كانت الأجواء تحت السقف الزجاجي لقاعة الاجتماعات في ”Borups Højskole” مثل خلية نحل. المجتمعون جميعا جاؤوا لحضور مؤتمر العقيدة الدينية والجنس، الذي نظم بالتعاون بين مركز “صباح”، و”المركز الدنماركي للمعلومات والإبحاث حول النوع الاجتماعي والمساواة والتنوع” (KVINFO) وبلدية كوبنهاجن. وحتى قبل انطلاق الفعاليات، اضطر المنظمون لتغيير مكان الاجتماع ثلاث مرات بسبب سيل لا ينقطع من المشاركين الراغبين في الحضور. في نهاية الأمر، تجمع ما يقارب 200 شخص للمشاركة في ذلك الحدث. 
مسيحيون، ويهود، ومسلمون، وملحدون، وبوذيون، متدينون وعلمانيون، أشخاص من مختلف الخلفيات العرقية، ومتشابهون ومختلفون من ناحية الهوية الجنسية ملؤوا القاعة واستراحوا على مقاعدهم بينما رحب عريف الحفل بالحضور. 
قبل أن تصعد الهيئة المشاركة في المؤتمر إلى المنبر، كان هناك مزيد من الترحيب قدمه فهد سعيد (الناطق باسم “صباح”- اتحاد المسلمين المثليين في الدنمارك)، ومانو سارين (وزير المساواة الدنماركي)، وآن مي أليرسليف (مديرة التوظيف والدمج في بلدية كوبنهاجن). 
المرحبون تطرقوا على الفور إلى موضوع تلك الأمسية:
ما جئنا للحديث عنه ليس مجرد الإيمان الديني والنشاط الجنسي؛ موضوع الليلة هو عن البنية المترابطة من التقاليد، والأسرة، والمجتمع، والثقافة التي يواجهها الشباب غير السويين جنسيا اليوم. 

النشاط الجنسي أمر شخصي بينك وبين الله

كان أول المتحدثين هو الدنماركي نافيد بيج إمام مستشفى هيرليف في كوبنهاجن. وكان قد بدأ الحوار حول الإسلام والمثلية في مقابلة مع الصحيفة الدنمركية الرائدة، “بوليتكن” صباح ذلك اليوم نفسه، وكان موقفه تجاه المسألة واضحا للغاية: 
“هل من الممكن أن يكون الشخص مثليا ومسلما في الوقت نفسه؟ جوابي على هذا السؤال سيكون على الدوام ‘نعم’ مدوية. الإسلام ليس دينا يتطفل على عادات الأفراد داخل غرف نومهم. الحياة الجنسية الخاصة بك أمر شخصي؛ إنها مسألة بينك وبين الله”، قال بيج ذلك مؤكدا، رغم أنه يدرك بأن الانفتاح الذي يؤمن به قد لا يمثل الموقف تجاه المثلية لدى المجتمع الإسلامي الواسع.
الدفاع عن القضية باسم الإسلام بوصفها ممارسة شخصية، وذاتية، وروحية ليس بالضرورة أمراً سهلاً في بيئة قد يكون من الصعب رسم خط ما بين الإيمان من جهة والأسرة والتقاليد من جهة أخرى. نافيد بيج نفسه يعمل في ارشاد شبان يريدون الخروج للعلن، كما هو يرشد في بعض الحالات أسر هؤلاء الشباب. وبالنسبة له فالمعلومات والحوار هما الطريق إلى الأمام.
يقول بيج، “القرآن لم يشغل نفسه كثيرا بقضية المثلية”، ما فاجأ العديد من الحضور.
رغم ذلك، ستسمع العديد من الشهادات في وقت متأخر من الأمسية تبين أن ليس من السهل إقناع الأوساط المسلمة المحافظة بهذه الحقيقة.

