في شهر شباط (فبراير) اجتاحت جميع أنحاء ليبيا ثورة مصغرة أرجوانية اللون. فقد ازدانت أغطية رؤوس السيدات بكافة تدرجات اللون الأرجواني وبإشكال تحمل اللون الأرجواني وقامت المحلات التجارية بوضع اللوحات الأرجوانية على واجهات العرض لديها أو الفاترينات. أما الرجال، شيباً وشباباً على حد سواء، فقد ارتدوا ربطة عنق أرجوانية اللون أو تزينوا بأوشحة ذات لون ارجواني وضعوها فوق أكتافهم لإظهار دعمهم لهذه الحملة والتي عرفت باسم “يوم الحجاب الأرجواني”. وقد تولت هذه الحملة أن تناضل ضد العنف المستند إلى النوع الاجتماعي “الجندر”، حتى أنها نجحت في جعل رئيس الوزراء يقوم بارتداء وشاح ارجواني. “آلاء المرابط”، وهي من أسس هذه المنظمة التي وقفت خلف هذه الحملة، حيث لم يكن لديها أدنى شك بالنجاح العظيم الذي تحقق. 
وتوضح “آلاء” قائلة: “لقد قمنا باستخدام القرآن الكريم كحجة ضد أولئك الذين يقومون بضرب بناتهم. ومن خلال الإشارة إلى أن النبي محمد يكن يضرب بناته مطلقا، عملنا على استخدام الدين كحجة ضد العنف المتعلق بالنوع الاجتماعي. وهو ما يعني بأننا قمنا بتحقيق الدعم من مصدر غير مرئي سابقاً والذي أدى إلى قيام رئيس الوزراء ولأول مرة بتقديم الدعم بشكل علني للحملة ضد العنف المنزلي.

العنف –  جزء طبيعي من الحياة في ليبيا

“آلاء المرابط” هي فتاة مسلمة ملتزمة وهي فخورة بدينها. إنهاء تشعر بالإحباط بسبب العدد الكبير من الناس الذين يستخدمون الدين الإسلامي كأداة في سبيل قمع المرأة داخل المجتمع. وبالنسبة للكثير من الفتيات والنساء في ليبيا، يعتبر العنف المستند إلى النوع الاجتماعي جزء من الحياة اليومية، فهو شيء لا يكلفن أنفسهن مجرد السؤال عنه. وعندما خرجت “آلاء المرابط” قاصدة زيارة المدارس لتثقيف الفتيات حول حقوقهن كانت في أغلب الأحيان تسألهن عن عدد تلك الفتيات اللواتي كن الطرف الذي يتعرض للعنف في المنزل أو في الشارع. وعادة، كانت أيدي غالبية الفتيات ترتفع عالياً. فالأمر هو بالضبط لكون العنف جزء لا يتجزأ من المجتمع مما يجعل النضال ضده أمراً في منتهى الصعوبة. وهكذا، عندما تكون حججك الدينية صائبة فسوف يكون الأمر أمراً حاسماً.
وتقول “آلاء المرابط”: “إذا أردت أن تغير أي شيء سيكون من الواجب عليك أن تجيب وفق نفس المنطق الذي يقومون هم باستخدامه. كما يتوجب عليك أن تكون قادرا على أن تقول كلمة الرفض “لا” الدينية، وهي بهذه الطريقة يمكن اعتبارها السبيل الوحيد الذي تستطيع من خلاله النساء النضال من اجل قضيتهن. ومن خلال القيام بذلك، سوف تتيح للنساء بان يجعلن الدين يقف إلى جانبهن، وهو الشيء الذي يعتبر أداة في منتهى القوة.”
 “لقد قمنا باستخدام القرآن الكريم كحجة ضد أولئك الذين يقومون بضرب بناتهم. ومن خلال الإشارة إلى أن النبي محمد يكن يضرب بناته مطلقا، عملنا على استخدام الدين كحجة ضد العنف المتعلق بالنوع الاجتماع(…)” 
فالعنف على أساس النوع الاجتماعي يظهر في وسائل متباينة عديدة داخل المجتمع الليبي بدءا من المضايقات التي تتم من قبل الفتيان في الشوارع، وانتهاء بالأزواج الذين يضربون زوجاتهم وبناتهم في المنازل. وحتى إذا كان من السهل انتقاد النصف الذكوري من السكان -وهم مرتكبو الأفعال- فإن “آلاء المرابط” تشدد على أهمية النظر إلى الصورة من بعد أوسع. ووفق رؤيتها لها، فإن هذا العنف مرتبط بالظروف السياسية التي كان يعيشها الليبيون طيلة سنوات مضت. فقد أظهرت الحكومة قليلاً من الاحترام للشعب الذي إلى درجة كبيرة فقد السيطرة على مجريات حياته. وحسبما توضح “آلاء المرابط” ، ففي نفس الوقت، أصبح العنف معياراً ثقافياً، وانه في حال قيام الشقيق بالتحكم بشقيقته عن طريق الاضطهاد النفسي فسوف يكون هناك الكثيرون ممن يحاججون بأن ما يقوم به هذا الشقيق هو من منطلق محبته لها فقط، حسبما توضح “آلاء المرابط”.

