث أصلا في الثقافة. 

المنظور العالمي- الإلهام المحلي

ترى هدى لطفي نفسها كفنانة عالمية، ومن خلال تجربتها ترى أنه لا ينبغي على الفنان أن يتشبث كثيرا بثقافته أو ثقافتها الأصلية لأنه سيجعل من مهمة النظر إلى ما هو أبعد من المقيدات الشخصية أمرا صعبا. وكم يسهل على هؤلاء الأفراد أن يفقدوا منظورهم وأن يفشلوا في النأي بأنفسهم عن نقطة تواجدهم، وكنتيجة لهذا يغدو أولئك الفنانون غير قادرين على تقدير غنى وتنوع الثقافات الأخرى بدرجة كافية. وإلى هذا يمكنها أيضا أن تضيف جانب النوع الاجتماعي (الجندر) حيث أنها غالبا ما تواجه بعض الصراعات مع السلطات ومنها الدولة والشرطة والجمارك والضرائب، فبالنسبة لها إنهم الرجال من هم غير قادرون على النظر إلى ما هو أبعد من حدودهم الذاتية. وهي تقدم العديد من الشواهد على ذلك وإن لم يكن بسبب تراجيديا قصر نظرهم لكان الأمر مضحكا. 

ويعد الكتاب -خلا الفصل الذي كتبته سميرة محرز- مكتوبا على يد هدى لطفي، حيث أنها تنهل من مخزونها الراقي من الكلام ومستواها المعتدل من الفكاهة. وينصب محور اهتمامها على الفن، ومن الجلي بمكان أن المواضيع الفنية التي تم انتقاؤها ذات تجذرات شخصية؛ فعندما تتناول هدى لطفي قضايا المرأة والنوع الاجتماعي والأدوار فهي تعكس لنا تجارب شخصية ونخبة من الشخصيات المقربة إليها بما فيها والدتها وخالتها والشخصيات النسائية المعروفة. وتوفر مدينة القاهرة حيث تقطن هدى لطفي الخلفية التي تستقي منها مما يوفر لها كما هائلا من المواد لتعمل فيها. ولهذا فإنها بلا أدنى شك: مصرية، ومن مصر، وفنانة.  
ونظرا لمكانتها في الطبقة الوسطى العليا، فإنها تعد نشيطة في عدد من الدوائر الاجتماعية. وهي تميل في الغالب إلى الأنشطة الدولية عند وصف الأدوار النسائية أكثر من الأنشطة المحلية المصرية حيث تعمل الطبقة الاجتماعية التي يحرك فيها المرء على إحداث تأثير هائل ومختلف على قضايا المرأة والنوع الاجتماعي والأدوار التي تضطلع بها المرأة. وكنتيجة لما سبق، تمثل الأوصاف المقدمة في الكتاب المجالات التي تتحرك فيها هدى لطفي، ومن الظلم أن نتوقع عكس ذلك. وبصرف النظر عن الطريقة التي ننظر من خلالها إليها فإنها –كنموذج قيادي- شخصية مثيرة للاهتمام؛ لأن قالبها الفني يحظى بالتقدير والعرفان الدولي ولأنها تمهد الطريق للأمور القادمة لأن تأخذ مجراها.