صندوق الحقائق

قبل نشر هذا المقال كان الحوثيون قد سيطروا على معظم المباني المهمة في صنعاء. وتم التوسط لإبرام اتفاق لتقاسم السلطة، لكن قبل تنفيذه قدم الرئيس اليمني ورئيس الوزراء استقالتهما. ومن غير الواضح ما ستتمخض عنه هذه المواجهة. وما زال مصير أحمد بن مبارك غير معروف. 

يمكن متابعة آخر التطورات على إذاعة بي بي سي تغطية الشرق الأوسط
 
يمكن قراءة المزيد عن مؤتمر الحوار الوطني هنا
 

في السابع من أكتوبر الماضي، تولى أحمد عواد بن مبارك منصب رئيس الوزراء في الحكومة اليمنية المؤقتة لمدة 33 ساعة فقط. وقد تم تعيينه بموجب مرسوم أصدره الرئيس المؤقت عبد ربه منصور هادي، لكنه اضطر إلى الاستقالة بسرعة بسبب الحركة الحوثية المسلحة، التي رفضت القبول به في هذا المنصب، وهي تحالف قبلي ينحدر من المحافظات الشمالية، وتسيطر الآن على الحكومة والمؤسسات الحكومية في اليمن.
وقد اشتهر بن مبارك في اليمن – وخاصة في صفوف الناشطات بأنه شخصية وطنية – لنضاله من أجل دمج المرأة ووضع كوتة للنوع الاجتماعي خلال «الحوار الوطني اليمني» الذي ترأسه طيلة الفترة التي استغرقها والتي امتدت من 18 مارس 2013 إلى 15 يناير 2014. كما اكتسب في منصبه هذا ثقة الرئيس عبد ربه منصور هادي ومتعاطفين من خارج اليمن – بما في ذلك واشنطن. وتتجلى إحدى إنجازاته كأمين عام لهذا المؤتمر في يوليو 2013 حين قبل المؤتمر التوصية باعتماد كوتة بنسبة 30% للمرأة في جميع المؤسسات والمجالس الحكومية والبرلمان في اليمن الجديد. ولم يكن ذلك إنجازًا لمبارك وحده، فقد احتفت جميع المنظمات النسائية والفعاليات السياسية الفردية بهذا الإنجاز. لكن آخرين لم يحتفلوا. 
بالصدفة، كنت في اليمن في ذلك اليوم، ودُعيت لإحدى جلسات الاستماع التي عقدها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، جمال بن عمر. وخلال محادثة قصيرة بعد الجلسة، أكد لي بن مبارك أنه لم ينم طيلة الليل، أي الليلة التي سبقت التصويت العام على الكوتة. فقد شهد هو وجميع المشاركين في الجلسة المعارضة الصارخة لكوتة المرأة من قبل الشيوخ المحافظين الذين وصفوها بأنها «حرام» وضد وضع المرأة الطبيعي في المجتمع.


أحمد بن مبارك وخلفيته

فمن هو أحمد بن مبارك – ولماذا يدعم كفاح المرأة من أجل منحها مزيد من النفوذ والمساواة في المجتمع اليمني؟ ولماذا يرفضه الحوثيون الذين يدّعون بأنهم شيعة؟
وُلد بن مبارك في مدينة عدن، المستعمرة البريطانية السابقة في الجزء الجنوبي من اليمن. وقد كان والده رجل أعمال تتمركز تجارته مع سواحل أفريقيا الشرقية، ما أتاح له الاتصال بالمجتمعات متعددة الثقافات هناك. كما تلقى تعليمه الثانوي والجامعي في مجتمع آخر، في بغداد، العاصمة العراقية. كان بن مبارك، قبل الثورة، يشغل منصب مدير مركز إدارة الأعمال في جامعة صنعاء، وأصبح مستشارًا لمشروع الشراكة اليمنية – الدنماركية، وعنوانه «تطوير برنامج الماجستير في التنمية الدولية والنوع الاجتماعي»، في مركز بحوث ودراسات تنمية النوع الاجتماعي، الواقع في جامعة صنعاء أيضًا. في هذه المناسبة أيضًا كان يريد صبغ حياة المرأة اليمنية بالطابع العصري.   
وقد اقتحم أحمد عواد بن مبارك، الذي لم يكن معروفًا للجمهور اليمني قبل قيام الثورة، الحياة السياسية على نحو سريع. وخلال الثورة الشعبية في 2011 التي استمد اليمن زخمها بسرعة بعد اعتصام جماهير المصريين في ميدان التحرير في القاهرة، أتاحت له آرائه ومهاراته الدبلوماسية دورًا قياديًا وسط الحركة الشبابية، وبصفته هذه شارك في المفاوضات التي جرت خلال أيام الثورة. 


