صندوق الحقائق

 بدأت الثورة الشعبية في مصر يوم 25 يناير 2011، خرج خلالها الشعب المصري إلى الشوارع واحتشد في وسط ميدان التحرير في القاهرة- الذي لا يزال نقطة محورية للتظاهرات والاحتجاجات. طالب الشعب الرئيس مبارك بالتنحي بعد 30 سنة من الحكم. وبعد عزل مبارك، شكل المجلس العسكري حكومة مؤقتة وبدأ العمل لإصدار دستور وطني جديد. في 29 يونيو 2012، تولى محمد مرسي أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الرئاسة في أعقاب انتخابات ديمقراطية. وبعد عام من ذلك التاريخ، اندلعت تظاهرات شعبية- تركزت بشكل خاص حول ميدان التحرير- وفي 3 يوليو أسقط الجيش مرسي. وعُيّن عدلي منصور رئيساً مؤقتاً. وفي يونيو 2014، انتُخب عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر.

تم تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا جديدًا لمصر في الثامن من يونيو هذا العام. وفي اليوم التالي تسرب مقطع فيديو على اليوتيوب فرض قضية غير متوقعة على أجندة الرئيس الجديد. 
يُظهر مقطع الفيديو، المشوش والفوضوي، امرأة تتعرض لاعتداء جنسي بطريقة غاية في الوحشية على يد مجموعة من الرجال في حالة غضب وهياج خلال الاحتفال المسائي في ميدان التحرير في القاهرة. 
المؤسف أن هذا الهجوم ليس شيئاً جديدًا بحد ذاته. فوفق دراسات حديثة، يتعرض 99.3% من نساء مصر للتحرش الجنسي في الشارع، ويتراوح ذلك ما بين الكلمات الخادشة للحياء والسباب واللمس وحتى الاغتصاب. وخلال التظاهرات الشعبية العديدة التي رافقتها اضطرابات صاخبة في ميدان التحرير وحوله، على مدى الثلاث سنوات ونصف الماضية، تعرضت ما لا يقل عن 500 امرأة (وأكثر من 250 في الفترة ما بين فبراير 2013 ويناير 2014 وحدها) لاعتداءات جنسية وعمليات اغتصاب جماعية، وفقًا لناشطين مستقلين؛ لدرجة أن الكثيرين بدؤوا يتحدثون عن أن مصر أصبحت معقلاً لثقافة الاغتصاب الممنهج. فخلال يوم واحد – 8 يونيو 2014- سجلت مجموعات ناشطة 5 حوادث لنساء تعرضن لاعتداء كان من القسوة بحيث استوجب دخولهن المستشفى، علاوة على تسجيل سلسلة من الاعتداءات الأقل حدة. 
الاحتجاج إلى جانب الرجل، جعل نساء مصر يخرجن إلى الشارع في التظاهرات المستمرة بأعداد غير مسبوقة سعيًا نحو إحداث تغيير في مصر. ومع ذلك فإن هؤلاء النسوة هن من أصبحن ضحايا الثورة – على الرغم من أنهن يفضلن تعبير “ناجيات” بدلاً من “ضحايا”. 

كسر الصمت

مشكلة مصر الكبرى مع العنف الجنسي ضد النساء تم تجاهلها من قبل معظم حكامالبلاد المتعاقبين. المعرة، ووصمة العار الاجتماعية، وعدم اهتمام الشرطة بالضحايا ساهمت مجتمعة في ثني النساء عن الإبلاغ عن تلك الجرائم.  
كاد مقطع فيديو الهجوم، الذي نشر على اليوتيوب، أن يغطي على خبر تنصيب الرئيس نفسه في الصحافة العالمية، ونتج عن ذلك أنه بات مستحيلاً على السيسي تجاهل تلك الحادثة تحديدًا. وبعد المحاولة الناجحة لضمان إزالة مقطع الفيديو عن اليوتيوب، نشر الرئيس مقطع فيديو جديد يقوم فيه بزيارة رسمية للضحية في المستشفى. 
وكان لذلك الأمر نتيجة من شقين: أولاً، إنصاف ضحية الاغتصاب؛ وثانيًا، صار لقضية العنف وجه وبالتالي صوت أيضًا. وهذا بحد ذاته تطور تاريخي.  

قوانين جديدة ضد التحرش الجنسي

قبل بضعة أسابيع فقط، أصدر عدلي منصور، الرئيس المصري المؤقت السابق، أول قانون في البلاد ضد التحرش والاعتداء- وهي تشريعات وُضعت بالتعاون مع 25 منظمة نسائية. 

قانون التحرش الجنسي الجديد في مصر

أصدر الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، قبل ترك منصبه بفترة وجيزة، قانونًا يجرّم للمرة الأولى في تاريخ مصر، التحرش الجنسي بالنساء في الأماكن العامة. ويوضح القانون أن أي شخص يتحرش جنسيًا بامرأة سواء بطريقة لفظية، أو بدنية، سواء عن طريق الإيماءات أو عبر وسائل التواصل الإلكترونية يكون متهمًا بالتحرش الجنسي ويعاقب بالسجن ستة أشهر وغرامة تتراوح ما بين 3000 جنيه مصري و5000 جنيه. وفي حال تكرار الجريمة يمكن مضاعفة العقوبة. 
 