انتزعت من فقاعتها الآمنة

“آلاء المرابط” والتي تبلغ من العمر 23 عاماً، هي نفسها نشأت داخل أسرة لديها عشرة أشقاء، حيث كان العنف دائماً مسألة لا جدال فيها. ولغاية بلوغها سن الـ14 كانت أسرتها تعيش في كندا، ثم انتقلوا إلى ليبيا من أجل لم شمل بقية أفراد الأسرة. لقد وجدت هذه الفتاة المراهقة بأن الانتقال إلى ليبيا شكل بالنسبة لها صدمة ثقافية شديدة، إلا انه عمل أيضاً على فتح عينيها وأعطاها نظرة جديدة نحو الحياة. فبدءا من العيش في فقاعة آمنة حيث يكون قلقها منحصراً فقط في أنها ستكون في الوقت المناسب لوصول الحافلة أم لا، وجدت نفسها في الوقت الراهن في بلد حيث لا توجد به أية حافلات على الإطلاق.
“إذا أردت أن تغير أي شيء سيكون من الواجب عليك أن تجيب وفق نفس المنطق الذي يقومون هم باستخدامه. كما يتوجب عليك أن تكون قادرا على أن تقول كلمة الرفض “لا” الدينية، وهي بهذه الطريقة يمكن اعتبارها السبيل الوحيد الذي تستطيع من خلاله النساء النضال من اجل قضيتهن. ومن خلال القيام بذلك، سوف تتيح للنساء بان يجعلن الدين يقف إلى جانبهن، وهو الشيء الذي يعتبر أداة في منتهى القوة.”
وبسرعة أدركت بأن العالم الذي كانت تعرفه (والتي كانت تشعر فيه بالأمن) قد أصبح بعيداً بملايين الأميال عن الحقيقة التي تواجهها حاليا. أما أسرتها الليبية فقد توقعت لها بأن تكون فتاة ليبية طيبة، وقد أعطت القليل من الاعتبار لحقيقة كونها قد تربت في بلد غربي. وبالنظر إلى الوراء فإنها ممتنة لحقيقة كونها قد مرت بتجربتين متباينتين كل التباين، لكونها أعطتها نظرة مختلفة تجاه الحياة.  
وتقول “آلاء المرابط”: “عندما تكوني فتاة صغيرة السن في كندا فإنكِ سوف تعتقدين بأن حياة كل فرد آخر سوف تكون كحياتك: وهي انك ستحصلين على التعليم وعلى الماء النظيف وانك ستكونين قادرة على العويل والشكوى إذا لم تحصلين على الألعاب التي تريدينها. ولكنك بعد ذلك تنتقلين إلى ليبيا حيث تكتشفين كم كُنت محظوظة، وتدركين فقط كم هو صعب عليك أن تمضي السنوات القادمة”.