الحوار الوطني

وقد تم تعيين بن مبارك، بعد الاتفاق الذي تم بموجبه عزل على عبد الله صالح حاكم اليمن لفترة طويلة، مُقررًا للجنة الفنية التي كانت تُحضر لمؤتمر الحوار الوطني الذي شارك فيه أكثر من 500 مندوب ضمن ثماني لجان مختلفة تبحث عن حلول لأسوأ المشاكل التي تهدد اليمن – من ضمنها الفساد المستشري ومطالبة اليمن الجنوبي المستقل سابقًا بالانفصال، ومطالبة قبائل الحوثيين المسلحة بحصة أفضل من النفوذ في اليمن.  
ومن اللافت للنظر أن 28% من المندوبين كن من النساء، شاركن «كمستقلات» أو بصفتهن أعضاء في أحزاب سياسية (لمزيد من التفاصيل انظر الموقع www.ndc.yemen). ولقد كان الحوار الوطني خطوة رائعة وضرورية، واختبارًا يعتمد بشكل كامل على قبول الشعب ودعمه. وقد اُتهم المؤتمر بأنه مشروع نخبوي من حيث الجوهر، وكانت قضية مشاركة
المرأة للرجل في السلطة واحدة من أكثر القضايا الخلافية؛ وفي الوقت نفسه، لم يشهد اليمن، الذي لم يكن فيه قبل اندلاع الثورة سوى امرأة واحدة عضو في البرلمان وأخرى وزيرة، مثل هذا العدد من النساء اليمنيات وهن يشاركن في فعاليات عامة وسياسية رسمية.   
 أثبتت المندوبات أنهن جريئات، ومؤهلات بشكل جيد، وناقدات. وكان هذا واضحًا جليًا خلال جلسة الاستماع التي شاركت أنا فيها. حيث قامت إحدى الفتيات المشاركات برفع يدها لأخذ الميكروفون والإدلاء بالتعليق التالي: «أنا أنظر منذ أكثر من ساعة إلى علم الأمم المتحدة والعلم اليمني وأتساءل: لماذا علم الأمم المتحدة أكبر من العلم اليمني؟» – معبرة بذلك عن عدم الثقة بالمجتمع الدولي وهو الأمر الذي أكده الحوثيون بقوة بعد أكثر من عام واحد بالسيطرة على العملية الرامية إلى إقامة «يمن جديد»، وهو الشعار الذي رفعته الأمم المتحدة التي كانت تقود العملية.  