تظهر نسخة منقحة من مقطع فيديو اليوتيوب المرأة التي تعرضت للهجوم في ميدان التحرير، ويمكن مشاهدته على موقع سي. إن. إن، والذي يبين بالتفصيل أيضًا النقاط الرئيسية في قانون منع التحرش الجديد:
 

فلأول مرة في التاريخ، فرض القانون عقوبة على جريمة التحرش بالنساء في الشارع، سواء بالتفوه بكلمات خادشة للحياء، أو السباب، أو اللمس، أو عن طريق تجاوز الحدود الشخصية للنساء، أو إجبارهن على تقديم خدمات جنسية بأي طريقة أخرى، بما في ذلك وسائل الإعلام الإلكترونية. ويواجه من يخرقون القانون غرامات باهظة أو عقوبة السجن. 
وحتى الآن قطع السيسي شوطًا كبيرًا في تطبيق القانون، لكن هل ينبئ تنصيب الرئيس المصري الجديد -الذي دافع في السابق عن قيام قوات الشرطة باختبارات “العذرية” ضد المتظاهرات- بالتطور الإيجابي الذي طال انتظاره حول حقوق المرأة والأمن في مصر؟
وقد أبدت مجموعات الناشطين المحليين والمنظمات غير الحكومية سعادتها بالمبادرات التي اتُخذت حتى الآن، لكنهم متفقون على أن من المبكر الحديث عن مدى الفارق الذي سيتمخض عنها على المدى البعيد. 

من الضروري تدعيم الحقوق القانونية للمرأة المصرية

ألمحت سارة كاترين برانت، التي تعمل مع المنظمة غير الحكومية المسماة “مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية”، إلى أن السيسي غالبًا ما يشير إلى المرأة المصرية مستخدما تعابير محافظة مثل “ربات المنازل”، أو “الأمهات”، أو “الأخوات”. وهي لا تعتقد بأن قانونًا جديدًا يجرّم التحرش الجنسي بالنساء سيؤدي وحده إلى إحداث تغيير يحتاجه المجتمع المصري بشدة. 
تقول سارة كاترين برانت، “إن مجرد وجود القانون وحده لا يكفي ما لم يُطبق بحزم. مثال ذلك، قبل عدة أعوام صدر قانون يحظر ختان الإناث، إلا أن أحدًا لم يفز بقضية في هذا الشأن- لذلك، إن لم يُطبق القانون على أرض الواقع، فلن يُحدث أي فارق. نحن بحاجة لمصادقة رسمية تؤكد بأن هذا القانون سيُطبق على أرض الواقع. وأن القانون سينجح، لذلك يتعين أن تتبعه حملة قومية لنشر المعلومات. علينا النظر إلى هذا الأمر على أنه مشكلة عامة تؤثر في المجتمع كله، وأنه مشكلة علينا إيجاد حل مشترك لها.” 
وينصب تركيز “مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية” على العمل على تعزيز المشاركة السياسية للمرأة في مصر. بالنسبة لسارة كاترين برانت، فإن العمل من أجل تعزيز تمثيل المرأة وحقوقها السياسية يرتبط بشكل وثيق بتحسين مستوى الأمان الذي تشعر به المرأة في الشارع.
وتضيف سارة كاترين برانت، “إذا ماأُريد لقانون حول التحرش الجنسي أن يُطبق، فمن الضروري أن يكون للنساء مدخل على النظام القانوني. وإذا ما سُمح للمرأة بالمطالبة بحقوقها القانونية واستخدام تلك الحقوق فإنني أعتقد بأن ذلك لن يغير التوجهات في الشارع فحسب، بل يغير الطريقة التي يفكر بها المجتمع. فإذا كسبت إحدى النساء قضية تحرش أو اعتداء جنسي فإن قضايا أخرى ستتبع ذلك- وهذا شيء سيساهم بشكل حقيقي في إحداث تغيير.” 
لهذا السبب، فإن سارة كاترين برانت تنظر إلى الحالات الفردية التي تتناولها وسائل الإعلام من زاوية أوسع. وهذا يشمل اعتداء الثامن من يونيو الذي نشر على اليوتيوب وحالات مثل حادثة ياسمين البرماوي، أول امرأة مصرية تحطم الحظر “التابو” المحيط بالاعتداء الجنسي في محاولة لضمان إدانة من اعتدوا عليها. 
وتقول سارة كاترين برانت، “القضية الفردية ليست شيئاً مهمًا بحد ذاتها، لكن حقيقة أن تلك القضايا بدأت تخرج للعلن يمكن أن يساعد على قلب الأمور رأسًا على عقب على المدى البعيد. فإذا تمكنا، على سبيل المثال، من توفير بعض المبادرات الحكومية بناءً على تلك القضايا الفردية، يمكننا خلق أرضية خصبة للتغيير.”