الثورة التي لم تغير شيئا

بتاريخ الـ 15 من شباط (فبراير) 2011 نشبت أول اضطرابات واحتجاجات في ليبيا حيث وجدت نفسها للأشهر الثمانية التالية بأنها وقعت في مصيدة صراع قائم بين قوات “القذافي” والثوريين. وعندما سمعت “آلاء المرابط” لأول مرة عن المظاهرات كانت على يقين بأنه سيتم إخمادها بسرعة، ولم تكن تعتقد ولو لثانية واحدة بأنه سيكون هناك ثورة في ليبيا. ولكن لكونها تعيش في مدينة “الزاوية” القريبة من مدينة “طرابلس”، فقد أصبحت المعركة حقيقة مرئية عندما جاءت الدبابات لتدخل إلى المدينة. وبشكل بطيء، بدأت بتقديم المساعدة عن طريق نقل أشياء خاصة بالثوار وقد تم اعتقال والدها عدة مرات. وعندما ظهر اسمها على قائمة النساء المطلوبات تراجعت إلى منزلها بداعي الخوف من الاعتقال. وقد ظنت هي نفسها بأن آراءها المصرح بها هي التي جعلتها في مكان على قائمة النساء المطلوبات.
“عندما تكوني فتاة صغيرة السن في كندا فإنكِ سوف تعتقدين بأن حياة كل فرد آخر سوف تكون كحياتك: وهي انك ستحصلين على التعليم وعلى الماء النظيف وانك ستكونين قادرة على العويل والشكوى إذا لم تحصلين على الألعاب التي تريدينها. ولكنك بعد ذلك تنتقلين إلى ليبيا حيث تكتشفين كم كُنت محظوظة، وتدركين فقط كم هو صعب عليك أن تمضي السنوات القادمة”.
وفي أعقاب تلك الثورة أصبح التحدث عما يدور في خلدك اقل خطورة وكان هناك الكثيرون ممن استخدموا هذه الحقيقة في سبيل أن يجادلوا بأن الوضع الحالي أفضل من السابق. وبالنسبة لـ”آلاء المرابط” فقد كانت لا ترى الوضع على هذه الشاكلة. فهي تعتقد بأنه لا فرق هناك عندما يكون بمقدور الناس التحدث عما يريدونه إذا لم يكن هناك احد يستمع إليهم فعلا، وهو وضع يشكل الحقيقة بالنسبة للنساء في ليبيا بعد الثورة حيث لم تبدي الحكومة الانتقالية أية مؤشرات على أن النساء سوف يلعبن دورا اكبر مما كان عليه الحال في السابق.
وتقول: “من الناحية السياسية، لم تكن النساء أحسن حالا على الإطلاق. فبعض الناس كانوا يقولون بأن الأشياء سوف تكون أفضل حالا بشكل تلقائي نظرا لعدم وجود دكتاتور في الوقت الحالي، ولكنني لا أتفق مع ذلك. وليس من الواجب أن يتم قياس الأشياء على هذا النحو. وبدلا عن ذلك، يتعين علينا أن ننظر إلى ما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية. فما الذي نستطيع أن نفعله لضمان الأمن الاقتصادي للنساء وكيف نستطيع أن نؤمن لهن المزيد من التأثير؟”

سياسي بشكل مدهش

تناضل منظمة “صوت ليبيا” من اجل أن يكون للنساء في ليبيا تأثيرا سياسيا واقتصاديا، وكذلك للبدء بحملة تشمل كافة أنحاء البلاد بقصد إلغاء العنف على أساس النوع الاجتماعي “الجندر”. عندما قررت “آلاء المرابط” لأول مرة أن تؤسس المنظمة، لم يكن لديها أدنى فكرة كم كانت مشحونة تلك المجالات التي تدخلها. لقد تلقت تعليمها في الطب، وكان لها نهج ساذج بالنسبة لحقوق المرأة، والذي بدأ بشكل أساسي بالتركيز على خفض العنف المتفشي ضد المرأة. ولكنها سرعان ما أدركت بأن الأمور لم تكن على الإطلاق بهذه البساطة. 
 “من الناحية السياسية، لم تكن النساء أحسن حالا على الإطلاق. فبعض الناس كانوا يقولون بأن الأشياء سوف تكون أفضل حالا بشكل تلقائي نظرا لعدم وجود دكتاتور في الوقت الحالي، ولكنني لا أتفق مع ذلك(…)”
وعندما قامت بتشجيع النساء على تطليق أزواجهن إذا ما قاموا بضربهن، فقد اصطدمت بشدة بحقيقة مختلفة عما كانت تتوقع. فقد قامت النساء بسؤالها حول كيفية قيامهن بإعالة أفراد أسرهن، ثم سرعان ما تيقنت بأن من المستحيل أن تتم مناقشة حقوق المرأة دون أن تصبح مسألة من المسائل السياسية. 
وتقول “آلاء المرابط”: “لقد أدركت بأن التغيرات التشريعية والسياسية والاقتصادية هي المطلوبة في المقام الأول. وكنت اعتقد بأنني استطيع وبكل بساطة افتتاح عيادتين وخط هاتفي مباشر. لقد كان هذا نهجاً طبياً بامتياز تجاه حقوق المرأة. وفجأة، وجدت نفسي محاطة بكل هذه الأشياء التي لم أكن متأكدا بأنني أجيدها تماما.”