أول مسجد للأفراد المثليين

استخدم هذه الكلمة، الفرنسي من أصل جزائري لودفيك لطفي زاهد، والذي دخل القاعة مرتديا جبة مطرزة، لكنه لم يتحدث من منطلق إسلامي محافظ.
قال زاهد راسما صورة للتمييز الثلاثي الذي واجهه في حياته. “حين كان عمري 11 عاما، أدركت أنني ما يطلق عليه الناس‘عربي’. وحين صار عمري 17، أدركت أنني ما يطلق عليه الناس ‘مخنث’. وحين صار عمري 19 عاما، وجدت أني مصاب بفيروس نقص المناعة”. 
زاهد هو مؤسس مسجد للمثليين في باريس- الأول من نوعه في أوروبا. وهو مفتوح للجميع، حيث يصلي الرجال إلى جانب النساء، وهذا بحد ذاته مفهوم خلافي.
يدحض لطفي زاهد فكرة أن المثلية محرمة في القرآن منطلقا من حجة نسائية – إسلامية. وكان السؤال البليغ الذي ألقاه بسرعة “كيف يمكن للقرآن أن يتناول المثلية في حين أن هذا التعبير لم يدخل العالم العربي إلا مع الاستعمار؟” مثل جميع المتحدثين في الجلسة، خصص له عشر دقائق للحديث- رغم أنه بفضل حديثه المعقد والمتوازن كان في وسعه التحدث لفترة تزيد عن ضعف هذه المدة.
المقطع الوحيد في القرآن الذي يتحدث عن الجنس بين الرجال هو قصة لوط (النبي لوط في القرآن) وسدوم. ويجادل لطفي زاهد بأن ما يتحدث عنه القرآن ليس المثلية بل ثقافة الاغتصاب، حيث كان ينظر إلى الاغتصاب كسلاح حربي في تلك الحقبة من التاريخ. 
يطرح لطفي زاهد قضية وضع مدونة جديدة للأخلاق الإسلامية تتطلع إلى المستقبل- مبتعدة عن العقائد الماضية المكرسة لوصم الناس وتحقيرهم والتحول إلى ممارسات أكثر روحانية وتديّنا يمكن أن تحرر الفرد.
“بالعودة إلى النص الأصلي، يمكن النظر إلى الإسلام على أنه طريق نحو التحرر، الإسلام هو نحن. علينا أن نحطم عقائد القمع. حبنا يجب أن يوجه نحو الله، وليس نحو التقاليد بحد ذاتها”، هكذا اختتم لطفي زاهد حديثه وسط موجة من تصفيق الاستحسان.

الغموض المتعلق بالمثليات

 المرأة الوحيدة المشاركة في لجنة الليلة هي قرة العين، من جمعية إيمان (المنظمة البريطانية للمسلمين المثليين). ربما كان هذا انعكاسا لحقيقة أن صوت الرجل ما زال هو الأعلى، حتى في دوائر المثلية. 
تشرح قرة العين الأمر قائلة، “الإسلام أكثر غموضا حين يتعلق الأمر بالمثلية لدى الإناث. وحقيقة أن المناقشة تدور حول مثلية الذكور ينتج عنها أن المثليات المسلمات يصبحن مهمشات أكثر- رغم أنه من الناحية النظرية يمكن اعتبار عدم البروز ميزة”.
“ليست هناك أي امرأة في أسطورة لوط وسدوم، لكن يمكننا النظر إلى ذلك بطريقة إيجابية – لأنه إن لم يرد ذكر ممارسة الجنس بين امرأتين في القرآن فكيف يمكن أن تكون خطيئة؟” سألت الحاضرين، الذين ردوا بضحكة.
الخروج كمثلية في المجتمع البريطاني معقد وليس مقبول.
وتؤكد قائلة: “المملكة المتحدة مجتمع ليبرالي مع ثقافة إسلامية محافظة للغاية”.
“إيمان” مؤسسة موجودة منذ 15 عاما وتعمل كشبكة ومنظمة شعبية للمسلمين المثليين في مختلف أنحاء بريطانيا. يركز الجزء الأكبر من عملها على دعم وتحسين حياة المنتسبين إليها، ودمجهم في تيار المجتمع الإسلامي الرئيسي بهدف نشر معلومات عن طريق زيارة المدارس، والحديث عن المثلية وتغيير الجنس مع المراهقين المسلمين. 
تقول قرة العين، “أن يكون المرء مسلماً ومثلية أو متحولة جنسيا، هو مثل الوقوع بين ثلاثة عوالم. من جهة، لديك هويتك كمثلية أو متحولة جنسيا، ومن جهة أخرى هويتك كمسلمة. وفي الخارج لديك المملكة المتحدة الليبرالية”. 
تعمل قرة العين كمستشارة للنساء وتتعامل بشكل أساسي مع النساء الباحثات عن ملجأ بسبب هويتهن الجنسية. ومعظم هؤلاء مثليات أو متحولات جنسياً أجبرن على الزواج، أو تعرضن للعنف المنزلي، أو جرى التمييز ضدهن بطريقة قاسية وعنيفة في معظم الأحيان في وطنهن، ومع ذلك يجدن صعوبة في أن يكون لهن صوت في عملية اللجوء وفي المجتمع. 
وتختتم قرة العين حديثها بالقول، “تلك المجموعة من النساء بحاجة لعناية خاصة”.