ممارسة الضغط على مشاركة المرأة 

شكلت سيطرة مليشيات الحوثيين على العاصمة صنعاء في أواسط سبتمبر 2014، وعلى مدن أخرى في الأيام اللاحقة، تتويجًا للأحداث المعقدة التي واجهت اليمن بعد الثورة، خاصة من وجهة نظر الناشطات. وكان التوقيع على اتفاقية السلام، في 21 سبتمبر، التي أكدت المصادقة على النتائج التي توصل إليها مؤتمر الحوار الوطني من قبل جميع اللاعبين
السياسيين المهمين في اليمن (من دون نساء)، ومن ضمنهم الحوثيين، وهو ما يعني بأن خريطة الطريق لإقامة يمن جديد- بنظام فيدرالي، ودستور جديد، واستفتاء، وانتخاب رئيس قد تم رسمها. ومع هذه التوقيعات، لم يتراجع الصراع على السلطة، الذي كانت المرأة فيه أكثر حضورًا سواء كناشطة أو كموضوع للصراع، بل ازداد حدة.  
ينحدر الحوثيون في الأصل من منطقة صعدة، شمال اليمن حيث غالبية السكان من الزيديين. ومع أنهم شيعة، فإنهم يمارسون نموذجهم الخاص الأقل تشددًا وظهورًا من النموذج الشيعي. ومع استيلاء الحوثيين على السلطة في العديد من المدن اليمنية فإن التصريحات التي كانت تتردد عن فتح الآفاق أمام مزيد من مشاركة القطاع النسائي من السكان في العملية
السياسية باتت معرضة للخطر، وربما أكثر من أي وقت مضى.
قدم مكتب المبعوث الأممي، خلال الحوار الوطني، المشورة والدعم المتواصلين للحوار الوطني. وقد دُعي بن مبارك وذهب إلى واشنطن أكثر من مرة لشرح الوضع من وجهة نظر يمنية، بما في ذلك مخاطر رفع الدعم في ظل وضع سياسي دقيق. وقد روى لي ذلك في مناسبة أخرى حين تقابلنا صدفة في أحد المطارات، وكنا كلانا في طريقنا إلى اليمن. وقد أجرى بن مبارك محادثات مع وزارة الخارجية الأميركية ومع مجموعة من الفعاليات السياسية المختلفة في الولايات المتحدة التي لها مصالح في اليمن. ويبدو أنه قد ترك انطباعًا جيدًا في واشنطن (حيث حذر، علاوة على أمور أخرى، من رفع الدعم عن المحروقات، فرفعت القضية عن طاولة المحادثات – وقد كان رفع الدعم عن المحروقات قبل عام مضى السبب الرئيسي الذي دفع الناس إلى دعم الحوثيين الذين عارضوه) – وأصبح اتصاله بواشنطن، الذي كان من مقتضيات منصبه كأمين عام للحوار الوطني، الذريعة التي تحجج بها الحوثيين، المدعومين من إيران، لعدم الموافقة عليه. 
إضافة إلى ما تقدم، ثمة افتراض منتشر على نطاق واسع بأن بن مبارك مؤيد لحزب الإصلاح الإسلامي، أو حزب الإصلاح، حسبما هو دارج في الأحاديث اليومية، المستوحى من الإخوان المسلمين، وهو حاليًا العدو السياسي للحوثيين. وقد سيطر مؤيدو هذا الحزب في البدء على الثورة، ثم على عملية الحوار. وفي حين أن حزب الإصلاح ينتمي إليه عدد من الناشطات المعروفات، من ضمنهن توكل كرمان، الفائزة بجائزة نوبل، فثمة مجموعة من الناشطات اليمنيات يعتبروهن بشكل عام معارضات لهن. وتواجه هذه المجموعة الآن حركة الحوثيين وموقفها الأكثر تشددًا حيال مشاركة المرأة في الحياة العامة. وبحسب الناشطات من صنعاء وعدن على حد سواء، فإن أوضاع المرأة من ناحية الاستقلالية، والمشاركة، والنفوذ في مناطق صعدة سيئة للغاية. وكما قالت صبرية الثور، هي طالبة تعد لشهادة الدكتوراه في جامعة روسكيلد، خلال مسيرات حزب الإصلاح خلال الثورة كان المتظاهرون والمتظاهرات يسيرون جنبًا إلى جنب؛ أما في مسيرات الحوثيين فقد تم عزل النساء تمامًا عن الرجال، النساء في جانب من الطريق والرجال في الجانب الآخر. الأمر المفاجئ بالنسبة للناشطات، هو أن حزب الإصلاح الآن لا يشكل المعارض الرئيسي لهن، بل الحل الأقل سوءاً.