الأشياء تنتقل في الاتجاه الخطأ

إنها مستمرة في المتابعة باهتمام للتطور الذي تسير ليبيا نحوه. فقد تم استغلال الوضع الأمني الضعيف والمعدوم الذي يعم الدولة كذريعة لإبقاء النساء داخل منازلهن، وان الفساد فيما بين السياسيين قد انتشر بشكل كبير جدا بحيث أن عددا قليلا من النساء فقط قد شهدن بالفعل وجود نقطة من نقاط الدخول إلى عالم السياسة. وتتوقع “آلاء المرابط” بأن الأشياء سوف تبدأ بالتغير فقط عندما تتخرج أولئك الشابات اللواتي خبرن الثورة من النظام التعليمي. فسوف يكون لديهن الشجاعة والرغبة في إلقاء أنفسهن داخل عالم السياسة نظرا لأنهن شهدن كيف يكون بمقدور النساء أن يصنعن الفرق إذا ما وقفن متحدات بالرغم من العوائق القائمة ضدهن.
 “لقد أدركت بأن التغيرات التشريعية والسياسية والاقتصادية هي المطلوبة في المقام الأول. وكنت اعتقد بأنني استطيع وبكل بساطة افتتاح عيادتين وخط هاتفي مباشر. لقد كان هذا نهجاً طبياً بامتياز تجاه حقوق المرأة. وفجأة، وجدت نفسي محاطة بكل هذه الأشياء التي لم أكن متأكدا بأنني أجيدها تماما.”
 أما في الوقت الحالي فهناك الكثير من النساء اللواتي يصرحن بما يدور في عقولهن، ولاكن لا يتم سماعهن في الأماكن الصحيحة، وهي الأماكن التي ما يقلن بإمكانها أن يؤدي إلى إحداث التغيير. وبالنسبة للوضع الراهن في ليبيا، فهو بعيد جدا عن الاستقرار وبحيث فبالنسبة لحقوق المرأة لا تجد تلك الحقوق موطئ قدم لها على جداول الأعمال السياسية. وعند النظر نحو المستقبل بطريقة ايجابية، تقوم “آلاء المرابط” بتخيل المجتمع حيث تكون المرأة ممثلة في كافة دوائر ذلك المجتمع. فإذا لم يكن هناك شخص آخر يخطو نحو الأمام عندئذ ربما ينتهي بها المطاف هي نفسها بان تصبح ذات نشاط سياسي مع أنها تفضل بأن لا تصبح كذلك. وهي تتوقع بأن يقوم التاريخ بتكرار نفسه إلى حد ما ولكنها مع ذلك تعتقد بأن الأمل الذي قدمته الثورة إلى الناس وبشكل خاص للنساء سوف يبقى ذو أهمية حاسمة.
وتقول: “في الوقت الراهن، مضى القليل من الوقت للحكم على مدى التغيير الذي صنعته الثورة، لكننا سوف نرى ذلك التغيير في السنوات القادمة. وسوف يصبح التأثير الحقيقي لجميع الثورات العربية ظاهراً للعيان خلال العامين المقبلين. ويجب علينا أن لا نبدأ بالتوقع بحدوث الكثير في أوقات قريبة جدا أو أن نعتقد بأن الكثير قد يحدث في فترة قصيرة من الزمن، فهذه الأمور استغرقت مئات السنوات كي تتحقق في بلدان أخرى. وهذه هي الطريقة التي يجب أن تتم من خلالها. فالأمر يتطلب بعض الوقت لتلك الأنواع من الأمور لكي تنمو.