دعوات لإصلاح الشرطة

لقد دخل القانون الجديد بالفعل حيز التنفيذ. وغداة الهجمات العنيفة في ميدان التحرير المرتبطة بتنصيب السيسي، تم اعتقال سبعة رجال وإدانتهم بارتكاب اعتداءات جنسية. في الوقت نفسه، اتخذت الحكومة قرارًا بإقامة مراكز محلية هدفها العمل على منع الاعتداءات الجنسية ضد النساء. 
ورغم ذلك، فقد عبر نديم عبد الجواد من المنظمة غير الحكومية المسماة “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” عن شكه أيضًا في أن تُحدث حكومة السيسي أي فارق على المدى البعيد. وقد لعب عبد الجواد نفسه دورًا فاعلاً في التظاهرات السياسية وفي المجموعات المدنية المناهضة للتحرش التي نشطت في ميدان التحرير وما حولها لمنع عمليات الاغتصاب الجماعي والاعتداءات الجنسية الأخرى ومساعدة الضحايا أيضًا. 

مزيد من القراءات:

نشرت "منظمة نظرة للدراسات النسوية" روايات لثلاث شاهدات تعرضن لاعتداءات جنسية لها علاقة بالتظاهرات في ميدان التحرير: NAZRA   
 
باستخدام مقطع فيديو اليوتيوب كنقطة انطلاق، حللت الدكتورة نسرين سالم ردود فعل وسائل الإعلام والمجتمع على التحرش الجنسي ضد النساء: timep.org 
 
تغطية الجزيرة لمشاكل مصر مع العنف الجنسي ضد المرأة وقانون مكافحة التحرش الجديد:  Al Jazeera

 

ومن وجهة نظره الخاصة، فإن الفرصة الأولى نحو التغيير يجب أن تكون إحداث تغيير في عقلية الشرطة. فقد كانت الشرطة ذاتها، التي لم تقم خلال تولي السيسي لوزارة الدفاع بالتغاضي عن تقارير العنف الجنسي التي تقدمت بها نساء فحسب، بل أيضًا عرّضت النساء المعتقلات لاعتداءات. 
يوضح نديم عبد الجواد الأمر قائلاً، “قوات الشرطة ووزارة الداخلية المصرية هما عناصر رئيسية إذا أردنا فرض تنفيذ قانون التحرش الجنسي. الرأي العام الآن مهم، وقد اختار السيسي زيارة المرأة التي تعرضت لاعتداء؛ ومع ذلك، هناك الكثير من القضايا عن نساء أبلغن عن اعتداءات جنسية تمت خلال وجودهن محتجزات لدى الشرطة. لذلك فإن إصلاح الشرطة أمر له الأولوية. الوضع الآن هو أن المرأة التي تبلغ عن رجل تحرش بها جنسيا تخاطر بأن تعرض نفسها لمزيد من مضايقات الشرطة نفسها.” 

إشارات متعارضة من السيسي

يشعر كل من سارة كاترين برانت ونديم عبد الجواد بالقلق تجاه الوضع الذي يواجهه الناشطون والمعارضون السياسيون في ظل رئاسة السيسي. 
فمن جهة، قام السيسي بعد فترة وجيزة من توليه منصبه، بإطلاق سراح صحفي قناة الجزيرة عبد الله الشامي من السجن، والذي بدأ إضرابًا عن الطعام منذ يناير هذا العام احتجاجا على اعتقاله دون محاكمة لمدة تزيد عن سنة. ومن جهة أخرى، فإن 24 شخصًا من المؤيدين للديمقراطية، من ضمنهم الناشط البارز علاء عبد الفتاح، أحد أبرز القوى خلف التظاهرات المعارضة لمبارك، الذي صدر حكمًا قاسًا بحقه بالسجن 15 عامًا بعد أيام قليلة فقط من تنصيب السيسي. 
في الوقت نفسه، تبنت الشرطة موقفًا متشددًا من الإخوان المسلمين وممن جهروا بمعارضة الحكومة، كما أغلقت حظرت مدونة إخبارية على الإنترنت كانت تنتقد الحكومة بشدة. وتوحي تلك الأعمال بأن السيسي يخطط لمواصلة سياسته الأمنية المتشددة التي تواصل منح الكثير من السلطة والصلاحيات للشرطة. 
لذلك، لا يبدو أن هناك أي احتمالات لإصلاح الشرطة في المستقبل القريب. 
يقول نديم عبد الجواد معلقًا، “في نهاية الأمر فإن السيسي نفسه يقبع تحت رحمة الجهاز الأمني.” 
السؤال هو ما طول فترة الحكم التي سيتمكن السيسي من تأمينها قبل أن تتحرك مصر قُدمًا نحو عملية سياسية كانت، حتى هذه اللحظة، أبعد من أن يتم التنبؤ بها. 
في الوقت نفسه تواصل الجماعات الناشطة عملها بالضغط عبر طرح المبادرات، بالضبط مثلما نجحوا في طرح قانون مصر الجديد الذي يجرّم التحرش الجنسي.