وجهة النظر العربية

اقتصر النقاش حتى هذه النقطة من وقائع المؤتمر، على قضية العقيدة والنشاط الجنسي من منظور أوروبي – إسلامي. حقيقة أن المثلية في العالم العربي يطرح مجموعة جديدة كلياً من المشاكل أوضحها المتحدث التالي في الأمسية -الفلسطيني- الأردني “مدين الجزيرة”، مالك مقهى  Book@café في عمان. 
“بينما كنت استمع إليكم أنتم الآخرين”، قال ذلك مشيرا إلى حديث قرة العين ولودفيك لطفي زاهد، “أدركت مدى الاختلاف بين أن يكون المرء مسلماً مثلياً في الشرق الأوسط مقارنة مع المسلمين المثليين في أوروبا. ليس لدينا أئمة نتحدث إليهم عن مشاكلنا، ولا سياسيين…”. 
كانت الاختلافات مفاجئة “لمدين الجزيرة” لدرجة أنه أزاح جانباً الخطاب الذي أعده ليتكلم عن ظهر قلب.
بدأ الجزيرة حديثه قائلا، “أنا مسلم جرد من إسلامه، لقد توقفت عن الذهاب إلى المساجد؛ وتوقفت عن الصلاة؛ ولم أعد أصوم…” ثم توقف.
“لا أستطيع التوقف عن النظر إليك وأنا أقول هذه الأشياء”، قال مخاطبا الإمام الدنماركي، الذي كان يجلس في الصف الأمامي أمام منبر الخطابة، “حيث أنه يلهمني أن أسمعك تتحدث عن حقيقة أن تلك الأمور يجب ألا تكون متعارضة”.
وتبع ذلك خطاب مرتجل حرك المؤتمر وأضاف بعض الفكاهة للأمسية، رغم أن ثمة رسالة جادة خلف تلك الكلمات. في أرجاء الأمسية ذرفت دمعة أو اثنتان، لكن كان هناك الكثير من الضحك أيضا حين بدأ “مدين الجزيرة” في رواية بعض القصص عن نساء محجبات بدأن يأتين إلى مقهاه لطلب مشروبات كوكتيل كحولية مقدمة على شكل مشروبات غازية، لكنهن ما عدن يقلقن اليوم من مشاهدتهن يتجرعن نصف لتر من الجعة.
وأضاف شارحا الأمر، “ليس هناك آية واحدة في القرآن تديننا، ومع ذلك ينظر إلينا باعتبارنا مجرمين- كما أنه ليس في القرآن شيء يأمر النساء بارتداء الحجاب. زوجة النبي محمد قادت جيشا كاملا على صهوة حصان. اليوم هؤلاء هم الذين يريدون قذفي من قمة أعلى هضبة لأنني مثلي. ببساطة لقد جردت من ديني”.
ويواصل مقتنعا: “لقد جردنا الإسلاميون من ثقافتنا. لأنني مؤمن ولكنني لا أستطيع ربط نفسي بهؤلاء الذين يريدون قتلي لمجرد أنني ما أنا عليه”.
لكن رغم ما تقدم، فإن “مدين الجزيرة” يرى بصيص أمل في الثورات العربية الأخيرة. 
وأختتم حديثه قائلا، “هنا، نرى مسلمين يحاولون استعادة الإسلام. الربيع العربي جعلني أشعر بأنني مسلم من جديد”. وغادر تاركا القاعة تعج بالعواطف. 
“لقد بكيت تأثرا”، قال لودفيك لطفي زاهد معلقا ومصافحا مدين الجزيرة. 

أظهر انتمائك رغم المخاطر 

ثم طرح السؤالين التاليين في القاعة، “لكن ما الذي تستطيع فعله في الواقع؟ وما هي أفضل استراتيجية إذا أردت فعلا التوفيق بين العقيدة الدينية والنشاط الجنسي؟”
قبل الإجابة عن هذين السؤالين، انضم إلى الهيئة ممثلين عن ديانات أخرى: جاسبر يوئيل أندرسون، من الجمعية اليهودية الدنماركية للمثليين؛ ودانيال مورو، زعيم بوذي من مركز المعرفة والتعاطف؛ وأنطون بيل، من منظمة المسيحيين والمثليين؛ وتومي بيترسون من جمعية الملحدين.     
رغم أن القادمين الجدد وجدوا صعوبة في الإجابة على الأسئلة التي تتعلق بالإسلام بشكل أساسي، فقد أجمعوا على أنجح استراتيجية:
اظهر انتمائك، وشارك بنجاح في المجتمع بوصفك فرد في جماعة المثليين، اضغط على السلطات، اجعل نفسك مرئيا. وهي إستراتيجية تبدو بسيطة. 
بعد انتهاء المؤتمر، ولدى مغادرتي ﺒ”Borups Højskole”، توجهت إلى لودفيك لطفي زاهد وسألته أين يقع مسجده في باريس.
أجاب، “أخشى أنني لا أستطيع إخبارك. علينا الإبقاء على العنوان سريا لضمان سلامتنا وسلامة أعضاءنا”.